
مارت لوافح صراعاتٍ مديدةٍ، وأزماتٍ عديدةٍ، مورًا عظيمًا، بين بني وطني السودان؛ دارت رحاها وما زالت، تدور بين من نصبُوا أنفسهم حُماة للوطن، وما دونهم أو سواهم إلا توابع وأدوات، يفعلون بهم ما يُريدون!!!، ويأمرونهم بما يودون ولا يعصون!!!.
بإعتبار أن توابعهم أقلّ شأنًا ودراية بأمورهم، لا يحسنون صنعًا، ولا يأتي من بين أيديهم إلا الباطل!!؛ فلابد من الوصاية عليهم.
فالمستبدون بفعلهم هذا كرسوا موارد البلاد كلها، خدمة لأجنداتهم العنصرية التسلطية، ووجهوا سلاحهم ضد قومٍ- فقط- آمنوا بربهم وسودانيتهم وبفكرهم؛ وسرّجوا في سبيله خيولهم المعرفية، خاضوا بها حربًا ضد طواغيت الحكم والسياسة، وداعميهم من ظلاميي الإسلام السياسي.
وجميعهم أهلكوا بفعلهم هذا الحرث والنسل، ومدّدُوا ألسنة الحرب والصراع إلي ما نحن فيه من تردٍ في الخدمات، وفقدانٍ للقيم، وظلمٍ وتشظي وإنقساماتٍ، وصراعاتٍ عرقيةٍ، وجهويةٍ.
فالظلاميون إدّعوا إقامتهم لشرع الله، وبسطهم لقيم الحق والفضيله بين الناس؛ لكنهم لم يقيموا فينا وزنًا ولا قسطًا ولا عدلًا، بل نصبّوا فينا مشانقهم، ووسمونا بالتمرد والعنصرية والتآمر ضد الوطن؛ وأنه لا رآد لنا إلا: القتل، أو السحق، أو التشريد أو حرماننا من أبسط إستحقاقات الحياة الكريمة.
لذلك فالصراع بين الحق والباطل، أو بين المعرفة والجهل، أو بين التنوير والظلامية، لن يتوقف طالما أن الحياة ماضية؛ لكنه بإمكاننا الإعلاء من قيم التنوير والمعرفة، والحدّ من لهيب الظلامية؛ الأمر الذي نود التنبيه له في كتابنا اليوم، سيما وأن هذا الصراع أزلي تاريخي.
لأن التنوير المعرفي، يرتبط دائمًا بالعلم والإدراك لمعاني الحياة؛ ومن ثم الإنتصار لحرية الإعتقاد، والحريات الشخصية، الخاصة بالإنتقال أو الرأي، أو غيرها من الحريات الإنسانية؛ عبر إنطلاقها وكرامتها، وحقها في العيش الكريم، أي تنويرًا حرًا بلا أغلال ولا قيود!!!.
خاصة وأن إستنارة الشعب، وصيرورته واعيًا ومثقفًا بقضاياه، يتطلب إستخدامه للعقل في معالجته للمشكلات والأزمات، متبنّيًا في ذلك شعار: (لا سلطان علي العقل إلا العقل)؛ أي عليه أن يتجاوز الأساطير، والخرافات، والأوهام التاريخية؛ ويخرج من إرتباطه الجاهلي الظلامي القهري.
بإعتبار أن الظلامية والإستبداد متلازمتين مقصورتين علي الغموض، والتخبط في الفكر، والعشوائية في إتخاذ القرارات، التي قد لا تجد لها موطئًا- إلا في- مناطق الجهل، والتخلف، والرجعية.
وبالطبع فالظلامية نقيض للتنوير؛ لأنّ الظلامية في معناها المجازي، الذي نحن بصدده هنا: تجعل الرؤيا الفكرية غير واضحة، وغير عقلانية، وغير واقعية، بل مستغرقة في الغيب، لدرجة التيهان وفقدان البوصلة.
ولمّا حبُلت ثورة بلادي، أنجبت تنويريةً جديدةً؛ تتّسم بالعلم والمعرفة، مشحونة ومثقولة بالوعي والإدراك، في حربها ضد الظلامية والرجعية، لتنتصر إرادتها وحرياتها، وتزدهر دولتها بالفكر والثقافة.
ويتنفس إنسانها عبير الكرامة الإنسانية، وتتقهقر سياسات كيدها وإستبدادها؛ وتضع حدًّا نهائيًا لعصور طواغيتها، ومؤسساتهم وسدنتهم من الأحبار والرهبان؛ حتي يتلاشي حكمها الإستبدادي؛ وتحل محله الحرية والسلام والعدالة، وتتنسمها دولة القانون والمؤسسية؛ لأن شعب بلادي قد قال كلمته الفصل: مدنية قرار الشعب.
نور الدين بريمة



