مقالات وآراء

دولة السيد رئيس الوزراء د. حمدوك.. أمسحها في وجهي

لست صحافي، لم أدرس في كلية إعلام… و لكني طوال عمري كنت قارئاً نهماً لما تكتبه الصحف. في المدرسة كنت و زملائي نُصدر صحيفة إسمها (العبور)،إختلفت معهم يوماً، فأصدرت صحيفة خاصة بي، أسميتها (النهضة)، كيداً لهم، عرفوا مقصدي، لأن النهضة أهم من العبور،العبور أن تنتقل من ضفة إلى آخرى..فقط،.. قد لا تعلم ماذا ستفعل بعد العبور، ولكن النهضة تعني البناء، التعمير، العلم، الثقافة.. عدنا لبعضنا و اشترطت عليهم أن يكون إسم الصحيفة،النهضة،…. و كان.
كتبت هذه المقدمة و أنا أريد أن أكتب بعض الملاحظات عن عينات من (الصحفيين و الكُتّاب)، و أعلم إن للصحافة لغتها وتعابيرها الخاصة.. مثلها مثل أي مهنة، وفي إعتقادي أن لغة الصحافة يجب أن تكون على درجة عالية من الرقي و الأناقة و الفخامة، لأنها يجب أن ترتقي بمستويات القراء…. بذوقهم.
ندخل في الموضوع،
هنالك صحفيون ينتقدون فقط،
و هنالك صحفيون ينتقدون و يقترحون الحلول…. بل يجترحونها.
و هنالك صحافيون يشتمون.
النوع الأخير يثبّط الهمم.. يقتل الأمل، يرعبك، يملؤك تشاؤماً، و هو يظن أنه يحقق بطولات، بمثل هذا الزبد … الذي سيذهب جُفاءاً.
و كأمثلة على ما ذكرت، كتب د. مجدي أسحاق، بجريدة الراكوبة بتاريخ 17 أغسطس الجاري والذي يوافق مرور سنة على توقيع الوثيقة الدستورية ما يلي:
(سأحتفل بمناسبة مرور سنة على توقيع الوثيقة الدستورية، لأنها خطوة في طريق الأمل.. لن أبكي على اللبن المسكوب.. ولن أنضم لحملة التخوين ولكن أقول، مهما كان قصورالوثيقة، فقد فكّت قيدنا من الإنقاذ….سأحتفل لأنها اعطتنا أملاً ان نعيش… أمل بناء الوطن بعد أن هرمنا في المنافي) ……..إنتهى كلام الكاتب.
و كتب أ. نور الدين عثمان بتاريخ 18 أغسطس الجاري ما يلي:
(..سنعبر؟.. نعم.. سننتصر؟ .. نعم.. سنهزم تجار العملة وسدنة الاقتصاد الموازي؟ .. نعم.. ستسألون من أين لك هذه الثقة؟ سأقول إنها مستمدة من هذا الشعب العظيم صانع الثورات، من الشباب الثائر الذي يراقب ثورته ليل نهار حتى لا تنحرف عن مسارها) .. إنتهى كلام الكاتب.
و كتب أ. كمال الهِدَيْ بتاريخ 17 أغسطس الجاري ما يلي:
…فإما أن (تعدل) حالك يا حمدوك، أو (تدينا عرض أكتافك)، لا يفترض أن نقبل بأي حل وسط … البديل ليس عودة الكيزان كما يتوهم البعض، وإنما هو الفوضى والحرب والإقتتال وتشرذم البلد وهذا ما يحدث حالياً بفعل سياسات دكتور حمدوك
ومن معه، واستهانتهم بالثورة وتضحياتها وإذعانهم لإرادة العسكر.فماذاتنتظرون؟ إنتهى كلام الكاتب..
و قبل حوالي العشر أيام كتب أ. كمال الهدي مقالاً بالراكوبة أيضاً، عنوانه: (يا حمدوك إن لم تستح…… فافعل ما شئت)…
