أخبار السودان

القصاص: مقاربة السياسي والثوري في السودان

درة قمبو

ما كان لأحد أن يتخيل عمق الرفض والغبن الشعبي وتباعد المواقف والتصورات، لخيارات السياسيين وحلفائهم المدنيين في معالجة ملف شهداء وجرحى ومفقودي الثورة السودانية الأخيرة، في ذكرى موكب الإرادة الثورية الثانية في الثلاثين من حزيران- يونيو 2020 والتى خرجت فيها حشود الثوار للشوارع في الخرطوم، في إعادة للمواكب العظيمة التي خرجت العام الماضي في التاريخ نفسه، تحدياً للمجلس العسكري الإنتقالي الحاكم وقتها في أعقاب مجزرة فض إعتصام القيادة العامة التالي لثورة كانون الأول- ديسمبر التي أطاحت بحكم الرئيس المخلوع عمر البشير، وكان من آثارها المباشرة هز الثقة بين الشارع الثوري والكيانات العسكرية والمدنية المعسكرة السودانية، الممثلة في الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني السابق وقوات الدعم السريع، وقوى حزبية معسكرة تتبع للنظام السابق وحزبه.

خدمات الإنترنت

ففي العام الماضي، وفي ظل قطع خدمات الإنترنت، والقمع الدموي المرتبط بفاجعة فض الإعتصام في التاسع والعشرين من رمضان 2019 قبيل سويعات من عيد الفطر، تدبر الثوريون أمرهم بالدعوة لمواكب شعبية في الثلاثين من حزيران- يونيو تزامناً مع ذكرى إنقلاب الحركة الإسلامية على الديمقراطية قبل ثلاثين عاماً، في أجواء غلب عليها إحساس العسكر بالنصر وهزيمة القوى السياسية المتحالفة مع الشارع، حيث لاحت للعسكر فكرة الإنفراد بالحكم، بل وشرعوا عقب فض الإعتصام في اتصالات بمدنيين وحتى قوى سياسية لتشكيل حكومة تحت إمرتهم، لكن تحالف الساسة والجماهير، تخطى عقبات القمع الدموي وقطع الإنترنت بدعوات عبر الهاتف والرسائل النصية، وكان مسرحها الأعظم هو جدران البـيوت والمـباني الـعامة، تحض الشعب على الخروج في أقرب مناسبة وهي عيد «ثورة» البشـير في آخر أيام شهر حزيران/يونيو.
تلك الإستجابة المفاجئة للملايين نسفت خطط العسكر وأجبرتهم على العودة لطاولة التفاوض رغم يوم فض الإعتصام عن نفض يدهم منها، وأكثر من ذلك أدركوا إستحالة تجاوز الثوار الذين لم يكن الكثير منهم – إن لم يكن غالبهم- بلا إنتماء حزبي، وبرهنت الجموع في تلك المظاهرات غير المتوقعة على تمسكها بالتغيير والديمقراطية ومدنية الدولة والحكم، وعقدت في الوقت ذاته مهمة أي طرف يحاول طي القضية بشكل يرعى مصالح أطراف مؤكد تورطها في الجريمة ولو من باب وجودها في سدة الحكم في ذاك التوقيت.

