مقالات سياسية

ليس من أجل الفريق الكباشي بل من أجلنا نحن 2

د. قاسم نسيم حماد

مناقشة هادئة فيما سلف
إشادات كثيرة وصلتني على مقالي السابق (ليس من أجل الفريق الكباشي بل من أجلنا نحن) من نابهين أكنُّ لها تقديرا وأكللهم شكراً، وقلة قليلة استوحشت المقال، وهي على صعيدين، صعيد يؤثر السكوت عن تناول مثل هذه القضايا، بحسبانه سبباً في تجاوزها بالإهمال، وآخرٌ تتحشده العنصرية فيرفض التناول علواً منه وتكريساً لها، وكلا الصعيدين أعذرُ، وأشفق على الصعيد الآخر أكثر، فهو ليس سيئاً إنما تتكبله تمثيلات الآخر، وتحتله الأنساق الثقافية، فهو رهينٌ داخل قوقعة مخيالها، تُرِيه الأشياء هكذا سوية، فما أجدرنا بعتقه.

وأمضي فيما بدأت في المقال السابق من موضوع تَنَاسَلَ، كان قد اكتتبه قلمي عفواً دون سابق تدبير، بعد أن رمت بعنوانه الأحداث في قارعة طريق الثورة وحاضرنا، فنحن لا نبغي تأزيماً للأزمة، بل نودُّ حلاً لها، لكن الشاهد أن كثيراً منا بوعيٍ أو بغيره والغ في آثام العنصرية حتى البشم، وغراب الموت يستبيح مساحاتنا، وقد علا نعيقه في كل مرابعها، يذبح ما كان التأم من سودانيتنا، ويتغذى بالكراهية، حتى الشمال الذي ما برح يمثل الأنموذج المثال في السلم الاجتماعي دبَّتْ فيه بؤر الصراع تَرْفَضُّ تحيا بعد مشارفة موات، وإن كانت قد انتقلت إليه، فالمعنى واحد، والمخافة واحدة وهي انتقال روح العصبية واسترخاص الموت.

وللذين يتربصون فرحةَ توقيع اتفاقيات السلام حلاً للمشكل، نقول آسفين: لن تفلح مفاوضات السلام- التي طاب لها مكان الرواح – في إطفاء نار العنصرية، وقتل سبب الموت وحدها، إنما نفلح جميعاً بتتبع المشكل الثقافي وحل إشكالاته، وقد زاحمت قضية الحركات المسلحة قبل طي ملفها أحداثُ الفتنة الداخلية الحادثة، لِتُخَلِّقَ قضية جديدة، أشد وطأة، وأدنى ساحة، وهكذا سنعيش حرباً طوال ما بقي من عمرٍ في دولة السودان، وقبل هذا ستتسبب هذه العنصرية في وأد الثورة التي نعلقها أمل السلام والوحدة والازدهار، لأننا لم نبحث في جرثومة الصراع، ولم نضع للثورة الثقافية بالاً وهي الأجدر بالنظر والرعاية، إذ أن ما نعانيه سببه ثقافي بجدارة.

هنا يجب أن نقرَّ ابتداءً بأن العنصرية ملتحفة بكل قبائلنا وجماعاتنا الإفريقية منها والعربية، فلا ندمغ بها فئة دون أخرى، لكنها تسعى بين الجماعات ذات الثقافات المتشابهة بصورة أبطأ ولا تنعدم، فالجماعات الإفريقية مثلاً تعاني من العنصرية فيما بينها، لكن ينظمها ناظمٌ يصطفها في وجه الثقافة والجماعات العربية وهكذا، ولا حرج إن كان الاصطفاف بريئاً وهذا أمر طبيعي، لكنه متحفز، ونقول هذا في الثقافات العربية أيضا، فإن استقلَّ الأفارقة مثلاً في دولة خاصة بهم فلا يعني هذا استقراراً هانئاً لهم، بل ستقوى بينهم حينئذٍ العنصرية والاقتتال الذي أخفض رأسه-حيناً- ظرفُ مناوأتهم للثقافة العربية ومساجلتهم لها، وهذا الفرض أكدته حالة الجنوب، رغم استحالة وقوع هذا الفرض واقعاً، لأن الجماعات الإفريقية لا تستقل بجغرافيا خاصة بها، بل تتخللها الجماعات العربية من كل حدب وجانب، ومن بين أيديها، كأنما أقسمت علينا الجغرافيا قدر التعايش والتواطن، فلنكن إذن قَدْر القَدَر.

