مقالات سياسية

ليس من أجل الفريق كباشي، إنما من أجلنا نحن

د. قاسم نسيم حماد

وطلت علينا حادثة الحتانة التي مثلت تراجعاً خطيراً في أدبيات الثورة ومقاصدها، فقد رأيت أكثر الناس حماسةً للثورة من أبناء النوبة ينحاز لعرقه، ورأيت اصطفافاً نوبياً بائناً، رأيت روح الثورة فيهم تذبل، ونعرة العصبية تعلى، فمن ذا يريد وأداً للثورة وتزكية للقبيلة، فلا يمكن لثورة وعيٍ أن تذر من يحيون العنصرية، وينعشون الجهوية، فإما أننا كنا مجرد غوغاء نردد في هتافات ثورتنا، وإما أن هناك من يقتل الثورة قصدا.

حاولت أن أقنع نفسي بما ساقه بعضهم بقولهم إنه لم يقل كلمة “عبد”، إنما قال “عفن”، لكني لم أفلح، فآذاني تأبى ذلك، وذاكراتي تحفظ قول المتنبي (ما يقبض الموتُ نفساً من نفوسهم،،، إلا وفي يده من نتنها عودُ)، فالعفونة لازمة من لوازم العبد في الثقافة العربية الكلاسيكية، فإن أنكرت أذني كلمة “عبد” واحتملت القول الثاني “عفن”، فلا يخرج تفسيره عن لازمة العبد، وهذه أنكى من القول الصريح.

لكن شاهد آخر يقنعني بما رسب في فؤادي، وهو قولهم الذي ورد في الفيديو “وشك أسود زي أفعالك”، فالسود مرادف للعبودية، ورغم استوائنا فيه، هم جعلوا له درجات، وإلَّا لِمَ يدمغ الأسود أخاه بالسواد، فقد أرادوا ذات كلمة عبد، وللمفارقة فأرض بلادنا أسمها السودان، وهي على صيغة جمع الجمع لأسود، وذلك نظراً لسواد سكانها، لكن هذا الاسم لم يكن محبذاً لكثيرين تطاولاً وأنَفَةً، فلم يكن يطلق سابقاً إلا على المتحدرين من أرومة نوباوية أو فوراوية أو من الفونج أو الجنوب، تجد هذا في كتاب الطبقات لود ضيف الله فقد كان يطلقه على الأشخاص الذين ينحدرون من أرومة إفريقية سودانية، وربما كان مرادفاً لكلمة رقيق، أما الأشخاص الذين ينحدرون من أرومة شمالية فما كان يطلق عليهم هذا المصطلح، إنما كانوا ينسبون بقبائلهم يقول ود ضيف الله في متن كتابه “بان النقا الضرير الفضلي الجعلي، وأمّه سودانية” –أي أنها من قبيلة غير عربية -(طبقات ود ضيف الله، ص 297)، ويقول د. يوسف فضل، محقق الكتاب في حاشيته في شرح كلمة (سوداني): ” أيْ أنَّه منْ سكان البلاد الأصليين: السودان أو السود… ويمضي قائلاً وهذا التعبير كان شائعاً بين العناصر العربية والمستعربة من سكان السودان، والآن يندر استعماله في هذا المعنى” (طبقات ود ضيف الله، حاشية ص 297).

وتقول د.يوشيكو كوريتا في بحثها الموسوم باسم (علي عبد اللطيف وثورة1924بحث في مصادر الثورة السودانية) : “إنَّ لفظة سوداني كانت تعني حتى القرن العشرين – في معظم الحالات– الزنوج (الجنوبيون) أو أهل جبال النوبة فقط” (كوريتا، ص 45)، إذن نحن نقف عند جدلية المصطلح وشدة النفور منه منذ البداية، فقد ظهر أوَّل نزاع حول الكلمة بين علي عبد اللطيف وسليمان كشة كما هو معلوم، علي عبد اللطيف يصر على تقديم الكتاب الذي جمعت فيه القصائد التي قيلت في المولد بجملة “إلى الأمة السودانية” وكشة يصر على جملة “إلى الأمة العربية”، نفوراً من كلمة سوداني ودلالاتها المسيئة، ولا زلنا نذكر مطابة نفرٌ من الساسة تغيير اسم السودان بعد الانفصال، انكاراً لحقيقة ألوانهم، نسوق كل هذا لنؤكد على دلالة كلمة “أسود” التي تعني “عبد” والتي أُلحقت بالفريق كباشي.