تصحيح مسار الثورة

وحين حلت الذكرى الأولى لتلك المظاهرات في الأسابيع الماضية، رفع الثوار شعار تصحيح مسار الثورة، بأهم لافتاته المتمثلة في الفصاص للشهداء وضحايا الثورة من مفقودين ما زال مصيرهم مجهولاً وجرحى لم تسكن آلامهم بعد، مع مرور أكثر من عام على وقائع مشهودة ومعلومة بحكم أن أطرافها ومسرحها في قلب المشهد حتى اللحظة، رغم تشكيل لجان تحقيق وتقصي حقائق بخصوص ما حدث فجر التاسع والعشرين من رمضان عام 2019 وتعاظم إحساس أهالي ورفاق الشهداء بوجود نوايا لطمس الحقيقة، منذ تراجع المجلس العسكري عن تصريحات متحدثه الرسمي حينها الفريق شمس الدين كباشي التي اعترف فيها بإصدار المجلس أوامره بفض الإعتصام، والإنتقال للتمسك بأن طرفاً مجهولاً نفذ العملية من نفسه دون الرجوع للسلطة برئاسة الفريق وقتها عبد الفتاح البرهان، رغم إقرار الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الإنتقالية بوضوح محاسبة المتورطين في فض الإعتصام ونزع أي شكل حصانة عنهم متى أكدت التحقيقات صلتهم بجريمة فض الإعتـصام.
تقوم المقاربة عند السياسيين وبالتأكيد لدى العسكريين- بالنظر لمصلحتهم فيها- على تغليب إبعاد الإتهام المباشر عن المجلس العسكري، حفاظاً على سلامة وإستمرارية التسوية السياسية الموقعة بين الطرفين في العام الماضي، كضمان لإستقرار الوضع السياسي وتنجنب العودة لدائرة الإنقلابات العسكرية وتواصل الحلقة الشريرة المتمثلة في ثنائية الإنقلاب والثورة الشعبية المكلفة، رافعين راية أنه الأنفع للشهداء وباقي الضحايا أن تستقر البلد، بدلاً عن التربص بالعسكر وإدانتهم التي تعني مباشرةً سوقهم إلى المشانق، تلك المقاربة تتجلى في تسريبات فيديوهات- يبدو أنها بيد العسكر-عن الجريمة يظهر فيها أفراد من قوات الدعم السريع التابعة لعضو مجلس السيادة الفريق محمد حمدان حميدتي، مزودين بعصي وهراوات فقط، بينما يسمع صوت الرصاص من حولهم، بينما يصطف الثوار وأهالي الشهداء خلف موقف مختلف ومتقاطع تماماً مع منهجية التفكير السياسي، وقد يميلون في أكثر المواقف مرونة ظاهرياً إلى نموذج الحقيقة والمصالحة المجرب في جنوب إفريقيا وتونس، بمعنى أن يتجاوز الثوار والأهالي عن مطلب القصاص الفعلي بقبول إقرار العسكر بالجريمة، في ظل محاولة جهة ما تشتيت الإنتباه عن كامل الأطراف المسلحة الرسمية في البلد، في وقت كانت فيه تلك القوات بمختلف أنواعها وأوضاعها تحت سلطة المجلس العسكري الإنتقالي، وكذلك بطء لجان التحقيق ولجان التحقيق وإشاراتها لنيتها توجيه الإتهام بشكل فردي وشخصي، لا لمؤسسات.
موقف الساسة والعسكر بالضرورة يستند على تسامح بعض أسر الشهداء، كالحالة النادرة للمعلم الصادق سمل والد الشهيد عبد الرحمن الذي قتل بيد الأجهزة الأمنية ببشاعة منقطعة النظير، وكذلك والدة السيدة إيمان والدة الشهيد قصي حمدتو الذي عثرت أسرته عليه جثمانه الطاهربعد عدة أشهر من البحث، في مشرحة مستشفى لطالما ترددت عليه العائلة بحثاً عن جثته.
لكن المعضلة التي تواجه مقاربة السياسيين في العلاقة مع العسكر، مع إسناد موقف بعض الأهالي «المتسامين» كالمعلم سمل والسيدة إيمان، أن بقية الأهالي ورفاق الشهداء يعيدون التتذكير في كل مرة بالهتاف الشهير « يا عسكر ما في حصانة، يا المشنقة.. يا الزنزانة» يصعب مهمة الحادبين على تسوية بأخف الأضرار في ملعب الشراكة بين العسكر والمدنيين، والتي تتعثر أساساً في مطبات أخرى مضافة إليها حالة الشقاق الإجتماعي بين العسكريين والشارع في جريمة فض الإعتصام كشرخ جديد في علاقة الثوري والسياسي المعلومة، والتي ستظل تحرج السياسيين الذين يفترض بهم التقوي بالشارع ومساندته في نفس الوقت، بينما ينظرون كساسة للمشهد على أنهم طرف وفاقي، في وضع لا يقبل نصف موقف.
التناقض في قضية القصاص- كمطلب ثوري ووطني لازم للتحرر من عبء الغبائن تجاه المؤسسات العسكرية وبعض المدنية ذات الطابع العسكري- يحتم على الساسة العمل على التفاهم مع العسكريين المهنيين بصدق للوصول للعدالة دون تجاوز مطلب الأهالي ورفاق الثوار، وإقناعهم بأن الإستقرار يفرض على المؤسسة العسكرية خطوة شجاعة بتقديم القيادة التي وقعت المجزرة تحت عينها وأثناء سلطتها، للمحاكمة العادلة، ويستتبع ذلك اعتذار المؤسسات العسكرية والمدنية المعسكرة للشعب السوداني عن تاريخ – قريبه وبعيده- مليء بالمظالم، وتقديم قيادة جديدة لتلك القوات مستعدة للشراكة الحقيقة مع السياسيين والمدنيين للوصول بالبلاد لديمقراطية مستدامة يعود فيها الجيش لأدواره الطبيعية وتعمل فيها المؤسسات الأخرى بموجب تفويضها في حماية المواطن والمدني دون التطلع لمهام سياسية أو مشاركة في الحكم بشكل مباشر، كما يجعل من الضروري للسياسي تذكر أن حلفه الدائم والمنتج سيكون للأبد مع الشارع الثوري بإعتباره الخزانة المستمرة للدفع في الشارع أو في دولاب الدولة أو في منصات التعبير السياسي، وليس العكس كما يتجلى الآن في الرهان على العلاقة مع العسكريين، فالشارع لن يتوقف عن تقديم الأرواح لأجل التغيير، خصوصاً بعد ثورة كانون الأول- ديسمبر المجيدة وما حصدته السلمية فيها مقابل السلاح المشهر منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة في وجه الشعوب السودانية لا غيرها وفي وجه أي انتقال مدني حدث في التاريخ القريب.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..