مقالات وآراء

الحل في الثورة الثقافية

نجح الشعب السوداني في إسقاط حكومة البشير في ثورة ديسمبر المجيدة ، وهذه الثورة التي نجحت هي الثورة السياسية، بمفهوم الخروج عن الوضع الذي ساد فيه الظلم ،وتغييره باندفاع يحركه عدم الرضا أو التطلع إلى الأفضل، وقد كان.
لو حلّلنا الأمر، ونظرنا إليه من زوايا متجردة ، واصطحبنا معنا نجاح السودانيين في ثورة 21 أكتوبر ،و6إبريل ، و19 ديسمبر ، والعودة للفشل بعد كل ثورة ، نجد أن السبب هو أن الثورة السياسية نجحت ، لكن لم تتبعها ثورة ثقافية.
فالثورات الناجحة ،القادرة على التغيير لابد أن تكون بجناحين : جناح سياسي وجناح ثقافي؛ إذ لا تنطلق أية دولة –في ثورتها -بجناح واحد ؛ وهذا هو سبب عدم قدرة ثوراتنا الثلاث السابقات في إحداث التغيير المطلوب.
مختصر ما يمكن إيراده من مجموع تعريفات “الثقافة” المتعددة ، ما يلي:
سلوك اجتماعي، ومعيار موجود في المجتمعات البشرية ؛ إذ تعدّ الثقافة مفهوما مركزيا في الأنثروبولوجيا، وتشمل الثقافة نطاق الظواهر التي تنتقل من خلال التعلم الاجتماعي ، وتحتوي على الآداب والفنون والعلوم والممارسات اليومية…
تقوم الثورة الثقافية إذا كان الشعب يتمتع بمعرفة وفكر ،ووظف تلك المعرفة وذاك الفكر في سلوكه ،وعلّم كل فرد من المجتمع الأفراد الآخرين ،وأخذ بيدهم، ورفع من شأنهم ، وأخذ على يد الذي يريد أن يحط من شأن المجتمع ، وأعاد مَن خرج مِن المنظومة .
يبدأ ذلك بدائرة ضيقة جدا في محيط كل فرد ، ولتكن أسرته أو أصدقائه ، ثم تتسع لتشمل الأسرة الممتدة، وزملاء العمل أو الدراسة ،ثم تتسع لتشمل القبيلة ،وتتسع أكثر لتشمل مجتمع القرية أو مجتمع المدينة .
ولو حدث ذلك التمدد الثقافي في المجتمعات لانتظم البلد بأسره ، وساعتئذٍ يقف الوطن على أرض صلبة ، وبقدمين راسختين ، لأنه نجح في التغيير السياسي والثقافي معًا ، وامتلك طائر الوطن جناحين قويين قادرين على التحليق به.
لو كانت معظم الثورات السياسية بحاجة إلى قائد ،حتى لو كان هذا القائد شخصية اعتبارية أو معنوية ، وليس فردا محددا ؛ فإن الثورات الثقافية ليست بحاجة لقائد ؛ فالمجتمع كله قائد ؛ لأن كل فرد من أفراده يقوم بدوره في إطاره الخاص به كما أسلفت.
للثورات الثقافية فوائد عظمى ، منها رفع مستوى الوعي لدى المجتمع ؛ إذ تعمل على وأد الجهل الذي هو عدو للتطور ، ومفسد للنجاحات ، وكذلك تنمية الحس القومي في كل فرد ؛ مما يدفعه للمحافظة على ممتلكات وطنه المادية ،ومكتسباته المعنوية، ومن فوائدها أيضا إعطاء إكسير الحياة للثورة السياسية ومنحها شهادة بقاء، لا يعقبها فناء.
تكثر القبائل في السودان وتتعدد العرقيات واللغات واللهجات والديانات ، وهذا تنوع مثمر، إذا كان تحت مظلة الثورة الثقافية ، فلكل جانب من تلك الجوانب دوره الذي يضطلع به في خدمة الثورة الثقافية التي تؤدي إلى تغيير فكري وإنثربولوجي.
ولكنه قد يكون تنوعا مدمرا ،إن فشلت الثورة الثقافية في استثماره، وحلت محله العنصرية المقيتة.
ينبغي على كل أفراد المجتمع تحمل المسؤولية للنهوض بهذا الوطن ، كلٌّ في مجاله ، كلٌّ يغير من نفسه ،ثم ينطلق لتغيير ما حوله في حملة وطنية لنشر الثورة الثقافية ، فحالنا لا يسر ، وترتيبنا في قائمة الدول والشعوب يبعث على الخزي ، رحم الله شاعرنا الكبير محمد سعيد العباسي حين قال :

فلـو درى القـوم بـالسـودان أيـن هـــــمُو ** مـن الشعـوب قَضَوْا حـزنًا وإشفـاقــــــــا
جهلٌ وفقـرٌ وأحـزابٌ تعـيثُ بـــــــــــــــه ** هدَّتْ قـوى الصَّبر إرعـادًا وإبراقـــــــــــا

بيتان من قصيدة له بعنوان “يوم التعليم” نظمها في النصف الأول من القرن الماضي ، فما عساه أن يقول ، إن رآنا الآن ؟!