وتترى الشواهد فالكباشي هو وحده الذي فض اعتصام القيادة، فقد أودع الله فيه ألف كفٍ، وألف رجل، وألف ناب، ويحمل ألف خنجر، مما أهْلَّه وحده لفض اعتصام القيادة!!! متى نكف عن الضحك على العقول، فحظ الرجل التعيس منحه لساناً ذرباً أهْلَّه ليكون ناطقاً باسم المجلس العسكري، فلا ينطق عن هوىً، إنما بما يقرره المجلس العسكري، فجعلوا نطقه بتقرير فض الاعتصام المرير فعلاً أتاه وحده، وألزموه به، وهم يعلمون أن هذا الفضّ قرار اتخذته كل عضوية المجلس العسكري ووقع عليه قادة من الحرية والتغيير، بل تذهب بعض الروايات إلى تورط بعضهم في ابتداع فكرة الفض، حتى لا تتكون قيادة شعبية جديدة من داخل الاعتصام، لكن هذا الفتى الأسود حمله حظه التعيس-الذي أعطاه لساناً ذرباً- أن يحمل وحده وزر فض الاعتصام، أما الآخرون فلا يُسألون، وحتى من أُعطي مسؤولية لجنة التحقيق لكشف وقائع الفض وظلَّ يسوف في الزمن، وأفات الآماد المعلنة أكثر من مرة فلا يسأل، لكن الكباشي وحده يحمل الوزر.

ليست هذه الكلمة “عبد” هي أقسى ما آلمنا، بل سبقت مقالةٌ كانت أنكى علينا، لأن كاتبها استخدم أسلوب الكناية، وهي قول أحدهم “ابن الفدادية”، فالفدادية ارتبطت في ثقافتنا التي تشتكي الأمراض بالإماء، وهذا من تناقضات ثقافتنا، فهي كانت تحتفي بالمريسة شرباً، وتستحقر صانعتها، والمريسة مشروب ما خلت قبيلة منه، وقد أجاد الأستاذ الطيب محمد الطيب –طيب الله ثراه- في كتابه الأنداية في تصويرها في كافة المجتمعات السودانية، لكن قوانين الشريعة الإسلامية التي طبقها الرئيس الراحل جعفر نميري حرمتها، فلم ير الناشئة من شبابنا احتفاء المجتمع السوداني بها، وللشادي معرفةً إطِّلاب ذلك من كتابه، ليقف على شيء من إرث قومه، وذاك الذي دمغ الكباشي بهذا الوصف إنما استحضر الموروث ليصفه بالعبودية، فقد كان في القديم أكثر من يقوم بصناعتها من الإماء، وهذا هو قصده، وقد كتب قوله القبيح هذا في صفحته، والكتابة تعني أنه راجع قوله أكثر من مرة، وتخير ألفاظه، حتى إذا ما رضي عنها خطها بيمينه، إذن هذا تعمد مع سبق الإصرار، لا يدع لمذنبه فرصةً للسماح، أما ابن الحتانة هذا فربما كان حدثاً لم يجر عليه القانون، وربما كان الغضب الذي سببه قتل إخوته بتلك الطريقة البشعة في مجزرة القيادة أذهله وأجرى على لسانه مقولته تلك فنطق بها، وربما كان مندساً وسط الثور لحاجة في نفسه، أو في نفس من زجوا به، طعناً في الثورة، إذن نبرئ الثورة من هذا، ونطهِّر حوضها من رجزه.

ليست هي عصبية عمياء، تتلفح مقالة دُرَيْد بن الصِّمة حين قال (وما أنا إلا من غزية إن غوت غويتُ وإن ترشد غزية أرشدُ)، لا فلا شأن لنا باختيارات الكباشي، وما اجترحته يداه من وزر، أو ما اكتسبته من بر، فهنا لا خذلان ولا نُصرة، إنما تنصره أفعاله أو تخذله، إنما ما لحق بقبيلته أو لونه فالنوبة وهو في الظلم شركاء، فيتقدمونه زوداً عن ذواتهم وأنفسهم، وغضباً لها، لا شفقة به ولا عصبية له .

والحوادث التي شغلت الرأي العام مثل هذه كثيرة، لم تقف على عهد دون عهد، فلم تغادر ذاكرتنا بعد حادثة عامل محطة الوقود في سنار حينما أهانه أحد قيادات المؤتمر الوطني الحاكم بسنار وقال له “يا عبد” وقد كان الاصطفاف النوبي معه عظيماً، وكنا نتوقع محاسبة الحزب الحاكم للجاني، لكنه لم يفعل، مما حدا بالمجني عليه مغادرة حزبه، فقد كان من عضوية المؤتمر الوطني، “فالعرق أقوى من الدين” مقولة قالها داؤود يحيى بولاد حينما التقى د. جون قرنق بعد أن ترك حزبه المؤتمر الوطني في بدايات الإنقاذ، وقد ارتد جبلة بن الأيهم عن الإسلام وتنصر لأنه أحس بالإهانة حينما قرر عمر بن الخطاب أن يُستقاد منه لأنه لطم أحد الأعراب وقال مقولته المشهورة “تنصرت الأعراب من عار لطمة”.

