مقالات وآراء

بين البروف عبد الله الطيب … و عوضية عذاب!!!

العلم نور.. و الجهل ظلام
العلم يرفع بيتاً لا عماد له… و الجهل يهدم بيت العز و الشرف
في النور تعرف الطريق الصحيح… وتصل، و في الظلام تتعثر …و تقع.
الديكتاتورية تحب الظلام، لتقتل و تنكر، و تسرق و تنكر… و تزني و تنكر.
الحرية نور.. يكشف السوء و أصحاب السوء.. لذلك يخافه من يريد فعل السوء.
قبل ثلاثين عاماً و أكثر كنا متحضرين…بعد تلك الثلاثين عاماً صرنا متخلفين.
و لكن… كان فينا عيب.. و لم يزل..
قبل ثلاثين عاماً كانت هنالك مدارس، كان للأدب مجالس، و للشعر ديوان و للكتاب دولة.. و للمدرس هيبة… و لكن كان هنالك عيب…. ولم يزل.
في المدارس كانوا يدرسوننا أدب طه حسين و العقاد و المنفلوطي و يوسف إدريس وإحسان عبد القدوس، زتزفيق الحكيم و …. و …. و …..، (واوات) عديدة، مثلها مثل واوات إسحق أحمد فضل المملة،…. التي لا تعني شيئاً إلا له، و لكن هذه الواوات لها معني.. يؤلمني معناها بقدر ما تؤلمني واوات إسحق، و أظنها ستؤلمكم.
كانوا يدرسوننا في حصة التعبير رواية لقيطة لمحمد عبد الحليم عبد الله، كم كنا نبكي مع تلك اللقيطة البائسة، من معاناتها.. من ظلم الناس لها.
كانت هنالك مطارحات شعرية عنيفة، مثلها مثل مباريات الهلال و المريخ… كم هو مسكين هذا الجيل الذي لم يمارس المطارحات الشعرية.
كانوا يدرسوننا أشعار الجاهليين، أمرئ القيس الكندي، الشنفرى، لبيد، طرفة إبن العبد، الحارث بن حلزة… و طبعاً (إبننا) عنترة العبسي، أقول (إبننا) لأن البطل لا يشيخ في الذاكرة…
ثم يدرسوننا المتنبئ و البحتري و أبو تمام و بشار بن برد و أبونواس و جرير و الفرزدق, نزولا حتى الشابي و سميح القاسم و نزار قباني، و ….و …. و كان هنالك عيب!!!
هنالك عيب…لأنني لم أجد من أضيفه لهم من أبناء وطننا..لا أتردد أن أقول لم أجد من هو بقامتهم لأضيفه.. من؟؟؟
قد تقولون الطيب صالح.. عبد الله الطيب… إدريس جمّاع.
هؤلاء أحبهم.. أجلّهم.. أفخر بهم، ولكنهم لم يرسخوا بعقلي كما فعل المذكورون.. لأني لم أدرسهم في صغري.. هذا عيب، و أسأل عيب من؟
العلم في الصغر كالنقش في الحجر.. لم أدرس عبد الله الطيب و لا الطيب صالح.. و لا إدريس جمّاع، (عندما كنت صبيا.. و كان همي كل همي، واجباتي المدرسية)، كما يغني حمد الريح…وهنا العيب.
عبد الله الطيب، علّمه الغرب.. و قدمه لنا المثقف المترف، جلالة الملك الحسن الثاني، ملك المغرب، كان مُحَدِّث مجلسه الأول.. يشرح له أشعار العرب و القرآن الكريم، كان مُربِّي أولاده، الأمير محمد و الأمير رشيد.. نثر عطره هنالك أولاً…. ثم جاءنا…. متعباً جاءنا.
الطيب صالح علّمه الغرب أيضاً، إنبهر برواية موسم الهجرة إلى الشمال، ترجموها لكل اللغات ثم أتتنا… بعد أن قرأها كل العالم، أخذوا منها القبلة الأولى.. و للقبلة الأولى طعم مختلف.. لا يتكرر.
ثم عرفناه بعد أن إنتبه مخرج كويتي لرواية عرس الزين، وصنع منها فيلماً أذهل العالم، أقول مخرج كويتي،…. ليس فرنسياً و لا أمريكياً و لا إيطالياً و لا بريطانياً.. كويتي ، ليس هنالك خطأ في ذكر الجنسية.
أتينا بعدها لنعلم أن لعبد الله الطيب كتاب صغير أسمه من نافذة القطار، صادف أن قرأته و أنا أستقل القطار من الخرطوم إلى عطبرة ..قطار الشوق، أذكر مقدمة الكتاب المذهلة بالصفحة رقم صفر، :(إلى لميس … التي بين الدوحتين تميس)، هكذا فقط. كان إسم الكتاب يطابقه تماماً.. أحداث سريعة كأنك تراها من نافذة قطار يسير بسرعة، ثم علمنا أن له مؤلف ضخم إسمه المرشد لفهم أشعار العرب ومع المتنبي و حقيبة الذكريات والأحاجي السودانية و شرح العديد من قصائد الشعر الجاهلي وعصر صدر الإسلام… و عشرات الكتب الأخرى..
عرفنا الطيب صالح و عبد الله الطيب متأخرين، دائماً نأتي متأخرين.. كما يقول الشاعر السعودي الأمير عبد الرحمن بن مساعد، وتغني أصالة نصري:
دايم تجي في وقتك حبيبي… بعدما و قتك يروح……
