مقالات سياسية

وزارة العمل والإصرار على تجاهل إرث الحركة النقابية السودانية

صديق الزيلعي

أودعت وزارة العمل مسودة قانون نقابات العمال لسنة 2020 لدي وزارة العدل، لإصدارها في قانون. تجاهلت الوزارة، تماما، مسودة القانون الموحد التي سلمت لها في مارس 2020. ومضت في نفس التجاهل بتكوين لجنة من عشرة اشخاص لم تمثل فيها كل التيارات النقابية. وتمت المطالبة والدعوة لفتح حوار عام حول مقترحات القانون الجديد، حوار يشمل النقابيين والقانونيين وكل المهتمين بالعمل النقابي. ورغم ان تجارب حركتنا النقابية مع القوانين ليست جديدة، فهي عاشت تحت ظل عشرة قوانين مختلفة ما بين قانون 1948 وقانون 2010. وراكمت خبرة ومعرفة حقيقية حول الإطار القانوني الأنسب لها. ورغم التخريب الذي قام به الاسلامويين،  لتشويه ذلك الإرث الديمقراطي ،الا ان جذوته لا تزال حية.

اتسم التعامل مع الحركة النقابية ، بعد اسقاط رأس النظام السابق بالتناقض وتجاذبات المصالح. فقد تقرر حل النقابات بقرار فوقي ، ثم قرر المجلس العسكري اعادتها في إطار سعيه المحموم لبناء قاعدة جماهيرية  يستند اليها للانفراد بالسلطة. ولكن جماهير الثورة اسقطت هذا الخيار. ثم تواصل حماس قواعد النقابات ، وتحركها لإسقاط القيادات الانتهازية، أوضح استحالة فرض قيادات غير مرغوبة، انكشفت حقيقتها خلال أعوام سلطة الاسلامويين. اما الحكومة الانتقالية عن طريق وزارة العمل فلم تتحرك بجدية، ومنذ وقت مبكر، تجاه قضايا النقابات.

تحرك تجمع المهنيين، منذ نوفمبر 2019، وأعد مسودة للقانون، تم ارسالها لمكونات التجمع المختلفة، التي ناقشتها وأضافت مقترحات لها. وتم عقد ورشة محضورة بقاعة كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم، وورشة أخرى بقاعة مجلس ام درمان بمشاركة نقابيين من فئات خارج تجمع المهنيين. وفي نفس الاثناء اعدت أحزاب الشيوعي والبعث والاتحاديين والأمة مسودات منفردة. قرر مركز الأيام للدراسات تجميع الجهود ونظم عدة ورش بمشاركة أصحاب المسودات وأكاديميين وقانونيين ونقابيين سابقين. وتوصلت الجهود الجماعية لإنجاز ما سمى بالقانون الموحد. والغريب اننا نلاحظ تجاهل الوزارة لكل هذا الجهد ، رغم ان القانون الموحد سلم لها في شهر مارس. 

هذه ملاحظات أولي حول القانون، الغرض منها هو فتح الباب واسعا امام حوار جماهيري جاد ، يشمل كل المهتمين بالحركة النقابية من كوادر سابقة أو حالية ، وأكاديميين وقانونين ونشطاء الثورة. ونهدف أيضا لقفل الباب امام القوانين التي تصاغ في المكاتب المغلقة، وتلعب فيها كوادر الخدمة المدنية الدور الأهم. 

سمي القانون قانون نقابات العمال لسنة 2020، وهذه التسمية لم تأت اعتباطاً. فالقانون يصر على المضي في الطريق الذي اختطته سلطة الاسلامويين. فمثلا في تفسيره يعرف العامل: ” بأنه أي شخص طبيعي يعمل لدي صاحب عمل بأجر أيا كان نوعه، ويشمل الموظف والمهني والتقني وكل من يقوم بعمل يدوي أو فني أو يعمل لحساب، كما يشمل من يعمل بصورة دائمة أو مؤقتة أو موسمية”.

