مقالات وآراء

سودانير والبكاء على طلل دارس

(1)
عندما أكمل مغني الظهيرة في راديوأم درمان في ذلك اليوم أغنية وطنية (دخلوها وصقيرا حام)، كان ذلك تكراراً مملاً ومرهقاً ظلت فيه ذاكرتنا الجمعية مرتبطة بماضٍ قديم نجتره كما تفعل الإبل في زمن ماحل كعشب قديم اختزنته في سنامه لتعيد مضغه في زمن الجوع والمسغبة، لقد تعود إعلامنا على مضع الماضي الذي صار كحصى يغلي في قدر إيهاماً لأطفال ينتظرون بأن الفرج قريب، وفي ظل ذلك المضغ الاجتراري لتاريخ هو أبعد ما يكون عن الواقع، كتب صحفيان كبيران عن ماضٍ مشرق لخطوطنا الوطنية.. وذاك ماضٍ ليتهم تثبتوا منه وكانوا دقيقين فيما أوردوه، ذاكرين أنها كانت الأسبق في النشأة عن الخطوط الأثيوبية وأنها زودتها ذات يوم بطائرتين إلى جانب معلومات كثيرة مغلوطة وناقصة عن ناقلنا الوطني وعن الخطوط الأثيوبية فيما بدا لي أنه استخفاف بالنجاح المدوي الذي حققته الناقلة الشقيقة مقارنة بركام الأسى والضياع الذي حاق بناقلة كانت تسمي نفسها (سفريات الشمس المشرقة).
(2)
هذا وعندما أكمل إعلامنا الإذاعي والصحفي مضغ الصباح والظهيرة التاريخي لأمجاد خلت، كان المراقبون في أروقة صناعة النقل الجوي، ينظرون بغبطة وإعجاب للناقل الوطني الأثيوبي وهو يدخل إلى نادي البوينج بعد الإيرباص معلناً إكمال عقد ضخم معها لشراء (12) طائرة من أحدث طائرات البوينج (A-350) وطائرتان مثيلتان إيجارياً ضمن خطة إستراتيجية عملاقة لناقلة لا تتغنى بالتخطيط الإستراتيجي كمضغ تاريخي وإنما تضعه موضع التنفيذ، وخطة الناقلة الأثيوبية هي أن تصل بحجم أسطولها الجوي بحلول عام 2020 إلى (120) طائرة حديثة ناهيك عن طائراتها للشحن الجوي التي تكاد تفوق ال(70) طائرة.
إن كتابنا الذين تناولوا شأن ناقلتنا الوطنية أخطأوا في أنها نشأت قبل الأثيوبية، فالاثيوبية تأسست قبل ناقلتنا الوطنية بعام وكان ذلك عام 1946م حينما بدأت أول رحلة لها بطائرة TWA إلى القاهرة عبر أسمرا كما كان للأثيوبية سبق الدخول إلى منظمتي الأيكاو ICAO والأياتا IATA وقد بلغت حصافة صانعي القرار في البلد الشقيق أن تكون ناقلتهم الوطنية معبراً إلى الوحدة الأفريقية فرفعت الأثيوبية منذ إنشائها شعار ربط أفريقيا مع بعضهاBringing Africa Together وكان لذلك صداه الاقتصادي والسياسي الذي أسهم في وجود منظمة الوحدة على أرضها متفوقة بذلك على العديد من الحواضر الأفريقية التي كان من بينها الخرطوم في السعي لوجود المنظمة على أرضها.
تسافر الخطوط الأثيوبية بأسطولها الرفيع إلى كافة أرجاء الأرض وقد حققت نقلة هائلة في مستوى التفكير الاقتصادي والتقني والبشري مستثمرة في الموارد البشرية التي تحتاج إليها هذه الصناعة الدقيقة عبر مركز مرموق لتدريب الطيارين وسجل متميز في السلامة ونوعية الخدمة وانضباط مواعيد الإقلاع، ثم مضت الناقلة الشقيقة قدماً لتعزيز دور المرأة الأثيوبية في تنمية وطنها فقامت مؤخراً بتشغيل رحلة دولية نسائية كاملة الدسمfully FUNCTIONED WOMEN FLIGHT