عرفنا متأخرين أن للطيب صالح عديد الكتب.. دومة ود حامد.. بندر شاه.. مريود.. ضو البيت….وأخريات.
لولا الحسن الثاني ما عرفنا عبد الله الطيب، ولولا الغرب و الشاب الكويتي خالد صديق ما عرفنا الطيب صالح.. هذا العيب الذي يؤلمني.. و أسال بأسى: عيب من؟
لماذا لا ندرّس أطفالنا و شبابنا كُتّاب و شعراء و أدباء بلادي بدلاً من الغير.. وهم لا يقلون شأنناً عن ذلك الغير…أليس هذا عيب؟… ولكن عيب من؟
هل نحن أمة مهزومة من داخلها؟ أمة لا تعرف قدر نفسها؟ ما أقسى أن تكون مهزوماً من الداخل.. من داخلك .. مهزوماً من (أنت). المهزومون من الداخل يكونون دائماً في الصفوف الخلفية.. في السياسة، في الرياضة، في العلم، في الفنون، حتى ولو ركبوا في حافلة ركاب أو بص…سيجلسون في المقاعد الخلفية….
نحن شعب لا يعلم قيمة نفسه و لا قدرها…يُقال أن شاعراً عربياً كبيراً حضر للسودان و سمع بيت الشعر الذي يقول:
انت السماء بدت لنا…… و استعصمت بالبعد عنا..
طلب بإصرار شديد أن يقابل الشاعر الذي كتب هذا البيت…قالوا له أنه بمستشفى الأمراض العقلية.. مجنون، رد ذلك الشاعر ببرود : هذا وضع طبيعي.. من قال هذا البيت… لا بد أن يكون مجنوناً..
كتب الطيب صالح و عبد الله الطيب عن المتنبي، الشاعر الفخم، أُحبه مثلهما…. كشاعر و أكرهه… كإنسان: نرجسي، عنصري، جبان، قليل أدب، رخيص ..أدفع تُمدح، إمسك تُهجى .. يهجو حتى أمهات أعدائه، صرعته بذاءته، قلة أدبه، أكره المتنبي لانه قال بيتاً كريهاً، في رجل عظيم، ظلمه الحاقدون و التاريخ و المتنبئ:
لا تشترِ العبد إلا و العصا معه… إن العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ
قال هذا في كافور الإخشيدي، أبي المسك، المثقف، الأستاذ، القائد، الحاكم العادل، السياسي الفذ، لأن جدنا كافور رفض أن يعطي هذا الأرزقي إمارة ليمارس فيها الغطرسة.. و الإستعلاء على الناس….
وكم يؤلمني أن نحتفي بهذا البيت و كأننا لسنا أحفاد كافور العظيم… قال هذا البيت بعد أن كان مدحه قائلاً:
تفضح الشمسَ كلما ذرّتِ الشمسُ بشمسٍ منيرةٍ سوداءُ
أسفي عليك سيدي التيجاني يوسف بشير، وعلى الطيب صالح، وعلى عبد الله الطيب، و على كل مبدع ظلمه أهله .. ظلمه وطنه.. السودان.. . لو لم تكونوا سودانيين لكان لكم شأن آخر.. كنت أعلم أن أبناء الوطن قد يعقّون وطنهم… و ما كنت أتخيل أن الوطن قد يعق أبناءه..هذا هو العيب.
والآن..بسبب ذلك العيب، يعرف شبابنا ندى القلعة أكثر مما يعرفون عبد الله الطيب، يعرفون حنان بلوبلو أكثر مما يعرفون الطيب صالح، يعرفون عوضية عذاب أكثر مما يعرفون تيجاني يوسف بشير… هذا عيب، ولكن عيب من؟؟
هل تريدون المزيد من الأحزان لأقول لكم أن شباب الثلاثين عاماً الماضية لا يعرفون هاشم صديق و لا محجوب شريف و لا إسماعيل حسن و لا أزهري محمد علي ولا محمد سالم حميد ولا ود بادي و لا عبد العزيز العميري؟ هذا والله عيب….. و لكن عيب من؟؟
العيب في المناهج التي يمعن واضعوها في التنكر لعظمائنا… الذين يطمرهم النسيان جيلاً بعد جيل…. هنا العيب…… متى نتدارك هذا العيب؟؟؟
و أظنكم قد سمعتم ما قالته زوجة عبد الله الطيب السيدة جريزيلدا… قالت إن الدولة تتجاهل عبد الله الطيب، ….إعذرينا سيدة جريزيلدا، ذلك حدث لأن.. هنالك عيب…
**************
علي العبيـد
[email protected]

‫4 تعليقات

  1. بل من يعرف الشاعر محمد عثمان كجراي الذي ينتمي الى قبيلة السبدرات البجاوية الذي له أربعة دووين شعرية هي:(الصمت والرماد) ( الليل عبر غابة النيون) (في مرايا الحقول) و (إرم ذات العماد)
    وله أيضا أعمال أدبية أخرى منها:(أنفاس البنفسج) (ترجمة رباعيات الخيام ) ، خماسيات أبو شول (قصص للأطفال)
    وشاعر القصيدة الغنائية العذبة
    قالوا الزمن دوّار يا بسمة النوّار
    ياريت تعود أيامنا ونكمّل المشوار
    ياقلبي يا سواح
    قول لي متين نرتاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..