مقالات وآراء

السياسة والجيش في المملكة العربية السعودية

اتسم المشهد السياسي في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الثلاث الماضية وحتى الآن منذ تولى محمد بن سلمان ولاية العهد بسلسلة متواصلة من الاقصاءات والاعتقالات والاغتيالات؛ وهذه الحالة تشئ بحدوث تغيير سياسي جذري هناك. والبائن على السطح من الاحداث يخفى خلفه واقع من المنظور أن يؤدى إلى تعديل كبير في تركيبة الدولة؛ ومثل كل الظاهرات السياسية فإن الصراع الدائر حاليا في المملكة السعودية تتناقض وقائعه الظاهرية مع حقيقة جوهره.

بعد أن أزاح ملك المملكة العربية السعودية سلمان بن عبد العزيز في يونيو 2017 الأمير محمد بن نايف آل سعود من ولاية العهد وعبن ابنه الأمير محمد بن سلمان خلفًا له، شن ولى العهد الجديد في نوفمبر 2017 حملة واسعة شملت اعتقال معظم الامراء وحلفائهم من المسؤولين ورجال الاعمال تحت ستار محاربة الفساد. وتم هذا بشكل مفاجئ. وفي هذه الخطوة لم يستعن ولى العهد بأي طرف من أطراف الاسرة السعودية الحاكمة بإقامة تحالفات معها؛ بل قام ما قام به اعتمادا على الجيش والحرس الوطني والأجهزة الأمنية الأخرى التي فرض سيطرته الكاملة عليها. وبهذا الإجراء حقق بن سلمان الهدف الأساس الذي رمى لتحقيقه وهو تجريد أعضاء الاسرة الحاكمة من قوتهم الاقتصادية بمصادرة أموال طائلة لديهم وتقويض نفوذهم السياسي. وتعلُّل بن سلمان بمحاربة الفساد للبطش بأفراد الاسرة الحاكمة غير مقنع، فعلى حسب معلومات أوردها معارضون سعوديون لنظام الحكم فان الأموال التي نهبها الملك سلمان وابنه خلال الخمسة سنوات من تسلم الأول للحكم تفوق كل ما سرقه أي من افراد الاسرة الآخرين؛ وهذه المعلومات مبنية على إحصائية منسوبة لاقتصاديين داخل المملكة تبين بان هناك فاقد بلغ عدة تريليونات من الدولارات عبارة عن فرق بين إيرادات البترول والقروض الخارجية وبين المنصرفات للفترة المذكورة أعلاه ولا يعرف أحد أين ذهبت الأموال المفقودة.

إن ما يجرى في السعودية هو عزل عصبة أمراء آل سعود من السلطة وضرب المؤسسة الدينية المتشددة ونزع سلطتها التي تشكل السند الفكري للدولة. والهدف هو إعادة ترتيب الحكم والابتعاد عن صيغة النظام الاسرى السعودي الموغل في تخلفه السياسي والاجتماعي.. وهو ما تقضيه المرحلة التي تتطلب تحديث المجتمع بدرجة ما تتماشى مع روح العصر. وهكذا كان اعتقال ولى العهد للأمراء وتجريدهم من جل أموالهم وخلخلة السيادة السياسية التي تمتعوا بها عبر الزمن. ومهما كان من امر ورغم قساوة الحكم المطلق (ومناشيره) فإن الذي يجرى على صعيد التطور السياسي في ذلك البلد يمكن اعتباره نقلة تصاعدية يفرضها التطور الاجتماعي في ذلك البلد. وبالطبع فإن هذه النقلة لا تعدو أن تكون شكلية فالمقصود هو ليس أن السعودية في طريقها لان تكون دولة متقدمة على غرار الدول الرأسمالية الحديثة، بل الجاري هو إعادة تكوين الدولة حتى تكون سياساتها وتوجهاتها متطابقة مع الواقع المحلى الذي حدثت فيه تطورات اجتماعية واقتصادية عميقه فرضتها على المملكة، صاحبة الموارد البترولية الهائلة، علاقاتها المالية والتجارية الواسعة مع دول العالم. فلو أنعمنا النظر
نجد أن علاقة التبعية التي ترزح تحتها السعودية تضغط عليها وتدفعها لكي تزلزل المجتمعات المحلية والركود الذي يطوقها. والاستجابة لمطلب التبعية “الاستعماري” تطلبت، كما ذكرنا، الإطاحة بتركيبة الدولة التي يتحكم على مختلف مستويات الحكم فيها أعداد كبيرة من الامراء الفاسدين وتركيز آليات السلطة المطلقة الحالية في يد الحاكم الواحد. ويمكن القول إن تغيير بنية الدولة وفق هذه الصيغة يقتضيه تيسير أعمق لمسار العلاقات المتبادلة مع تلك الدول المتبوعة.

ومن الأمثلة على صعيد تركيز الاقتصاد السعودي التابع بشكل إجباري معجل (expeditious) حقيقة مشروع “نيوم” العملاق الذي يجرى تنفيذه بالمملكة. فمشروع “نيوم” مشروع إقليمي “سعودي- أردني- مصري” يقع شمال غربي المملكة ويمتد ليشمل أراض داخل الحدود المصرية والأردنية ويشمل بناء مدن ومشروعات سياحية و50 منتجعا، بالإضافة إلى 4 مدن صغيرة. تبلغ تكلفة المشروع نصف تريليون دولار تضطلع بتمويله صناديق استثمارية عامة بالاشتراك مع مستثمرين محليين وعالميين. ولتمهيد الطريق لبناء المشروع اتخذ ولى العهد السعودي قرارات حاسمة بإزالة قيود فرضتها علاقات الأرض الضاربة في القدم تمثلت في تهجير قبيلة كاملة ” قبيلة الحويطات” من أراضيها قسرا وصلت إلى مقتل أحد أفرادها.

نختتم بالقول إن اعتماد بن سلمان على القوى الأمنية وفى مقدمتها الجيش يضع الأخير في قلب الصراع السياسي؛ فالجيش كان وما زال هو الأداة الحاسمة التي يوطد بها ولى العهد سلطته المطلقة وإصدار القرارات الحاسمة التي من شانها إحداث نقلة كبيرة للمملكة تضعضع القيود المجتمعية التقليدية امام انفتاح اقتصادي “تابع” يحد من الاعتماد على عوائد البترول. وفى ظل عدم الرضا الذي يسود بعض قادة الجيش إزاء الزج به في حرب الستة أعوام في اليمن، التي يدور حديث كثير حول ضرورتها السياسية، وجعله يخوض حربا غير مهيأ لها بحكم نهج حرب العصابات التي يواجهها هناك، لا يمكن الاستهانة بفكرة تطلع الجيش لأن تكون له كلمة في ترشيح من يحكم او للمشاركة في القرار السياسي او ربما الانفراد به!! والرهان على توقع دور أكبر للجيش في العملية السياسية يعززه الاضعاف الشديد للأسرة السعودية، الذي احدثته إجراءات بن سلمان؛ فجراء الصراع بين أفرادها، فإن منظومة الحكم للعائلة السعودية قد زالت هيبتها وضعفت فعاليتها السياسية (clout) ولهذا سينشأ فراغ سياسي في حالة إزاحة محمد بن سلمان من موقع السلطة ما سيُحدث فراغا يستدرج المغامرين إلى التحرك لملئه.
محمود محمد ياسين
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..