(3)
لقد قدمت عبر البحار يا سادتي لقضاء عطلتي في الوطن، وإذ أكتب خواطري هذه ، كنت قبلها قد حاولت أن أستحم لأجد أن صنبور المياه يعزف أغنية هوائية ذات شخير مؤسف جعلني أكر في المطالبة بحصتي من مياه النيل طيلة سنوات اغترابي طالما أنهم يتحدثون عن توزيع السلطة والثروة وينسون حصص المياه والغاز.
بوصلة بلادنا الاستثمارية في غياب هذه الأساسيات ستظل ذات خرير مؤسف كهواء صنبور المياه في بيتي ونحن عنكبوت ضخم ينسج من خيوط التعقيد والتأخير وعدم إدارة الوقت ما يكفي لعرقلة مسيره. جارتنا أثيوبيا أحسنت فن الاستثمار في النسيم العابر والنغم الساري والتعدد المدهش والتنوع المحترم، يكبلنا ضعف التنسيق وتسندهم إرادة جبارة راقية، نبكي على أطلال دارسة ويصنعون المستقبل، يبنون بنياتهم التحتية وعاصمتنا تكتحل بتلال القمامة والأزمات.
مكاتب مسؤولينا ترهق دافع الضرائب لتوفير سيارات المسؤول وميزاته والوزراء في دولة شقيقة كزامبيا يشاركون الشعب في جمع القمامة كما رأينا في الصحف وقرأنا. نتحدث عن عازة نؤوم الضحى كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل ويحلقون بحرائرهم في عنان السماء.
(4)
لقد حان الوقت، بل وفات يا سادتي أن ندرك أن صناعة النقل الجوي هي أحد روافد عصر العولمة والتواصل المعرفي والإنساني والاقتصادي والسياسي في نادي الكوكب الصغير الذي نعيش فيه وعليه، لكن لا يبدو في الأفق ما يشير إلى خطوات جادة وملموسة تبين أن هناك مسعى لتطوير هذه الصناعة في بلادنا وبث الحياة في مفاصل ناقلنا الوطني المتكلسة كما لا يبدو أن الأقلام التي تتناول شؤون هذه الصناعة وشجونها لها دراية كافية بمصادر المعلومات المتخصصة.
يا سادتي في أثيوبيا نرى التنوع ليس في سحنات الناس وأنغامهم الجميلة وإنما في أسطولهم الجوي وخدماته الرفيعة مقارنة بحالة البيات الشتوي المزمن إذا صح التعبير، التي يرزح فيها أداؤنا الاستثماري والخدمي، فلا زلنا نبحث عن ماء نظيف متوفر وضوء يطالع عبره أبناؤنا دروسهم، وبينما يتسع خرق بلادنا على الراتق يمضي جيراننا قدماً بخطى واثقة ثابتة، فالعالم بات ينظر بإعجاب لأداء أثيوبيا في التنمية والاقتصاد، بينما نوالي نحن حديثنا التاريخي الممجوج عن حزام السلم الخماسي وربما معركة رأس عدار في وقت تفوتنا فيه بنَّوت أفريقيا في القطار الطار، وليرحم الله خليل عازة ويعيد إليها نعمة الصحة والعافية في زمن كاسح يذهب فيه الزبد جفاء ويمكث في الأرض ما ينفع الناس!
ليتنا نتوقف عن الحديث الذي لا يسمن ولا يغني من جوع عن حزام السلم الخماسي وأننا خير من سعت به قدم في القارة السمراء، ونقتدي بالتجارب الناجحة في وطن النجاشي الذي لا يظلم عنده أحد وغيره من جيراننا الذين لا يمضغون الماضي، بل يصنعون الحاضر.

د. عبدالرحيم عبدالحليم محمد
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..