*******************************
و ما أود أن أقوله، أن هنالك مقال يرفع نفسياتك، يجعلك تحلم بغدٍ مشرق، يقوي عزيمتك، إن كنت تعمل مهندساً، أو طبيباً أو مدرساً أو عاملاً أو مزارعاً، ستعمل بهمة و بقوة،… لأنك تحلم بأن هنالك وطن جميل، يتشكل .. و لو ببطء… هنالك فجر آتٍ بهدوء.. ينبلج من دياجير العتمة… فيقشع الظلام…. وينير الطريق.
و هنالك مقال يحبطك ، يثبّط همتك، يوهن عزيمتك، فتتراخى في عملك.. تقول في نفسك: لماذا أكِدُّ و أتعب و أنتج، إذا كان البلد مصيره إلى فناء، وقادته لا يعملون، بل يعملون ضد مصلحته، و الصحف قالت لكبيرهم (أدينا عرض أكتافك).. فلماذا أكون أنا الوحيد المخلص في عملي…سيبك.. (ملعون أبوكي بلد).
مثل هذا النوع الأخير من الكُتّاب يدمّر و لا يبني، يفرّق و لا يجمع، يجرح و ينثر ملحاً على الجرح، يعتبرون أن الكتابة الصحفية (فتونة) و أن تحقير المسئولين الكبار (رجالة). أنا لا أقصد الأستاذ كمال الهِدَي في ذاته.. أقصد كلاً من يُرعبنا، كلاً من يقتل أحلامنا، وهي بعد نديَّة، كنسمة فجر، أقصد ( كل الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا).
مهما كان المسئول الكبير فاشلاً فليس من اللباقة أن تقول له (إن لم تستح فافعل ما شئت).. هذه العبارة تُقال لمجرم، لصايع… لمن فعل شيئاً يُستحَى منه، و لا تقال لشخص محترم من عامة الشعب، ناهيك عن رئيس وزراء، إهانته إهانة للوطن.
و عبارة (أدينا عرض أكتافك) عبارة بغيضة، تستعمل للطرد المهين المذل، و لا يمكن قولها لإنسان محترم من غمار الناس..ناهيك عن رئيس وزراء، إهانته إهانة للشعب كله. و لا أدري هل كتب هذا المقال كمال الهدي أم الطيب مصطفى أم إسحاق فضل الله؟!! يقول الكاتب أن الوطن سيتفتت، نفس عبارة الطيب مصطفى، الذي قال (إن الوطن سيتفتت إذا سقطت الإنقاذ، و كل زول يشيل بقجتو)، ولكن يا أستاذ كمال ليس هذا هو الوطن الذي سيتفتت، شبابه و فتياته سيحمونه… سيزودون عنه بوعيهم قبل دمائهم…. سيحافظون عليه لأن أحلامهم فيه كبيرة..مشرقة.
ذهبت الإنقاذ و لم تتحقق أمنية الطيب مصطفى.. و تتعثر الحكومة الآن، وكل يوم.. و لن تتحقق نبوءتك سيدي كمال الهدي.. إطمئن… لأن هنالك أمل، هنالك حلم….
الحكومة فشلت نعم، بطيئة نعم، لم تكن بطموحاتنا نعم، و علينا أن نعمل لتقويمها، و ذلك لن يتم بالعبارات الخارجة عن النص، يأتي بلفت نظرها لأماكن الخطأ و نقترح لها كيف تصحح أخطاءها، و إذا إقتنع الشارع أن حالها لن ينصلح سيقول لها شكراً، ولا نريدك… و عليك الإستقالة فوراً، ..ولكنك لن تجد ثائراً واحداً يقول لحمدوك (إن لم تستح فافعل ما شئت).. وكأن دأب الرجل إقتراف المنكرات، كأننا قد أتينا به من أحد البارات في أديس.. و ليس من مكتب مرموق و وظيفة مرموقة، ولا واحد، و لن تجد كنداكة واحدة تقول له (أدينا عرض أكتافك)، ولا واحدة.. هذا شعب تربى على احترام الكبير، في السن أو في المنصب… وهذا ليس طعناً في شخصك.
