مقالات سياسية

 الكباشي في الحِتانة

مصعب المشرّف

الأحداث التي صاحبت الزيارة المثيرة للجدل التي قام بها الفريق الكباشي إلى منزل أحد قيادات المصالحة والمحاصصة في حزب المؤتمر الوطني المحلول في الحتّانة شمال أمدرمان. وبعد أن صادفت إستهجان وغضب سكان هذه الضاحية وحدث ما حدث مما تناقلته وسائل التواصل والمعلوماتية. فإن الذي ينبغي الحديث فيه يتلخص في الآتي:

ما كان ستتوجه ردود أفعال شباب الثورة والمقاومة إلى ما جرى لولا أن هناك أكثر من إنطباع قد تبلور  بإنعدام الثقة في أطراف اللقاء الذي جرى داخل منزل هذا القيادي . خاصة وأنه ضم صحفيين ورقيين منبوذين ؛ فقدوا الصلاحية والأهلية بسبب إرتزاقهم ورضاعتهم  صراحة من ثدي العهد البائد حتى لحظة سقوطه المدوّي ولا يزالون . ثم واكتمال هذا “العقد الفريد” بحضور وتواجد قيادي من أتباع الصادق المهدي الذي هو حزب الأمة القومي. وبما عرف عنه من عداء وسخرية من حراك شباب الثورة.

وكذلك ضم اللقاء بعض من مُكوّنات الكرشة وصحن المرارة ولحم الراس.

الفريق الكباشي هو الآحر جاء إلى الحتانة محمل بالعديد من الأوزار  الخاصة به من جهة وأوزار القوم من جهة أخرى . وعلى رأسها مجزرة فض اعتصام القيادة العامة التي حدث فيها ما حدث من قتل خارج نطاق القضاء . وإغتصاب للفتيان والفتيات والنساء . وسقوط جرحى وإعاقات ، وإغراق موتى وأحياء، وإخفاء قسري بما يجعل منها جرائم لا يسرى عليها التقادم. تلاحق مرتكبيها في كل زمان ومكان .

كذلك ترسّخ عن الكباشي إقتناع الشعب  بأنه معادي للثورة في جانب مطالبتها بترسيخ السلطة المدنية. وعودة العسكر إلى الثكنات للتفرغ لأداء المهام الأساسية التي أنشئت المنظومة العسكرية من أجلها والمتمثلة في حماية الدستور وصيانة الأراضي والحدود . وطرد الاحتلال الأجنبي وتطهير البلاد من دنسه ….. وهذه القناعة لا يخفيها الكباشي . ولكنه فام بتصعيدها في كلمته الموثقة أمام بعض ضباط الجيش في شمال كردفان بعد الثورة.  

والفريق الكباشي لا يتوقف عند هذا الحد من رفضه العودة وصحبه إلى الثكنات. وترك الإدارة المدنية للمختصين المدنيين .. ولكنه فوق مطالبته وإصراره على مشاركة العسكر في السلطة المدنية وإدارة البلاد وممارسة السياسة. فإنه يرجو ويطالب أيضا بأن يتعامل الناس مع  هذا “الجيش السياسي” بالقدسية. التي تجعله فوق المحاسبة والنقد أو بمجرد الإشارة إليه بالأصبع. …. وخائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وبالطبع فإن الكباشي هنا يطلب رابع المستحيلات . ويبدو وكأنّه يستنسخ أفكار “الإسلام السياسي” لجهة مطالبة الناس التعامل معه بالقدسية لا لشيء سوى أنه يردد “ما لدينا قد عملنا نحن للدين فداء .. ويا بلاش .. 

وحيث ينبغي أن يقتنع الكباشي وغيره من مؤيدي ممارسة الجيش والدعم السريع والأجهزة الأمنية الأخرى والطائفية . وأصحاب التبروقات والركوات والروّابين والإدارة الأهلية أنه لا قدسية في السياسة. مثلما هو الحال في التجارة والكورة وعالم الطرب والرقص والغناء على حد سواء. وأن أكبر دليل على ذلك أن السياسي مبارك الفاضل المهدي والمطربة إنصاف مدني قد تم منعهما  سوياً وعلى قدمٍ وساق من دحول ساحة الإعتصام المقدسة في ليلة صيف واحدة.

