مقالات وآراء

الفساد المذهل في السودان..غياب الرقابة والشفافية

ربما لا يعرف بعض المواطنين، أن من حقهم – وفقاً للمعايير المطبقة في معظم الدول على عصرنا هذا – معرفة كل شيء عن الوضع المالي للدولة ولكبار وصغار المسؤولين، سواء من خلال البيانات التي تلتزم بإعدادها ونشرها الجهات الحكومية ، أو الإعلام، أو المجتمع المدني، فمن حق المواطن مثلاً، الحصول على معلومات كاملة عن أدق تفاصيل الوضع المالي للسيد رئيس الوزراء الانتقالي، قبل وأثناء وبعد توليه السلطة، وعن السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، والسادة: نائبه، وأعضاء المجلس، والوزراء والولاة، و القائمة تطول.
قد يقول قائل، إن هذه البيانات في الدول المتقدمة، تكون عند جهات رسمية بعينها، وتقدم للمواطنين أو الإعلاميين أو أعضاء البرلمان أو الجهات القضائية عند طلبها وفق آليات محددة، لكننا نشك أن في السودان وحدة حكومية أو منظومة جهات لديها هذه البيانات المالية الدقيقة المحدثة دوريا، نظراً لانهيار المنظومة الإدارية والرقابية للدولة وتخلفها عن ركب الحضارة البشرية المعاصرة منذ خروج الإنجليز، وغياب أي منظومة إدارية أو إلكترونية جديرة بالثقة لجمع وتصنيف وإتاحة ومراجعة وتحليل البيانات المالية للمؤسسات والأفراد.
بصفتي مواطناً ، لا أعرف ما هي أملاك السيد رئيس الوزراء، ناهيك عن آل بيته، ولم أعثر على أي بيانات رسمية عن الوضع المالي للسيد نائب رئيس مجلس السيادة، وهل يمتلك شركات واستثمارات شخصية أم لا، ومتى وأين وكيف جمع رأسمالها، وكم عددها، وما هي أملاك كافة أقاربه من الدرجة الأولى، ولا أعرف شيئاً عن ممتلكات السيد وزير الصناعة والتجارة، وينطبق الوضع نفسه على كافة هؤلاء الإخوة من المسؤولين والحكام الجدد الذين يزاولون نشاطهم وسط ظلام في المعلومات وغياب مذهل وصادم لأبسط معايير الشفافية.
بل لا أعرف ما هي الصلاحيات المالية الممنوحة للسادة رئيس الوزراء ورئيس مجلس السيادة ونائبه والأعضاء والوزراء وأصفياءهم وأحبابهم ومدراء مكاتبهم في هذه السلطة الانتقالية، كم هي رواتب هؤلاء جميعاً ومن حددها وبأي منطق وهدى، كم نثرياتهم ومزاياهم المالية والعينية بنداً بنداً، وما هي الأموال المتاحة تحت تصرفهم لمختلف الأغراض الرسمية والاجتماعية، ووفق أي لائحة، ومن يراقب كل هذه العمليات المالية ويراجعها، ومن وضع هذه اللائحة أصلاً، هل وضعها السيد التعايشي حاكم السودان في القرن التاسع عشر أم الإنجليز أم عبدالله خليل أم النميري أم البشير أم برلمان الأخ أحمد إبراهيم الطاهر أم وضعتها قانونية مختلف العهود السيدة الفاضلة بدرية، وهل خضعت هذه اللوائح إن وجدت لمراجعة تستجيب للمعايير الدولية، وللمنطق والعقل، ولواقع السودان الذي يعيشه معظم الإخوة المواطنين؟ ومن يعاقب هؤلاء المسؤولين إذا لم يلتزموا بتطبيق الإجراءات القانونية؟ وهل تم في السودان خلال تاريخه الحديث كله معاقبة مسؤول من بياض الحضرة لتجاوزات مالية، باستثناء بعض الإخوة مظاليم الهوى من صغار الموظفين ومتحصلي الرسوم والنفايات؟
