الشرق.. من يضرم النيران؟

الحلقة (الأولى)
منازل حُرقت وأخرى سُويت بالأرض، بقايا أثاث تناثر حطامه هنا وهناك، جدران المنازل تحولت إلى ثقوب متراصة من فرط إطلاق الرصاص، بعض المنازل تحولت إلى أكوام رماد وبعضها تحول إلى أشباح بلا ملامح لا صمدت أمام الحريق ولا استسلمت بالكامل. فرت الأسر من هول المشهد، بينما انتشرت ناقلات الجنود تحسباً لدوي البارود من جديد وتحولت أحياء الصراع الواقعة جنوب المدينة لما يشبه الثكنات العسكرية. لم يبق في المشهد القاتم سوى الحذر، التوجس، الغبن والشك وأمل ضئيل معلق في السماء بينما احتفظت الأرض بالأثر اللعين.
بورتسودان: شمائل النور
بينما كانت “روضة” تجلس مطمئنة ترتشف قهوتها بعد الظهيرة في آخر أيام عِدة زوجها المتوفي، دوّت أصوات الذخيرة وقبل أن تضع كوب قهوتها تحول المكان إلى ساحة حرب لا أحد يدرك أسبابها وأهدافها، ودونما سابق إنذار خرج الجميع سراعاً إلى الشوارع ليستجلوا حقيقة ما يحدث.
تعالى صراخ الأطفال وسط صدمة الكبار، ودوي البنادق لم يدع لـ”روضة” فرصة سوى الفرار إلى الشارع الذي فارقته لأربعة أشهر وهي لا تدري ماذا يجري، ومع أخريات وآخرين تسابق الجميع باتجاه الغرب أو كما يُعرف وسط ساكني المنطقة بـ(غرب الزلط). روضة التي قابلناها في منزلها بحي فيليب الذي تحول بفعل الحريق إلى حطام، كانت عائدة إليه للتو بعد أيام دامية، روت لنا بعضاً من بؤس حالها وكيف أنها صارت لا تملك شيئاً إلا حطام منزلها وهي تقطن الآن مع بعض معارفها من (البلد) بعدما اضطرت إلى إخلاء بيتها الذي كانت تشاهد النيران مشتعلة فيه ولا تستطيع فعل شيء وهي تحاول أن تنجو بنفسها وأبنائها من الرصاص الذي انهمر كالمطر، تتابع “روضة” بأسى واضح : “أنا ما عندي أهل هنا”. العبرة خنقت كلماتها وعجزت عن إكمال مأساتها.
مأساة رصاص عبثي!
“روضة” لم تكن وحدها، ففي الجانب الآخر في حي “الرياض” لا تزال الصدمة حافرة ملامحها في وجوه المواطنين الذين جاء بعضهم لتفقد منازلهم بعد أيام من الرعب وبعضهم فضّل البقاء مع إخراج النساء والأطفال من الحي وترحيلهم إلى مكان آمن لا يطاله الرصاص العبثي، مستضافين مع أهلهم أو معارفهم في أحياء أخرى.
يقول أحد المواطنين الذي قابلناه أمام منزله “كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، فجأة ظهرت القوات النظامية، نفذت عمليات مداهمة واعتقالات وإطلاق رصاص عشوائي، ولم يسلم حائط منزل من ثقوب الرصاص، اقتحمت القوات المنازل واعتقلت العشرات من أبناء الحي وأُخرج الناس من بيوتهم عنوة” واضطر المواطنون للفرار إلى الأحياء القريبة، لكن ماذا جرى ولماذا حدث هذا وكيف، لا أحد يدري، أو هكذا كانت إجابات المواطنين الذين قابلتهم من الطرفين.
جذور الصراع!
منتصف الشهر الجاري شهدت أحياء (دار النعيم، فيليب، أم القرى، ولّع، وبعض المربعات) صراعاً دامياً بين مكوني (البني عامر والنوبة) في موجة رابعة من الصراع الذي انفجر في أغسطس 2019، وتعود أسباب انفجار الموجة الأولى إلى تورط ما يُعرف بـ “عصابات النيقرز” في أعمال نهب وسرقة وقتل، لكن الأستاذ الجامعي؛ متوكل دقاش والذي ينشط في مبادرات التعايش السلمي ببورتسودان يقول إن ظهور هذه العصابات كان بهدف الترويع لكل المواطنين كما جرت العادة وهي عصابات ذات تاريخ وارتباطات معروفة، لكن أجواء الأزمة الخانقة وسحابات الشك جعل المكون الآخر يتعامل مع أمر تلك العصابات بشيء من الحساسية لدواعي الأسباب التاريخية في الصراع وهو الأمر الذي خلق موجات متتالية من المواجهات بين المكونين.