واستغرب أن ينشط وزير العدل في ابتدار قوانين ليس أمرها بذي خطر ويهمل حتى الآن استصدار قانون يغلظ عقوبة العنصرية التي تعد السبب الأول في مشكل البلاد.
حسب النوبة أنهم يتعرضون الآن للموت في كل صقع من أصقاع البلاد، فحسبهم القتل، فهو أفضل من الإساءة.

د. قاسم نسيم حماد
[email protected]

‫10 تعليقات

  1. إبنى دكتر قاسم عشت بين أهلى وربعى من قبيلة الرباطاب وكنت أظن أنى سيد فى قومه وسواى عبيد فساقتنى الأقدار للعمل مطلع سبعينيات القرن الماضى للعمل بدول الخليج وبدأ فى النصف الثانى من تلك السبعينيات هجرة الشباب السودانين من اطباء ومهندسين بينما كان قبل ذلك حكرا على الطباخين والسفرجية والعمالة العادية فجاء زميلى المهندس المدنى محمد سعد معروف وهو من منطقة المسيكتاب بمنطقة الجعلين وكان يقيم معى حتى يرتب امور تعاقده ويذهب لمقر عمله
    كنت انا اطهى الطعام فأنا طاهى ماهر وارسله هو ليحضر الحاجيات من البقالة والخبز من الفرن
    ذهب للفرن وجاء بدون خبز
    سألته اين الخبز وكانت اوداجه منتفخه ويكاد يميز من الغيظ
    تخيل بنت …….. قالت لأختها برحى للعبد
    رميت الكمشة ووقفت استمع اليه لانى اعرفه فربما يكون ضربهن
    وانت قلت شنو
    قلت ليها ( عبد ) أنا ، أنا جعلى مسيكتابى حر
    حمدة الله على ذلك وقلت له طيب تعال يا الجعلى المسكتابى الحر أمسك الكمشة دى عشان الطبخة ا تحرق وخلى عبد الرباطاب يمشى يجيب الرغيف
    ستظل كلمة ( عبد ) تشكل مشكلة لأى إنسان أسود فينا والعبودية اصلا كان تلصق بالفئة المنهزمة والسيادة للفئة المنتصرة
    مثلا لو قامت حرب بين قبيلة عربية ضد جماعة اوربية حيث لا قبلية فى اوربا وانتصر العرب فمن يتم اسره من رجال ونساء فهم عبيد هذا هو قانون الحروب
    الذى حدث أن الله خلق حواء من ضلع ادم وخلق ادم من اديم الأرض ومن ذريتهما تناسل الخلق حتى وصلوا للرقم سبعة مليار نسمة وشويات
    توزعوا فى الارض
    ابناء ادم وحواء ديل فيهم من يمم صوب الشمال حيث المنطقة الباردة فأصبح لونه ابيض ومن يمم صوب الشرق فأصبح أصفر كالصين واليابان واشكالهما ومن يمم صوب الغرب وسكن ادخال الأمازون والكاريبى فكان شكله كشكل رونالدينهو ومن دخل لأدغال افريقيا حيث سهولة الحصول على الطعام كأن تمد يدك لشجرة مثمرة فتأكل أو تصطاد غزالا فتأكل وكل شى ميسر
    عبارة كل شىء ميسر جعلتنا نحن كسالى بعض الشىء ولم نجتهد بينما من ذهب شمالا سياتى البرد ففكر وصنع الدفاية جاء الحر فكر وصنع الثلاجة ولمان بدأ فى التفكير تطاول العقل عنده فصنع السلاح وقال لم لا اذهب واحضر من يقوم بخدمتى وزراعة ارضى واظنك تذكر مسلسل الجذور ROOTS للكاتب ألكس هالى ALEX HALLEY نحن كسود بشر ولكن طبيعتنا الغنية بمصادر الرزق والحياة والدفء لم تجبرنا على التفكير والإختراع يكفينا قوس وسهم من فرع شجرة نصطاد به غزال
    اخوتنا او ابناء عمومتنا من ذرية ادم وحواء من ذوى البشرة البيضاء جاءوا واخذونا عبيدا
    كنا نجيد الركض والجرى اسرع منهم لاننا كنا نجرى خلف الغزلان ولكن كانت لديهم ألة أسمها البندقية بداخلها ما يسمى بالطلق النارى اسرع منا
    إبنى دكتور قاسم
    ستظل كلمة ( عبد ) تقال لنا رضينا ام أبينا فقد تقدم احد ابناء قبائل السودان السوداء لبنت من بنات جبال النوبة فرفض وحين سألت علمت أن سكان جبال النوبة يرون ان هذه القبائل ماهم الا عبيد
    لو كان ابى حى يرزق لكنا كل يوم فى الحراسة فكلمة يا عبد لا تفارق شفتيه وربنا انتقم فأصبح إبنه ينادى بها وحتى محمد سعد معروف الجعلى المسكتابى الحر أصبح ( عبدا )