بل ومن خلال متابعة حراك الكباشي الذي يعلق عليه البعض في السوشيال ميديا بأنه يقتفي أثار  حميدتي في محاولاته تلك  الحصول على مباركات الطرق الصوفية . فمما لاشك فيع أن شيوخ هذه الطرق مقيدون بالإلتزام بأدب الخلافة والطريق والعهد الذي قطعوه على أنفسهم  خلال طقوس التطويب والإجلاس على الكـكر وتلبيس القميص والقرنية وإستلام الشعبة والرايات ..إلخ. بعدم التدخل في السياسة وأحلافها  حتى لو كان قادراً على تسلق جبل قاف وترويب الدميرة وتحلية البحر المالح.

ومن ثم فإن أي شيخ وخليفة من المتصوفة إن شذ عن هذه القاعدة وعمد إلى مضاجعة السياسة. فإنه إما خارج عن الطريقة أو من الأصل خليفة فالصو .

إن أكبر مصائب تدخل الجيش في السياسة هو سهولة إستقطابه لمصلحة هذا الحزب أو ذاك دون غيره من أحزاب وجهات ومجموعات … وسوابق التجارب في هذا المجال معروفة لدى الكافة منذ الإستقلال.

واليوم يواجه السودان بالفعل معضلة حقيقية بسبب محاولة البعض في حزب الأمة القومي الذي هو الصادق المهدي إستنساخ تجارب الحزب الشيوعي والقوميين العرب والكيزان الإستعانة بالجيش للوصول إلى السلطة وكيكة الثروة دون الحاجة إلى العبور من خلال فتحات غربال الانتخابات الديموقراطية الحرة النزيهة.

وكذلك يبقى الفريق الكباشي غارق من جهة أخرى في مسألة إقالة وزير الصحة د. أكرم التوم لسبب أبعد ما يكون عن تقصير من أكرم التوم في أداء مهامه. وبالتالي نشأت قناعة بأن وراء الأكمة ما وراءها من إبتزاز مافيات إستيراد الدواء والمستلزمات الطبية وجشع وسيلان لعاب ذئاب وجزارين المستشفيات الخاصة.

كان ذلك بعض ما يشغل خواطر الشعب ويزعجه من جهة الفريق الكباشي … 

وأما من جهة مضيفه “جمال عنقرة” فهو على حسب تصنيف الميديا قيادي بحزب المؤتمر الوطني البائد . وبحضور تابع من أتباع الصادق المهدي الذي هو حزب الأمة القومي ، بالإضافة إلى الطلقاء الصحفيين إياهم. فقد أصبحت هذه المخالطة التي جمعت ما بين الشامي والمغربي مثيرة للجدل والشك والتساؤل الذي دفع بعض لجان المقاومة وشباب الحتانة للتجمع والإحتجاح عليها بصوت مرتفع.

واقع الأمر فإتن الذي ينبغي أن يفهمه الكباشي من هذا الإحتجاج أنه ليس موجها إلى شخصه مباشرة ….. ولكنه يجيء إحتجاج على قبوله التواجد  في جلسة وحضور محفل وإجتماع ضم كل هذه الخلائط النتنة الخبيثة من فلول المؤتمر الوطني المحلول … وحيث لا مجال للإنكار  بأن المؤتمر الوطني المحلول هو العدو الصريح للثورة بطبيعة الحال ودون حاجة للتجمل وطرح مزاعم بتسوية مع محلول وعدو صارخ مهزوم ؛ والمسئول الأول كمؤسسة عن مجزرة فض إعتصام القيادة العامة ومذابح دارفور وإهدار حقوق الإنسان السوداني في السجون والمعتقلات. وتدمير إقتصاد البلاد . ونهب ثروات شعبها بالحديد والنار وعلى عينك يا تاجر..

