مقالات سياسية

السيدة بثينة خليل أبوالحسن نموذج وطني واخلاقي نتمنى أن يسود في حياتنا

راج في الأيام الماضية خبر وفاة السيدة العظيمة بثينة خليل أبوالحسن زوجة الرئيس الأسبق الراحل جعفر محمد نميري الذي حكم بلادنا من مايو 1969م حتى ابريل 1985م، واتضح فيما بعد أن الخبر غير صحيح، وكما هو معروف إن الموت سبيل الأولين والآخرين، كلنا إلى هذا المصير مهما طال الزمن، فإن اسم هذه السيدة كُتب في التاريخ بأحرف من ذهب ومن نور، وقد دخلت التاريخ من أوسع الأبواب ليس لانها زوجة رئيس جمهورية حكم بلادنا حوالي 17 عام، لا أبدا لكن بما أرسته من قيم إنسانية نبيلة ومن مواقف وطنية قل مثليها في تاريخنا المعاصر.

السيدة بثينة خليل أبوالحسن لم نعرف لها تجارة ولا أعمال بل اشتهرت بأنها سودانية فاضلة مهذبة متواضعة تتقلد بتقاليد أهل السودان، اشتهرت بالأدب الجم والتواضع واحترام نفسها وأهلها، وبالتالي احترام مكانة زوجها وطبيعة عمله ومسؤولياته الوطنية، ولم تفكر في الاستثمار كما لم تفكر في استغلال منصب زوجها لذاتها ولرغباتها، كانت كبيرة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، دفعت زوجها للعمل من أجل الشعب السوداني، كنا ونحن صغاراً في تنظيمات مايو ــ الطلائع والرُواد والكشافة والمعسكرات الشبابية التي يحضرها الرئيس واحيانا مع زوجته، لم نسمع صوتها يوماً، ولم نرى منها موقف خارج اللباقة والأدب، بل العكس تماما كانت في قمة الأدب والأخلاق الرفيعة.

إن ما اتسمت به حياة هذه السيدة العظيمة من قيم جميلة يعكس في مجملها أصالتها السودانية وتربيتها الاجتماعية والاسرية فهي سليلة أسرة لها مكانتها في المجتمع وأسلوبها في التربية وحفظ التقاليد والثقافة والمعرفة وقد ظهر ذلك بشكل جلي في شخصيتها وفي احتكاكها مع الناس، ولم تكن لها أي علاقة بالمسؤولين في الدولة التي يرأسها زوجها، علما أن والدها السيد خليل أبوالحسن هو خال الرئيس جعفر نميري.

كانت بثينة خليل متعها الله بالصحة والعافية أكثر جمالا من زوجة الرئيس المخلوع، وأكثر حشمة وأكثر أناقة وذوق رفيع في الملبس وفي التعامل مع الناس وفي كل شي، عفيفة اليد واللسان، لم تتدخل أبدا في السياسة، وحتى بعد أن أزيح زوجها من الحُكم كعادة زوجات الرؤساء في مثل هذه الحالة التعبير عن ذلك بالاستهجان أو الاستنكار من خلال أجهزة الاعلام، لكن لم نسمع لبثينة خليل صوتا في هذا المنحى، ورضيت بما اختاره الله واختاره الشعب، وهو تعبير عن الزهد في متاع الحياة وقد نالت حظها من الدنيا.

ومن المواقف الكثيرة عن زهد واصالة هذه السيدة انها تقدمت عن طريق إبن شقيقها السيد طارق خليل أبو الحسن إلى الشؤون المالية بالقوات المسلحة لاعتماد استقطاع مبلغ ثمانية جنيهات شهرياً، من معاش زوجها الراحل المشير جعفر محمد نميري لاستخراج بطاقة علاجية، وحينها قال أحد ضباط الجيش المتقاعدين إن هذا الموقف هز جميع الذين شهدوه في مبنى الشؤون المالية بالقيادة العامة، وتساءل بعضهم عن موقف الدولة من علاج أرملة الرئيس الراحل نميري في حالات المرض.

حتى الآن تعيش في منزل الأسرة الكبيرة في حي ودنوباوي شارع ود البصير، وليس لها ولزوجها الراحل أي عقارات ولا ممتلكات ولا مصانع وشركات ولا أرصدة في البنوك العالمية، والمنزل الذي تعيش فيه متواضع جدا لا يوجد ما يميزه عن بقية البيوت، حتى عندما كان زوجها رئيسا للبلاد كان المنزل نفسه عادي جدا لا يميزه عن باقي البيوت إلا (كشك) الحراسة الموضوع أمام البيت وداخله عسكري واحد.

نحن في الوقت الراهن ما أحوجنا لمثل هذه النماذج لنستخلص منها العبر والدروس وحتى نعلي من صوت الحكمة ونرفع من شأن خدمة الوطن بلا (خمج) ولا بذخ، السودان يحتاج الآن لمن يقدموا له الغالي والنفيس وليس العكس، من أجل مستقبل أفضل لأبنائه ولشعبه الصبور على الابتلاءات، وإذا كان لي من التعبير عن رغبة هي مقترح أتمنى ان يجد من يلتقط القفاز في تحقيقه وهو تكريم السيدة بثينة خليل في احتفال وطني كبير، وينتج عنه فيلم وثائقي وكتاب تحفظه الأجيال المتعاقبة.

حفظ الله السيدة بثينة خليل ومتعها بالصحة والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة بما قدمته لنا من نموذج مُشرّف، وحفظ الله وبارك في كل من يخدم السودان بصدق وزهد وبلا طمع.

خالد ابواحمد

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..