  2. يعني كلمة واحدة من شخص واحد خلاص نزلتوا فينا ولولة وجعير هم أبناء النوبة لو بس كلمة بتخليهم يرجعوا عن الثورة ويرتدوا لحضن كباشي ولدهم الكان بقتلهم ويييد فيهم يبقى مبروك عليهم خليهم يرجعوا لحضن الكيزان

    1. كلامك جميل اخي قاسم
      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في معني حديث
      دعوها فانها نتنه مقصود القبليه او العنصريه
      شي قبيح جدا
      لكن مش عشان نفر واحد قال كلمه الناس تعمم
      والله من ورا القصد

  3. فعلا لو حنو لعهد الابادة الجماعية التي كان أحد قياديها كباشي الكضاب خليهم يتراجعوا عن الثورة ده لو كانوا اصلا هم مع الثورة مبروك عليهم الابادة الجماعية والمطاردة والقتل حتى أمام منازلهم كما حدث مع المرحومة عوضية عجبنا
    تحريض واضح منك يا كاتب المقال للنوبة

  4. # اخي الفاضل…لقد أفضت وخضت في بحر لا ساحل له…متلاطم الامواج..(العنصرية)…وهي قضية جدلية كونية…منذ رفض ابليس السجود لسيدنا آدم عليه السلام…منحازا ومتباهيا بعنصره..(خلقتني من نار…وخلقته من طين)…ولكنك انحرفت عن عمد من لب القضية إلي قشورها…فالجمع كان لامر ما…ولم يكن صدفة…
    # وأما حادثة الاساءة للكباشي فهي مرفوضة..ومستهجنة من الجميع…ودونك اعتذار…وتبرؤ لجنة المقاومة..
    # فالحادثة..لها عدة أوجه…وكل يأخذها من زوايته..وللاسف زوايتك كانت هروبا للامام….في وقت تتعرض فيه الثورة ..للعديد من المؤامرات..
    # وختاما….سنعبر باذن الله بالجيل الراكب راس..
    # ولن يرجع الشعب السوداني من منتصف الطريق…

  5. للأسف
    نحن أمة مكونة من الشعوب الفظة
    مهما تقدم السوداني في سلك التعليم،، تجده فظا في أسهل الأمور
    لذا تخلفنا عائد الي عامل الفظاظة،، لأن الفظاظة تورث الغرور والغرور يؤدي إلى الاضمحلال
    والسقوط

  6. نعت الصحابي الجليل ابوزر سيدنا بلال بن رباح ب ابن السوداء فشكي سيدنا بلال الي رسول الله صل الله عليه وسلم فغضب غضبا شديد وقال للصحابي ابوزر انت فيك جاهليه
    العنصريه والقبليه قال عنها الرسول الكريم اتركوها فانها منتنه

  7. تقتلون الحسين وتسالون عن دم البرغوث. هذا المقال أعاد لذهني هذه المقولة الشهيرة. فالكاتب ترك كل معانة اهله النوبة ولم يتحرج في أنفاق زمنه في الكتابة عن كلمة يبدو أنها اوجعته بأكثر من براميل البارود التي كانت تمطرها عليهم الإنقاذ وابنكم المدلل الكباشي في قيادة جيشها. وهناك من أبناء النوبة من يحملون السلاح في الاحراش يقاتلون من أجل قضيتهم ولم يسطر قلمه كلمة عن معاناة أهله في الجبال ومعسكرات النازحين ولكن لأجل كلمة واحدة خرجت من فم صبي غر لم يبلغ الحلم يكتب ويستشهد بالاقوال والأفعال. ويهدد بتحول أهله من مربع الثورة لمستنقع المعارضة.
    يا رجل باعتبارك مستنيرا ومتعلما كان الأجدر بك أن تترفع عن غثاء الكلام وتقود الناس نحو الوعي بقضاياهم الكبرى التي ان حلت اختفت بالتالي كل الظواهر السلبية في المجتمع فما لك تسأل عن دم البرغوث وأهلك يقتلون كل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..