لماذا نتعنصر لجماعاتنا، لقد كنا جماعات قبلية متفرقة، القبيلة تمثل كل شيء لفردها، وفي سعي القبيلة لتأكيد وحماية ذاتها، طفقت تخلع نعوتاً سالبة على القبائل الأخرى التي تحيط بها، وتتمحل لنفسها صوراً مثالية، فنشأت من هذا منظومات ثقافية لكل قبيلة تنشئ حواجز ثقافية بينها والمجموعات الأخرى، فتضع من شأن القبائل الأخرى بيد، وترفع من قدر نفسها بيدٍ أخرى، وكل هذا اختلاق لا حقيقة له، هذا على العموم، أما فيما يخص المجموعات ذات الثقافة العربية فالأمر يختلف قليلاً ويزيد، فقد تكَوَّنَ عَظْمُ ثقافتها من بيئات غير إفريقية- ولا ننكر ما أقتحمتها من ثقافات محلية سودانية- أتت من الجزيرة العربية، ولأرض العرب ملابساتها التي تكونت فيها ثقافتها وتكون نسقها الثقافي، وأهم تلك الملابسات ما نتج عن تأثير الثقافة اليهودية عليها من قبل الإسلام، مما أتاح للمفاهيم التوراتية التموضع في بعض مفاصل الثقافة العربية، ومن ذلك كراهية السود ووصم الإفريقي بالعبودية، فالتوراة تحمل أقدم نص يدين السواد، جاء في التوراة سفر التكوين الاصحاح 9 “ملعون كنعان عبد العبيد يكون لأخوته” –التكوين (9:20 -27)، وذلك إثر الخطيئة التي ارتكبها حام في حق أبيه نوح، فحلت اللعنة في خَلَفِه كنعان، لكن في النص التوراتي حام ليس ملعوناً، كما أن لون البشرة ليس مذكوراً، إلا أن التلمود البابلي ربط لعنة حام بالبشرة السوداء والملامح الزنجية، والتلمود حكماً على التوراة، فتسلل هذا المفهوم إلى أرض العرب وخضعت له الثقافة العربية، رغم أن ألوان العرب كان فيها الأدمة والسواد حتى في بيت بني هاشم أوسط بيوتهم، وهذا مبحث طويل كفاني النهوض له ما قام به بعض الباحثين، وقد أعجبني بحث الدكتور هاشم الإمام محيي الدين في ذلك، فليلتمسه الراغب استزادةً في مظانه، ولم يبتلى العرب وحدهم بهذه الكراهية للسواد، بل أكثر المبتلين كانوا من الغربيين، من ذات المصدر الذي تسرب إلى العرب، يؤكد ذلك وجود أباطرة رومان أفارقة من قبل أن تتنصر أوربا، وتفشو فيها المقولات التوراتية، نحو الامبراطور الحادي والعشرين (سيفروس الأول) الذي حكم بعد وفاة الأمبراطور (برتيناكس) وحكم (18) عاماً، وقد  مارست أوربا من بعد أبشع أنواع الاضطهاد للإنسان الأسود، والغريب أن العبودية لم تكن مرتبطة قديماً بالسواد، بل إن كلمة slave)) الإنجليزية التي تعني “عبد” تعني السلاف الذين كان أكثر الرقيق منهم، ومنهم جاء الاسم، لكن الأوربيين استطاعوا التخلص من هذه البلية، ونحن لا نزال نرفل فيها, إذن الثقافتان العربية والغربية تواضعتا على هذه الكراهة، وإن تحررت الغربية منها أكثر، فيما بدا لنا، نقول هذا لأننا نستقى المعرفة من خلال هاتين الثقافتين، وقد نجد كثيراً من المفاهيم التي حملتها التوراة تسربت وحكمت العالم لفترات طويلة، من أهمها تصورات قيام العالم وفنائه.

وقد صارت كراهية السواد ضمن النسق الثقافي العربي فيما يسميه بعضهم بنسق التلوين الثقافي، وبلغ النسق الثقافي من قوته أن تَقَوَّلَ على الرسول الكريم (ص) كذباً بأحاديث تحُط من السود، فالدين خطاب إنساني وإنصافي في جوهره، لكن النسق الثقافي أثبت قدرةً على تحويل أي خطاب مهما كانت إنسانيته إلى نص مُجَيَّر لصالحه، فرغم الوعيد الشديد على المُتَقَوِّلين كذباً على النبي فإنهم قد كذبوا عليه، وللبلاغيين ثلاثة أقول في صدق وكذب الخبر تفسر قضية الكذب هذه، منها أن الصدق هو موافقة القول للاعتقاد، والكذب هو مخالفة القول للاعتقاد، فإن قلت ماء النيل مالح وكنت تعتقد ذلك فأنت صادق، فهم إذن لا يعتقدون أنهم يكذبون لأنهم قالوا بما اعتقدوا، فمن كذب على النبي الكريم بوضع تلك الأحاديث ما كان يعتقد أنه يكذب إذن، نواصل فيما يأتي في قضية النسق الثقافي هذه وتجلياتها.
د. قاسم نسيم حماد
 14 أغسطس2020

محتوى إعلاني

‫2 تعليقات

  1. الدكتور قاسم نسيم حماد
    لك التحية والاجلال

    شكرا علي هذه المقالات العلمية التي اتمني ان تضاف لمناهج التعليم في بلادنا المكلومة. ليت الكثيرين من الكتاب ينحو منحاك الهادئ وبحثك الدءوب. اتمني ان تستمر في اثراء علم الاجتماع السوداني فنحن في اشد الاحتياج لهذا التناول لقضايا مجتمعنا.

    مع اطيب التمنياتز محمد المعتصم احمد حسين

  2. الدكتور قاسم…
    اول مرة كاتب و باحث سوداني يساعد في بث الوعي … و بحث اصول مشكلة السودان التاريخية..
    نتمني من الدكتور المواصلة حتي نعرف من نحن؟؟

    حسب فهمي المتواضع نحن فاقدين الانتماء ..

    البحث عن من نحن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..