مقالات سياسية

عشة الجبل !

* منذ مشاهدتي للفيديو الذى يصور التعدي الجسدي والتحرش بالمطربة (عشة الجبل)، وانا افكر في ذهنية العنف ضد المرأة ودوافعه في مجتمعنا واثره النفسي علي مستوي الفرد والجماعة!
* مازالت اجساد لنساء ساحة لتصفية الخصومات والحسابات، وما زلنا نسمع هنا او هناك عن استمرار الاغتصابات في انحاء الوطن وفي كل العالم، ومازالت (محارق الساحرات) تُنصب من حراس الفضيلة وسجون الضمير والاخلاق المتوهمة وتُفرض علي النساء!
* تعتري نظرة المجتمع للمرأة تجاذبات وتناقضات مهولة، فهي الراهبة المقدسة ممثلة في الام والاخت والابنة والزوجة، وهي (العاهرة) التي تمشي على حل شعرها ولو كشفت شعرها او لبست ما تحب فقط، ناهيك عن بيع جسدها.
* شرح المفكر (مصطفي حجازي) هذا التناقض وقسمه الى نوعين من الاضطراب في موقف المجتمع تجاه المرأة، الاضطراب الاجتماعي والاضطراب النفسي، والاول هو التذبذب في رؤية المجتمع للمرأة والنظر لها اما كملاك او كشيطان، كما انه ينعكس ليولد اضطرابا اخر هو الاضطراب النفسي، فتتحول المرأة الى وعاء لإفراغ احباطات الرجل المقهور!
* إذا اخذنا هذه النقطة لتفسير نفسية الرجال الذين تعدوا على عشة الجبل، يمكنني ان اقول أن هؤلاء الشباب قد افرغوا حمولة القهر الواقع عليهم في عنفهم الذي وجهوه للمطربة الشابة.
* عشة الجبل بالنسبة لهؤلاء الشباب نموذج قاهر لأنها احتلت مساحة ضخمة في الفضاء الاجتماعي وفرضت وجودها بقوة كفنانة ذات شخصية قوية معتدة بنفسها، تؤلف الغناء لتعز من تشاء وتذل من تشاء فيما يسمى في ثقافة القونات ( رفع الملفات)، وفي الغالب الاعم ان الشاب الذي ابتدر الاعتداء توجه الي الفنانة وهمس في اذنها باسمه واغدق بعض الجنيهات ولكن ملفه لم يُرفع، فتلبسه شيطان القهر كله وتجلى في افظع اشكاله وهو الاعتداء الجسدي والتحرش الجنسي.
* نتفق او نختلف مع ما تُقدمه عشة من فن، فإنها قدمت نموذجا قاهرا سواء للمثقف العتيد او شباب الحلة السودانية اصحاب الثقافة الشوارعية ( وهذه ليست اساءة)، ولقد شاهدتُ كمية من الفيديوهات قبل الواقعة تسخر من قصة الهدية التي حصلت عليها وهي سيارة النيسان الباترول، وتُحرّض الشباب ضد الكدح والاجتهاد في الدراسة والعمل بحجة ان ” القونة تراها لا قراية لا جامعة بتعمل بلايين”. ولكم ان تتخيلوا كمية الاسقاط التي ستلي هذا.
* الاعتداء الجسدي هو أعلي اوهام السيطرة والتحكم في مصير الاخر، خصوصا ان كان هذا الاخر امرأة، كما ان فرض السيطرة بالعنف الجسدي وغيره من اشكال العنف وسيلة تستخدم للتعويض عن” المهانة التي يلقاها الرجل المقهور اجتماعيا، وعن نقصه في اللاوعي بإسقاطه علي المرأة” .. بعبارة اخرى انعكاس لسيكولوجية الانسان المقهور.
* العنف الذي مورس ضد عشة الجبل، تسنده ثقافة قهر كاملة تداخلت فيها آليات الغبن والقهر المختلفة وقُصد منه (بوعي او بلا وعي) ارسال رسالة تحذير وتخويف لكل النساء (قونات وغير قونات) ممن يتمددن في الفضاءات العامة ويتحدثن بالصوت العالي بـ(القعاد في علبهن)، وتهديدهن بتحرير المساحة التي يحتلنها وحشرهن في وضعية الكائن المهان. التحية لعشة الجبل .
إلهام عبد الخالق كاتبة وأكاديمية
——————
الجريدة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..