مقالات سياسية

سيارات المورس الحل المثالي يا مجلس السيادة

صديق جوليا

كنت أعتقد اعتقاداً جازماً أن لجان التفكيك والتسبيك قد تمكنت من تفكيك وإزلة جميع مخلفات العهد الدكتاتوري البغيض وألقت بها في مزبلة التاريخ لأن عمليات التفكيك بحسب إعتقادي الراسخ أسهل بمليون مرة من عمليات التسبيك – لكن مع الأسف الشديد- فوجئت في الأسابيع الماضية وأنا أتصفح الصحف المحلية بخبر أزعجني إلى درجة الاكتئاب مثلما أزعج جميع الحادبين على مصلحة الوطن الجريح وهو يخوض معركته الفاصلة ضد النظام الدموي الارهابي.

وعلى الرغم من الظروف العصيبة التي يعاني منها الاقتصاد السودني الذي أوشك على الانهيار أو أصبح قاب قوسين أو أدنى فاجأتنا الصحف المحلية بنشر خبر تحت عنوان مجلس السيادة يطالب بشراء سبعين سيارة جديدة (brand new) تبلغ قيمتها ملايين الدولارات!.

وكادت الصفقة تمر مرور الكرام تحت غطاء “فقه السترة” لولا تدخل حماة الثورة في اللحظة الحرجة لاحباط هذه الصفقة التي تفوح منها رائحة الفساد المالي..بكل صراحة أستطيع أن أقول إذا تم توقيع مثل هذه الصفقة المشبوهة بالحروف الأولى فقط في إحدى دول العالم الحر لأصبح وزير المالية والتخطيط في خبر كان .

وعندما قام وزير الاسكان في الحكومة الايطالية السابقة بشراء شقة من حر ماله أجبرعلى تقديم استقالته بعد أن اكتشفت الصحف المحلية التي نشرت الخبر أن وزارة الاسكان قد منحته خصماً هامشياً لم تتجاوز قيمته 5% من قيمة الشقة..لكن برغم ذلك تعرض للنقد اللاذع في وسائل الإعلام التي ظلت تهاجمه باستمرار حتى  وجد نفسه مضطراً لتقديم استقالته بينما في عالمنا الثالث تسرق المليارات في وضح النهار وكأن شيئاً لم يحدث!  من أين تدفع الحكومة المفلسة قيمة هذه الصفقة الباهظة وخزينة الدولة فارغة ووزيرة المالية المكلفة تتسول من المؤسسات الخيرية وحكومتنا الرشيدة تتسول من مؤتمر المانحين لتسديد فواتير المشتريات الخارجية..وصفوف الخبز والبنزين لم تنقطع صباحاً ومساءً.

ألم يكن من الأجدر بأعضاء مجلس السيادة ووزراء حكومتنا الرشيدة أن يبذلوا قصارى جهدهم لتوفير الخبز والسلع الأساسية لرفع المعاناة عن كاهل المواطن الذي أثقلته الديون وذاق الأمرين في عهد الإنقاذ البغيض بدلاً من التورط في صفقات مشبوهة؟

أما إذا كان المجلس الموقر في حاجة ماسة لأسطول من السيارات الحديثة لماذا لا تتعاقد الأمانة العامة لمجلس السيادة مع شركةهندوستان موتورز” على سبيل المثال لشراء سيارات موريس أوكسوفورد   (Morris Oxford) الاقتصادية المميزة التي ما زالت تستخدم على نطاق واسع في الهند ليس كسيارات أجرة فحسب بل تستخدم أيضاً بواسطة كبار الشخصيات في رئاسة مجلس الوزراء والبرلمان الهندي في أكبر دولة ديموقراطية في العالم.

ولا أذيع سراً إذا قلت إن رئيس مجلس الوزراء ووزراء الحكومة الهندية المنتخبة ديموقراطياً كانوا وما زالو يستخدمون هذا النوع من السيارات الاقتصادية للأعمال الرسمية فقط بواسطة سائق خاص، ولم يتجرأ أي وزير أو نائب في البرلمان – مهما علأ شأنه – على المطالبة بشراء سيارات باهظة الثمن من سلسلة مرسيدس بنز أو فورد كراون فكتوريا أو استخدام هذه السيارات لمواصلاته الخاصة أو لترحيل أسرته كما كان يحدث في الماضي القريب في عهد النظام الدموى الديكتاتوري.

ما هو العيب في شراء سيارات من سلسلة مورس أوكسوفورد  الاقتصادية أو سيارات مماثلة بتكلفة لا تزيد عن 10% من قيمة الصفقة المشبوهة لتذهب 90% من القيمة الإجمالية لتسديد فاتورة القمح بدلاً من إهدار أموال الشعب في شراء سيارات من طراز رولزرويس فانتوم (Roll-Royce Phantom)  أو بي أم دبليو! (BMW).

لماذا لا تقتدي حكومتنا الرشيدة بسياسة التقشف الاقتصادي التي تبناها مجلس وزراء الحكومة الهندية التي أصبحت تحتل المركز الخامس في قائمة الدول الأكثر نموا في العالم من الناحية الاقتصادية متجاوزة الاقتصاد البريطاني والفرنسي.  ونظراً لمركزها الاقتصادي القوي أصبحت الهند من أهم الأعضاء في مجموعة العشرين الاقتصادية.

ولكن مع ذلك لم تفكر الحكومة الهندية في شراء سيارات مستوردة باهظة التكاليف على الرغم من أن مركزها الاقتصادي القوي يؤهلها لشراء أسطول من طراز رولزرويس فانتوم التي تعتبر من أفخم السيارات في العالم.  وأخيراً ولست آخراً لماذا تهدر حكومتنا الرشيدة أموال الدولة الوليدة لشراء سيارات النخبة الباهظة الثمن بدلاً من شراء سيارات اقتصادية متواضعة من سلسلة مورس أوكسوفورد.

صديق جوليا

[email protected]

 

 

محتوى إعلاني

تعليق واحد

  1. كان لنا مجلس سيادة بعد الاستقلال و آخر بعد ثورة اكتوبر و ثالث بعد ثورة \ابريل، و لم نسمع بأي سيارات مخاصصة لأعضاء هذه المجالس على حساب الدولة. كما لم يكن للوزراء سيارات حكومية إلا في زمن نميري. أما تقليد منح المسؤولين سيارات على حساب الدولة فقد أتانا مع سوء الطبع و الأخلاق للإنقاذي، بل توسعوا فيه لتكون هناك سيارة للمسؤول و أخرى للمدام و ثالثة لخدمة البيت. أوقفوا هذا العبث، و ليتدبر كل مسؤول أمر تنقلاته بعيداً عن خزينة الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..