ثم يحدد ، في التفسير أيضا، ما اسماه بالاتحاد العام. وهو نفس اتحاد غندور الذي يجمع البروفسير بالعامل اليدوي. ثم نرى إصرار القانون على التمسك بنقابة المنشأة. وهي النقابة التي فرضتها الإنقاذ في مؤتمرها الذي أسمته مؤتمر الخوار النقابي، وانعقد في عام 1990، بمشاركة نقابيين غير منتخبين، بينما كان الالاف النقابيين الشرعيين المنتخبين من القواعد، يقبعون في السجون وبيوت الاشباح. ونتج عن ذلك المؤتمر ما سمي بنقابة المنشأة ، لأول مرة في تاريخ العمل النقابي السوداني. وكان الغرض منها واضحا بتعطيل دور نقابات الفئة، واغراق النقابات في الصراعات داخلها بين الفئات التي دمجت معا وبطريقة متعسفة.

هنا يجب ملاحظة ، انه وطيلة تاريخ الحركة النقابية، ما عدا فترة الاسلامويين، كانت توجد الاتحادات الاتية: اتحاد العمال ، اتحاد المعلمين، اتحاد الموظفين ، اتحاد المهنيين والفنيين. وكانت هناك تجارب للتنسيق بينها مثل المجلس الأعلى للنقابات. ولكن الاسلامويين دمجوا كل تلك الاتحادات في اتحاد واحد سمي اتحاد العمال.

واصلت المسودة الهيكل النقابي الذي ادخله الاسلامويين، بغرض استمرار قياداتهم في الاتحاد العام ، لتداخل دوراته مع الاتحادات الولائية والنقابات العامة. والغريب ان المسودة حافظت على هذا الشكل البيروقراطي المعقد. والأدهى وأمر انها قننت لما أسمته باتحاد المحلية رغم ان قانون مسودة قانون الحكم اللامركزي لم تأت بها أي إشارة للمحليات، وهناك دعوة قوية لإزالة الترهل الإداري الذي صنعته الإنقاذ لإيجاد وظائف لكوادرها، مما زاد من الأعباء المالية على المواطنين في شكل جبايات، ومن الجانب الآخر لم يحسن الخدمات العامة.

نجد في الفصل الثاني حول اهداف النقابات ما يلي:

(ب) نشر الوعي النقابي بين أعضائها ورفع مستواهم الثقافي وبذل العناية الكافية لتحقيق وفرة الإنتاج وتجويد الأداء والدفاع عن السيادة الوطنية وترسيخ الديمقراطية.

(ج) العمل على تحقيق النماء الاقتصادي والاجتماعي والعدالة الاجتماعية والتكافل بين أعضائها.

نلاحظ في البند (ب) انه شمل عدة أشياء معا في فقرة واحدة وصار اشبه بلحم الرأس. ثم كرر نفس المضمون في الفقرة (ج).

الحديث عن بذل العناية لتحقيق وفرة الانتاج وتحقيق النماء الاقتصادي هي قضايا ادخلتها سلطة مايو وكررها الاسلامويين. والتناقض الواضح انه لا توجد أي إشارة لحق النقابات في المشاركة في تحديد السياسات العامة المتعلقة بالإنتاج ثم يأتي قانون النقابات ليطاب منهم زيادة الإنتاج وتحقيق الوفرة والنماء.

الإشارة لترسيخ الديمقراطية في البند ( ب) غير مفهومة. هل ستعمل النقابات لترسيخ الديمقراطية داخلها، ام في المؤسسات التي توجد بها، ام على النطاق القومي. ونقول بصريح العبارة ان الديمقراطية، على النطاق الوطني ، مهددة من الانقلابات العسكرية. وكان الأجدى، والأكثر وضوحا ودقة، ان تنص المادة على حماية الحكم المدني ورفض الانقلاب عليه.

( نواصل)

صديق الزيلعي
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..