و أتمنى أن يكون الأستاذ كمال قد إستمع لكلام الثوار الذين هم في عمر أبنائه عندما خرجوا في المليونية الأخيرة، كيف ينتقدون، كيف يلومون، كيف يشكون، كيف يوجّهون دون تجريح، دون تخوين.. دون إساءات، شيئ يرفع الرأس و يشعرك بأن هذه البلاد إلى خير بعون الله…. أرجوك سيدي كمال، أرجوك إبن عمي… (لا تأخذ برأسي و لا بلحيتي)..و لا تُشمِت بنا الأعداء…. ذهاب حمدوك وارد، بيد الشارع الذي أتى به سيدي.. وكما استقبلناه محترماً سنودعه محترماً… مهما كان الفشل.
في كل دول العالم، مهما كان المسئول فاشلاً يُخاطَب بفخامة الرئيس، دولة رئيس الوزراء، سعادة الوزير، سعادة السفير، السيد، الأستاذ، ألا في هذا الوطن الغريب: جاء حمدوك، سافر حمدوك، صرح حمدوك، خاطب حمدوك..يحدث ذلك حتى في التلفزيون القومي،.. و يخسر (حمدوك) حتى لقبه العلمي.. (الدكتور) الذي حمله عندما كانت للدكتوراة هيبة… ليست مثل دكتوراة سوق البصل التي يحملها نصف الشعب اليوم.
سؤال أعلم أنه سخيف:
يا أستاذ كمال، ماذا ستفعل لو دخلت على مديرك في العمل لتوضح له لماذا لم تنجز عملاً كلفك به.. و قال لك: أدينا عرض أكتافك… بالله كيف سيكون رد فعلك؟؟
دكتور مجدي… أستاذ نور الدين…سنشارككم الأمل بغدٍ مشرق… و حنبنيهو ال بنحلم بيه.. والبداية بكلمة…. كلمة متفائلة…
أستاذ كمال.. أنا أحترمك و كنت قارئاً مداوماً لكتاباتك، ولكني سأتوقف، سأتوقف لأن أسلوبك صار خشناً، مثل لعب الدافوري، و قد تكون إكتسبت ذلك الأسلوب من كتاباتك الرياضية التي تكون فيها الخشونة أمراً عادياً.. و لكن لا يمكن أن تخاطب رئيس الوزرء مثل ما تخاطب مزمل أبو القاسم.. مثلما تخاطب…. سلك..
محبتي لك ستظل، و الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.. أو كما قال..
ونعود لعنوان المقال لنقول:
دولة السيد رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك، …إمسحها في وجهي….
و لّا أقولك،….. كان مالك و مال كدا؟؟ ما كنت كويس… و محترم!!!

علي العبيـد

 

‫2 تعليقات

  1. مقال جميل ورائع و قمة الاحترام و الذوق و القهم يسلم يراعك و ربنا يكثر من امثالك استاذ ، على عبيد و كما يقال (لكى تحترم لابد أن تكون إنسان محترم )

  2. في بداية الثورة كتب الأستاذ كمال الهِدَي مقالاً … وكنت لاحظت تلك التعابير القبيحة ونشرت تعليقاً حتى أتهمتهه بأنه من الكيزان … للأسف الشديد لقيت هجوماً عنيفاً من بعض القراء حتى أعتقدت أنهم يعرفون الكاتب حق المعرفة …
    هنا عندي ملاحظة جديدة … هذا الكاتب يحاول إبدأ رأيه في أي موضوع مطروح بالساحة على عجل … وهنا أقول أنه يجب أن يتريث ويدرس أي موضوع ويختار الجمل والعبارات المناسبة … مع تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..