يذهب معظم الذين تحدثت إليهم إلى أن الصراع بين الطرفين تفجر للمرة الأولى في العام 1986 لكن بذرته تخلقت قبل ذلك بكثير بالتحديد عقب إعلان الرئيس جعفر نميري قوانين سبتمبر ذات الصبغة الإسلامية.
وسقط آنذاك عدد من القتلى، لكن النيران التي اندلعت سرعان ما أُخمدت وعاد الوضع طبيعياً لسنوات طويلة.
ذلك الهدوء الطويل جعل الكثيرين يذهبون إلى أن ما حدث في 1986 ليس سبباً قوياً يبرر تفجر الصراع الدامي مرة أخرى بالحد الذي تكرر على أربعة موجات بعد ثورة ديسمبر.
بورتسودان، مدينة حديثة نسبياً تأسست مع الميناء، يقطنها عدد من المكونات التي جاءت إلى المدينة لأسباب اقتصادية تتصل بالعمل في الميناء الذي يمثل ثقلاً اقتصادياً للمدينة والسودان ككل، ويقطن “النوبة” و “البني عامر” تاريخياً بالقرب من بعضهما، يجمعهما في ذلك، محدودية الدخل والعمل في المهن الهشة، وهو الأمر الذي يفرض عليهما السكن في مناطق بلا تنمية وتنعدم فيها أبسط الخدمات مثل عدد من مكونات المدينة الأخرى، ويبدي كثير من المهتمين بالصراع استغرابهم للاقتتال بين المكونين لجهة أنهما الإثنان في خط الهامش، حيث لا توجد أسباب عميقة لهذا الاقتتال الدامي عطفاً على أن المكونين من الأكثر تزاوجاً مع بعضهما، وهو ما جعل السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا حدث هذا؟.
الموكب الذي قصم ظهر الهشاشة.!
بعد تفجر الموجة الأولى في أغسطس 2019 لجأت الحكومة الانتقالية إلى اتفاق (القلد)، هدأت الأوضاع قليلاً لكن سرعان ما انفجرت من جديد، وظل الوضع هشا، وكلما تفجرت موجة كانت أعنف من سابقتها، وقبل الموجة الأخيرة التي تفجرت هذا الشهر، سيّر عدد من المتظاهرين من أبناء “النوبة” موكب رفض ضد تعيين والي جنوب كردفان، لكن الموكب الذي اشتق طريقاً وسط حي “دار النعيم” الذي غالبيته من “البني عامر” كان بالإمكان أن يسلك غيره في ظل الاحتقان الذي لم ينفك منذ العام الماضي، وهو الأمر الذي لم يجد تبريراً من كل الذين تحدثت إليهم من الطرفين وتحول إلى استفهام كبير، لماذا شق الموكب حي “دار النعيم”؟.
يتبادل الطرفان الاتهامات حول من بدأ الهجوم، لكن الهتافات العنصرية والمستفزة لكل طرف أشعلت الحرب المكتومة. حشد الطرفان وتفجر الوضع. تروي لنا “عائشة” التي كانت شاهدة على ما حدث “بعد الظهر، سمعنا هرجاً ومرجاً فجأة، خرجنا إلى الشارع، وجدنا حشوداً ضخمة بعضهم يحمل أسلحة، وسمعنا أن هناك مسيرة، لكن لا أحد يعرف ماذا يجري، بعدها، بدأ إطلاق الرصاص من كل مكان وفي كل مكان، كانت هناك ارتكازات لقوات قديمة، أصلاً موجودة منذ فترة، لكن لم يتدخلوا، وبعدما اشتدت المواجهات انسحبت كل القوات، بعدها لم يعد أمامنا إلا محاولات النجاة بأنفسنا بالخروج من منازلنا”.
نواصل،،
الحلقة (الثانية)
يقول عبد الرحيم التيمة، وهو من أبناء “البني عامر” وأحد أبرز النشطاء في مبادرات التعايش السلمي “حينما بدأ الموكب كنت في الحي (دار النعيم)، أثناء عبور الموكب استشعرت أن الوضع لن يكون على ما يرام، مباشرة اتصلت بمسؤول الاستخبارات ويوضح التيمة “أصلاً نحن متواصلين معهم وهم طلبوا التبليغ عن أي مستجدات”، أبلغته بالوضع وكان يُمكن بكل سهولة التعامل معه بسرعة دون أي خسائر، لم أجد استجابة، اتصلت بقائد القطاع الاستراتيجي، ثم اتصلت بقيادة الدعم السريع، يواصل التيمة حديثه “طبعاً أصلاً كانت في ارتكازات جيش لكن انسحبت بعد مرور الموكب”، وصلت قوة مكونة من سيارتين للدعم السريع، ثم وصلت قوة من الجيش، لكن حدث سوء تفاهم بين القوتين وانسحب الجميع من الميدان، يواصل التيمة: “في هذه اللحظات كان التحشيد بين الطرفين بلغ مداه، وقعت الاشتباكات واستمرت حتى قبيل أذان المغرب. ويقول التيمة، هذه ليست المرة الأولى التي تنسحب فيها القوات من الميدان مع وقوع الاشتباكات، ولا يزال حياد القوات وانسحابها لحظة الاشتباك استفهاماً كبيراً.