فلا نستهين بأمر الثقافة ، فقد تكون أمضى من السلاح وأقوى ، فقد حمل لنا التاريخ القديم ما يعضد ذلك ، فقد خاضت اليونان وروما القديمة حروبا ، انتصرت فيها روما عسكريا ، لكن انتصرت اليونان ثقافيا ؛ إذ كان للثقافة اليونانية الكلاسيكية ، تأثير قوي على روما القديمة، التي حملت نسخة منها إلى أجزاء كثيرة من دول حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

ولو دققنا في سلوك دول الاحتلال – ولا أقول “استعمار” ، لأن كلمة “استعمار” من التعمير ، وحاشا للمحتل أن يعمّر ، وإنما هو مصطلح وضعه المحتلون حتى تتقبلهم الشعوب – حينما كانت تفكر في احتلال بلد ما، فإنها تدرس ثقافة ذلك البلد ، وتتعرف على سلوك شعبه ، ومن ثَم يسهل لها احتلاله ، فيكون الغزو الثقافي قبل الغزو العسكري ، وقد يخرج المحتل من أرض ما ، ولكن تبقى ثقافته مسيطرة على ذلك الشعب عقودا طويلة.

الثورة الثقافية تؤدي إلى صنع مؤسسات للحكم ، وتعمل على تكوين مجتمعات مؤهلة لتقبل الرأي الآخر، واحترام الاختلاف ، وتمكّن الدولة بمؤسساتها من وضع الخطط التكتيكية والإستراتيجية بكل إتقان ، وتنفيذها بكل نجاح ؛لأن وجود مجتمع ناجح ثقافيا يمكّن الدولة من فعل ذلك.

فدولة المؤسسات تتميز بالمنهجية ،واتساع الرؤية وعدم التأثر بالأهواء الشخصية والآراء الفردية ، وكذلك تتميز بديمومة العمل ، واستمرارية النجاح؛ لأن العمل في دولة المؤسسات لا يتقيد بالفرد ؛ لأن الفرد يكمل عمل من سبقه ، فالأمر يبدو كحلقة متسلسلة، لا ينسف أحد جهد أحد ، وإنما يتمم عليه لتنهض المجتمعات ، وتتطور الدول .

تنجح الثورة الثقافية حين يعرف كل مواطن واجباته ،ويؤديها بالدقة نفسها التي يطالب فيها بحقوقه ، تنجح حين يحافظ المواطن على الممتلكات العامة كما يحافظ على ممتلكاته الخاصة .

تنجح الثورة الثقافية حينما يكون شَغْل الوظائف الشاغرة حسب التأهيل العلمي والقدرات المهارية ،لا بالمعارف والمحسوبية .

تنجح حين يكون تقدير الحكومة لمدير التعليم مساويا لتقديرها لمدير الشرطة ؛ من حيث الإمكانات المتاحة له ، والمخصصات المادية والمعنوية الممنوحة له.
تنجح حينما يكون وزير التعليم مقدما على وزير الدفاع ، و حينما يكون راتب المعلم أعلى من راتب الضابط.
تنجح الثورة الثقافية عندما يكون نصيب التعليم والصحة في الموازنة العامة أضعاف نصيب الأمن.
تنجح الثورة الثقافية حين يدرك كل مواطن أن حريته تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين.
تنجح الثورة الثقافية حينما تتلاشى من أذهان الأسر رغباتهم في أن يصبح أبناؤهم أطباء ومهندسين .
تنجح الثورة الثقافية عندما تكون نسبة القبول لكليات التربية والمعاهد الفنية والتقنية هي الأعلى .
تنجح الثورة الثقافية عندما تتلاشى القبلية ، وتنتهى العنصرية ، ويذوب كل أفراد المجتمع في بوتقة الانتماء للوطن .
تنجح الثورة الثقافية حينما يدرك الشعب أن الحرية ليست فوضى ، وأن المدنيّة ليست في هتك القيم .

إذا نجح السودان في إقامة ثورته الثقافية، فستختفي جميع أمراضنا التي أقعدتنا سنين طويلة ، وستتلاشى كل الأزمات التي أعاقت نهوضنا ، ولن يكون في هذا الوطن مكان للمتخاذل ولا المثبط ، ولا للمخرب ، ولا الفوضوي ، ولا الكسول ، ولا المفسد .
وسيكون المواطن مُعينا للحكومة في تنفيذ سياساتها ، وستكون الحكومة مسترشدة برأي المواطن ، وسيكون موظف الدولة – مهما علا منصبه – خادما أمينا للوطن، وحريصا على خدمة المواطن.
هكذا تقدمت سنغافورة ونيوزيلندا ورواندا وماليزيا … ، وهكذا ينبغي أن نعمل ، إن أردنا فكاكا من تلك الحالة التي نحن فيها .
طارق يسن الطاهر
[email protected]

تعليق واحد

  1. والله يا أخونا طارق أول تصحيح نجح شباب وشابات الشعب السوداني في إسقاط حكومة البشير… واحد) ( كل العالم شافهم)
    أثنين الهدف واحد عندهم لا يقبل التقسيم… (بجناحين دي : جناح سياسي وجناح ثقافي… وجناح أم جكو ) كل ما يخطر ببالك أو بال أي فرد من أفراد وجماعات الشعب السودانتي عندهم ..( إبداع في كل شئ لدرجة الإبداع).
    الخلاصة:
    كفاية تجارب… أكتبوا وأنصحوا وأسعوا أن يؤوول أمر شئون هذا السودان من نصيب هولاء الفتية (مهما غطسوا حجروا ما أظن حيكون أسوأ مما تعاقبت به الأيام (عسكر_ أحزاب_ سياسة _ ثقافة منذ زمن الإستقلال. وكفي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..