وعلى الرغم من محاولة قيادي من أتباع الصادق المهدي الذي هو حزب الأمة القومي . وإصدار هذا القيادي (عبد الرسول النور) بيانا جاء غير متماسك البناء غير مسبوك. ملخصه أن عصام عنقرة وجه له دعوة لتناول الغداء خلال عيد الأضحى المبارك بمناسبة شفائه من مرض ألم به. وأن الكباشي الذي يمتّ إلى عصام عنقرة بصلة عائلية حضر الدعوة التي ضمت من ضمت من مرتزقة وفلول سبق الإشارة إليهم . ثم تجمّع شباب يافع خارج المنزل محتجين على تواجد الكباشي … وحدس ما حدس.

سبب عدم تماسك هذه من البداية أن الدعوة لتناول الغداء كان المبرر لها أنها “كـرامــة” …. ولكن العادات والتقاليد السودانية منذ دخول الإسلام السودان  إلى يومنا هذا  تتحاشى عمل مآدب الكرامات خلال أيام عيد الأضحى خاصة . لأنّ ضبيحة الكرامة في هذه الحالة تختلط بضبيحة  الضحية… وتفقد معناها كمظهر وطقس إحتفالي. وتبقى شينة وحركات بخالة. 

وربما لو كان عبد الرسول القيادي في حزب الأمة القومي الذي هو الصادق المهدي … لو كان قد  روى لنا أن العزومة كانت على شاي بالحليب ومعاهو كيكة. لكان الوضع إختلف ومشى الحال . على الرغم أن كرامة الشفاء لا تكون إلا بضبيحة… ولكن كل غريب من جهة المؤتمر الوطني المحلول وارد. 

وكذلك دَقَـس  عبد الرسول ؛ وأخلّ بتماسك البناء في روايته حين زعم أن سبب حضور الفريق الكباشي كان لغرض الزيارة العائلية . وبالتالي وقع في التناقض مابين السبب في الزيارة وواقع مأدبة الكرامةّ. 

كذلك جاء إغفال الراوي عبد الرسول الإشارة إلى المحتجين بأنهم من لجان مقاومة الحتّانة . ووصفه لهم بأنهم من صغار السن .. جاء منافياً للواقع ويقدح بالتالي في مصداقيته. ويؤكد مجافاته في شهادته للموضوعية . ومحاولته توجيه رسالة سياسية للتقليل من شأن لجنة المقاومة.

التقليل من شأن شباب الثورة ليس بجديد على حزب الأمة القومي الذي هو الصادق المهدي….. وقد سبق أن سخر الصادق المهدي الذي هو حزب الأمة القومي … سبق وأن سخر من حراك الشباب في البدايات التي تردّد خيفةً من عواقب أمنية تأديبية إن شارك فيها وفشلت كسابقاتها . وصار يتهرب بمزاعم شتّى ويصفها تارة بأنها “بوخة مرقة” … وتارة أخرى بأنها  “وجع ولادة” .. و”أجدى منها بيت عزاء” . وذلك قبل أن يهبط من عليائه وبرجه العاجي ، ويلتحق بذيل  مواكب هذه الثورة التي قادته وأمّتهُ فيها جحافل شباب من عمر أحفاده . وتبدى هو في مؤخرة صفوفها بسنوات عمر الخمسة والثمانين طفلاً رضيعاً يحبو.

على أية حال فإنه ومن كل ما سبق . فإن قبول الفريق الكباشي الجلوس مع من جلس معهم من فلول ومنبوذين وفاقدي أهلية رغم رتبته الرفيعة في الجيش . وعضوية المجلس السيادي ؛ والذى أدى القسم باسم ثورة ديسمبر . وقبل بالشراكة مع الحاضنة المدنية لهذه الثورة ….. فإن قبوله بالجلوس إلى أعداء الثورة تم تفسيره ضمنياً بأنه تلبية لنداء الصادق المهدي الذي هو حزب الأمة القومي بالدخول في تسويات مع النظام البائد والحزب المحلول … وقد جاء نداء الصادق المهدي هذا من منطلق فردي لا يمثل فيه إلاّ نفسه  . وهو ما يضه الكباشي داخل الفخ لكونه يتعارض جملة وتفصيلا مع الوثيقة الدستورية التي يظل الفريق الكباشي مقيد ببنودها ويفترض أنه ملتزم بها أو حتى ينفض يده منها  ويعلن نقض عهده معها.