بل لا أعرف بصفتي مواطناً سودانياً، كم هي إيرادات الدولة، ولا أجد في موقع وزارة المالية بيانات دورية مفصلة “ربع سنوية” – كما جرت عادة كثير من الدول المتقدمة وغير المتقدمة – تكشف بدقة عن زيادة أو انخفاض الإيرادات والمصروفات، وتفاصيل ومتغيرات وإيضاحات كافة بنود الصرف من الخزانة العامة، ولا أجد كذلك أي بيانات دورية حديثة ومنتظمة تستجيب للمعايير الإقليمية والدولية عن الوضع المالي لأي جهة أو شركة حكومية أو شبه حكومية ، كما لا نعلم بالطبع أي شيء عن مئات الشركات المملوكة للحكومة كلياً أو جزئياً ولا كيف ومتى يتم تعيين مدراءها وسكرتيراتهم وما هي مزاياهم النقدية والعينية، وصلاحياتهم المالية وحقيقة مشترياتهم وعقودهم وأوضاعهم المالية وتغيرها أثناء وبعد مزاولتهم مهامهم الوظيفية، وما هي طبيعة إنجازاتهم ومبررات وجودهم في مواقعهم أصلاً..!
ولا أعلم بصفتي مواطنا، كيف وعلى أي أساس وبمراقبة وتدقيق من يتم إنفاق أموال الدولة على كافة المستويات، من هؤلاء الذين يوزعون العقود الحكومية لشراء القمح والوقود والدواء والمركبات الفخمة الجديدة للسادة أعضاء مجلس السيادة الانتقالي، وغيرها من العقود والمشتريات الحكومية ابتداء من عقد صيانة حائط مقر محلية في أقصى منطقة في السودان إلى عقود ومشتريات رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع، وهل يتم الإعلان عن كل تلك العقود والمشتريات الحكومية وإتباع الإجراءات المحددة في القوانين السارية – على مشكلاتها ونقائصها وعيوبها – أم تعقد هذه الصفقات الهائلة في حجمها وعددها في خضم ظلام مالي وقانوني وأخلاقي حالك ؟.
بل لا أعرف أين أجد موازنة جمهورية السودان للعام المالي الحالي، على الانترنت، فلا هي متاحة في موقع وزارة المالية، ولا بنك السودان. وقد تكون ملقاة في أدراج بعض المسؤولين والموظفين، لكنها غير متاحة للجمهور إلكترونياً، بل إن إعلان الموازنة في السودان لا يتم بالشكل الصحيح لغياب إرث الممارسات الإدارية والتنفيذية الصحيحة في الدولة، وغياب الوعي الإعلامي حول كيفية التعامل الصحافي المهني مع الموازنة وكيف توضع عناوين أخبار الموازنات وما هي العناصر الواجب توفرها في متن الخبر أو التقرير.
إن مثل هذه الدولة الغارقة حتى أذنيها في خلل منظوماتها الإدارية والمالية والرقابية والقانونية، جديرة بأن تتصدر المراكز السفلى في التصنيف السنوي لمنظمة الشفافية العالمية، ومختلف التصنيفات الموضوعية الأخرى، ما يطرح تساؤلاً لا يمكن تجنبه: هل لمثل هذه الدولة ومسؤوليها أي قدر من الشرعية السياسية أو القانونية أو الأخلاقية؟ وهل تعتبر كياناً راشداً يمتلك الأهلية لإدارة شؤون نفسه ناهيك عن التمكن من رقاب عشرات الملايين من المواطنين؟
لا حل من وجهة نظرنا غير استقدام مجموعة من القضاة المتقاعدين وخبراء الإدارة العامة من المسؤولين السابقين من بريطانيا واليابان وبعض الدول المحترمة الأخرى، لإعادة هيكلة هذه الدولة وتأسيس منظومات فعالة للرقابة والشفافية والمحاسبة ، وإدارتها والإشراف عليها، لحماية أموال الشعب من الفاسدين وعديمي الرؤية والكفاة والأهلية والضمير.

مجاهد بشير
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..