مقالات وآراء

المدارس الخاصة..تعليمك على قدر فلوسك

(كيف يشاركني شخص في وضع سعر منتج يخصني)، مابين المعقوفتين هو ما رد به صاحب مدرسة خاصة على سؤال محاوره سعيد عباس من صحيفة السوداني، مستنكرا ورافضا تدخل اي طرف سواء كانت الوزارة أو مجلس الآباء للتشاور والتفاكر مع صاحب المدرسة لتحديد الرسوم الدراسية، معتبرا ان تحديد الرسوم حقا خالصا وحصريا لصاحب المدرسة و(الوسطاء يمتنعون)، ليس ذلك فحسب بل مضى صاحب هذه المدرسة لتحديد مقامات ودرجات المدارس الخاصة، اذ قال ما معناه ان هناك مدارس سيوبر فاخرة خمسة نجوم تبلغ رسومها ال200 الف جنيه، وتتدرج هبوطا وانحدارا الى مستوى الترسو والمدرجات الشعبية وتبلغ رسومها الـ5 الف جنيه (فكيف تتساوى هذه مع تلك)..أول ما يلاحظ على ملافظ هذا التاجر صاحب المدرسة أنه جعل من العملية التعليمية (منتج) يخصه وحده مثله مثل أي سلعة كالبصل والبامية والشعيرية الخ، كما انه جعل من التعليم طبقات ومستويات..وتعيد ملافظ هذا التاجر للأذهان حكاية الدجاجة الصغيرة الحمراء التي قالت (الفول فولي زرعته وحدي وسأحصده وحدي وسآكله وحدي)..
إن هذه الملافظ الصادمة لهذا التاجر تعيد ايضا عرض مشاهد فيلم الرسوم التراجيدي الطويل الذي لا يعلم سوى الله علام الغيوب الى أي مدى سيستمر والى أية درجة ستتطور فاجعة الرسوم وإلى أي مآل ستدفع بالطلاب وأهلهم، كما أنها تؤشر للحقيقة الموجعة والمفزعة بأن التعليم أصبح سلعة، إنها والله جريمة في حق هذه الأجيال التي تحيطها المعاناة من كل جانب، فحتى التعليم على ما هو عليه من ضعف وتدن وترد لا يجدون إليه سبيلا ويحول بينهم وبينه سيل الرسوم المتدفق بلا توقف، حيث يظل إنسان هذا البلد المبتلى بالرسوم في حالة (دفع) مستمر منذ صرخة الميلاد وحتى شهقة الممات، ولكن كل انواع (الدفع) تهون فيما عدا خدمتي التعليم والصحة اللتين يصعب جدا معاملتهما معاملة البضائع التجارية والسلع السوقية. فحين يصبح التعليم بضاعة معروضة في الأسواق يتنافس عليها الباعة (والما يشتري يتفرج) فقل على البلاد والعباد السلام، ففي الخبرة والتجربة العالمية أن من أهم نذارات خراب البلدان وتشليعها وضياعها، أن يتضعضع التعليم ويصبح سلعة ضمن معروضات سوق الله أكبر، وتسليع التعليم لا يعني سوى تشليعه، وتحويل التربية والتعليم من رسالة سامية إلى سلعة تجارية. حيث إنه يحول التعليم إلى بضاعة استهلاكية تباع وتشترى، وتخضع لقانون العرض والطلب، يستطيع البعض الحصول عليها بينما يعجز البعض الآخر عن ذلك، وتتعرض في بعض الحالات للغش كأي سلعة أخرى. وفي هذه العملية يصبح الهدف الأسمى للتعليم هو تحقيق الربح، ويتم تسويقها والترويج لها بأساليب شتى مشروعة وصادقة في بعض الأوقات، وينتابها الكذب والتزوير في أوقات أخرى. فتسليع التعليم، ما هو إلا إدخال التربية والتعليم إلى الأسواق، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى شركات وبيوتات تجارية، هدفها تحقيق المكاسب المالية يقوم عملها على التنافس ومبدأ البقاء للأصلح. أي إن تسليع التربية والتعليم، يعني أن يعمل القائمين على مؤسسات التربية والتعليم كرجال أعمال يتنافسون لبيع منتجاتهم للمستهلكين، علما أن المنتج هنا هو التربية والتعليم، وأما المستهلكون فهم الطلبة وذويهم المغلوب على امرهم..ولله الامر من قبل ومن بعد ولا حول ولا قوة الا بالله..
الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..