والدليل على عدم موافقة المكون العسكري والمجلس السيادي على هذه الزيارة على النحو الذي نضح عنها . الدليل هو فحوى البيان الذي صدر رسمياً . واكتفى بإعتبار وتفسير لقاء الكباشي التفاكري مع من إلتقى في منزل جمال عنقرة . بأنه لا يخرج عن كونها زيارة عائلية وصلة رحم أدى  الكباشي واجبها.

مصعب المشرّف
[email protected]

3 أغسطس 2020

‫4 تعليقات

  1. كباشي يا كضاب الثورة بدت يداب
    ما غابطني الا فيصل محمد صالح ولقمان احمد الذين يسمحون لامثال المرتزق الكوز ابو كرش جمال عنقرة بالظهور في تلفزيون السودان يسقط فيصل محمد صالح ولقمان احمد

  2. لو ظهر اي من الفلول على اعلام الثورة أو شاشة الثورة ستخرج لإسقاط وزير الاعلام ومدير التلفزيون
    فليذهبو جميعا طالما انهم لم يقدرو دماء الشهداء المهدره من قبل أعداء الثورة…ليس من الأدب ان نرى قاتلينا وهم طلقاء ويؤذوننا عبر مؤسسات الثورة….لا يمكننا تحمل ذلك..

  3. (وكذلك يبقى الفريق الكباشي غارق من جهة أخرى في مسألة إقالة وزير الصحة د. أكرم التوم لسبب أبعد ما يكون عن تقصير من أكرم التوم في أداء مهامه. وبالتالي نشأت قناعة بأن وراء الأكمة ما وراءها من إبتزاز مافيات إستيراد الدواء والمستلزمات الطبية وجشع وسيلان لعاب ذئاب وجزارين المستشفيات الخاصة)

    الرجاء التاكد من صحة هذه المعلومة حتي لا نفقد المصداقية

  4. شوف يأخي أقسم لك بالله العظيم أني لا أنتمي لأي جهة ولكن مثل هذا التحليل الغبي الذي لا يأبه بما وصل اليه السودان من شقاق ونزاع وفتن بين جميع مكوناته والذي أدى الى انتشار الجوع والفقر بشكل مخيف، هذا التحليل الغبي يزيد من الفتن ويؤجج النيران ويزيد الاستقطاب ويجيش الناس وهم جوعي وايمانهم طالع ضد بعضهم البعض..
    كل ما في الأمر زيارة اجتماعية في العيد في حي فقير وفي منزل فقير قام شذاذ الافاق بتجميع رجرجة من الشماشة والذين يبدو من أشكالهم وملابسهم المقطعة واشكالهم المتسخة أنهم ليسوا الثوار أولاد الناس الذين فجروا الثورة.. أسأل الكاتب: هل هذه الرجرجة هم من يراهن على أنهم هم الثورة؟ هل سمع الكاتب ببعض الفاظهم واساءاتهم التي تربوا عليها في الشوارع والأزقة؟.. يبدو أن الكاتب معجب بهؤلاء الدهماء لأن نهجه الفكري لا يستطيع أن يقفز على حائط أعلى من حائط هؤلاء الصعاليك ليسرق لجان المقاومة الحقيقية والشريفة كما عمل جماعته على سرقة اتحاد المهنيين، فسرقوا الاسم واللوحات بينما ظلت الشخصية الاعتبارية لاتحاد المهنيين قائد الثورة الى جانب الأصم وصحبه!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..