مقالات سياسية

السياحة المورد المُهمَل (9)

النور حمد

تزدهر السياحة بالترويج وتستثمر الدول الكثير من المال في ذلك. فبلدان مثال تركيا وماليزيا، وهما أكثر بلدين إسلاميين استقبالاً للسياح، أصبحتا تعلنان عن السياحة في القنوات الفضائية الأكثر مشاهدة في العالم؛ مثال CNN وBBC، وغيرهما. لقد مكنت عوائد السياحة المالية الضخمة هذين البلدين من أن تعلنا في قنوات تكلف دقيقة الإعلان فيها أموالاً طائلة. ومؤخرًا، أخذت عددٌ من الدول الإفريقية، تروج للسياحة في هذه القنوات العالمية، بعد أن وضح لها حجم مساهمة السياحة في الدخل القومي. لكن، لابد في البداية من أن تهيئ الدولة رأسمال معقول، لتحسين البنيات التحتية للسياحة، ثم تشجيع القطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب على الانخراط في أنشطتها. وقبل هذا وذاك، لابد من رؤية طموحة وواضحة يجري تحويلها إلى سياسات وخطط وبرامج عمل تنتظم أقاليم القطر كله. الرؤية الحكومية الواضحة وإيكال أمر السياحة لأشخاص ذوي قدرات قيادية وأطقم مدربة، ثم وضع السياسات المشجعة، هو ما يجتذب رأس المال المحلي ورأس المال العالمي للانخراط في الأنشطة السياحية. ويمكن أن تكون البدايات بسيطة يجري التوسع فيها وفق خطة ممرحلة.

لا يتوقف الترويج للسياحة على الإعلان المباشر في أجهزة الإعلام، وإنما يتعدى ذلك إلى الإعلان غير المباشر، الذي يعني كل ما يظهر للناس عن القطر المعين في وسائطه الإعلامية. لذلك، لابد من إيجاد ضوابط لقنوات التلفزة الفضائية السودانية. وقد سبق أن كتبت أن ترك الحبل على القارب للبث التلفزيوني، بصورة الراهنة، له آثاره الضارة بسمعة البلد. فالبث التلفزيوني من حيث هو مرآة عاكسة لحال البلد من عديد الوجوه. وربما لا يكون بعضٌ أو كثيرٌ ممن يقفون وراء بث الصورة التلفزيونية مدركين لما يمكن أن يحدثه ما يقومون به من أضرار نتيجة للعفوية، والارتجال والإهمال. لذلك لابد أن ينتبه المخرجون التلفزيونيون للرسائل التي تحملها الصورة التلفزيونية. ينطبق ذلك على الصورة التي يقدمونها في التقارير الإخبارية، أو في الدراما، أو في الرياضة، أو في الفنون، أو في الدعاية والإعلان، وغير ذلك من صنوف الصور التي تخرج عبر البث التلفزيوني. بعبارة أخرى، عليهم أن ينتقوا الأحسن، الذي يعكس أوجه التقدم في البلد، ويعكس جمال الطبيعية، وجمال العمران، وتحضر الأفراد. أما هذه الخم العشوائي للصور التلفزيونية من الواقع بلا فرز ولا تفكير على قاعدة (خلِّينا نخلص ياخي)، وهو ما ظل يمارس لدينا منذ فترة طويلة، ولم يتحسن إلا بمقدارٍ ضئيل جدًا، فإن له آثاره المدمرة على سمعة البلد، فهو، ببساطة، ينفر ولا يجذب.

ليصبح كل ذلك ممكنًا أرى أن من الضروري وضع السياحة والآثار تحت مظلة وزارة منفصلة. فالسياحة والآثار موردان اقتصاديان كبيران مرتبطان ارتباطا عضويًا. وهما من الأهمية والضخامة بحيث لا ينبغي أن يكونا جزءًا من وزارة الثقافة والإعلام. فإذا كنا نفرد، على سبيل المثال، وزارة للشباب والرياضة، وهي، على أهميتها الكبيرة جدًا، لا تمثل موردًا اقتصاديًا، مثلما تمثله السياحة والآثار، فلماذا لا نفرد وزارة للسياحة والآثار؟ فالسودان بلد زاخر بالآثار، ولايزال الكثير منها مدفونًا ينتظر الاكتشاف. فلو أصبحت السياحة والآثار تحت مظلة وزارة واحدة فاعلة، فإن مورد السياحة سيتولى تمويل خطط تطوير مورد الآثار، إضافةً إلى حفظها وصيانتها والتوسع في تشييد المتاحف وغيرها من معالم الجذب السياحي. (يتواصل)

النور حمد
صحيفة التيار

زر الذهاب إلى الأعلى