الموجة الرابعة.. الأكثر فداحة.!
مع حدة الاستقطاب والتوجس، يتحاشى ناشطو ومثقفو المدينة الدخول في نقاشات علنية حول ما يجري في الأحياء التي تشهد صراعاً دامياً، ورغم أن هناك ثلاث صحف محلية تصدر بالمدينة إلا أن بعض المواطنين في أحياء الصراع شكوا عدم وصول الصحافة إليهم. يقول الصحفي ببورتسودان، أمين سنادة ‘‘دور الصحافة كان أقل بكثير من المطلوب ويعدد أسباب ذلك في، محدودية إمكانيات هذه الصحف إضافة لتأثرها ككل المؤسسات بالبحر الأحمر بقرارات وإجراءات التداعيات الأمنية عطفاً على أن جميع الصحف تصدر أسبوعياً، فطيلة أيام الأحداث مثلاً لم تصدر صحيفة “بورتسودان مدينتي” وأصدرت صحيفة “الفجر الجديد” عدداً إلكترونياً في بداية الأحداث.
لكن مراسلي الصحف القومية بالبحر الأحمر استطاعوا أن يقدموا أداءً متفرداً، وواصلوا التغطية عبر المداخلات في الإذاعات والفضائيات المحلية والعالمية‘‘. يجمع كثير ممن تحدثت إليهم أن هذه الموجة تعتبر الأعنف في تاريخ الصراع الدائر هناك، وأن الوضع بعد الموجة الأخيرة لن يكون كما كان عليه قبلها، فقد بلغ الاحتقان حداً يصعب معه طرح أي خطاب محايد.
سلاح في كل مكان..!
وسيطر السلاح الناري بشكل كامل في الموجة الأخيرة التي شردت مئات الأسر واضطروا إلى إخلاء منازلهم، ففي حي فيليب يقول محدثي إن العدد المحصور حالياً للأسر التي اضطرت لإخلاء منازلها (107) لكن الإحصائيات لا تزال مستمرة، حيث بدأ الهدوء الحذر يعود تدريجياً، ووفقاً لإحصائيات ناشطين فإن المنازل التي تعرضت لهدم ونهب بلغت (350) منزلاً بحي “دار النعيم” و(600) بحي “الصداقة” و(288) بحي “الرياض” ومئات المنازل في عدد من المربعات. وفي وجه آخر من المأساة تواجه الأسر المضطرة لإخلاء منازلها أزمة الحصول على تأجير منازل وسط المدينة، ويرفض أصحاب المنازل وملاك العقارات تأجير مساكن خشية انتقال الصراع إلى الأحياء الأخرى، وتنشط عمليات تفتيش واسعة داخل الأحياء ولا تنفك أحاديث المدينة عن أخبار العثور على أسلحة طيلة الأيام التي تلت تفجر الأوضاع. ويقول مدير المخابرات بولاية البحر الأحمر إن المنطقة تحولت إلى سوق للسلاح بعدما كانت في السابق معبراً، مرجعا ذلك لما وصفه بحالة “السيولة الأمنية” وتابع “السلاح الآن في أيدي القبائل” مشيراً إلى كثافة المعلومات حول انتشار السلاح لكنه قال إن ضبطيات السلاح قليلة بالمقارنة مع المعلومات المتوفرة، وعزا ذلك لقلة الإمكانيات والحاجة لكلاب بوليسية وأجهزة مراقبة حديثة، وطالب سلمان بضرورة إنشاء نيابة لجرائم المعلوماتية لمحاصرة خطاب الكراهية والتحريض في مواقع التواصل الاجتماعي، عطفاً على الحاجة إلى مؤسسة رسمية ترعى السلم الاجتماعي مع محاسبة رادعة.
وليس مدير المخابرات وحده الذي يطالب بنيابة لجرائم المعلوماتية، فقد برزت أصوات عديدة تطالب بضرورة التعامل الحاسم مع خطاب الكراهية الذي يؤجج الصراع على الأرض، وتنشط حسابات عديدة في مواقع التواصل الاجتماعي تتبنى خطاباً عنصرياً وتحريضياً، وانتقل الخطاب العنصري إلى الهتافات والتدوين على جدران المنازل في بعض الأحياء. يقول نشطاء من الطرفين والذين لديهم تواصل مع السلطات الرسمية، إنهم وفروا كل المعلومات وقاموا بالتبليغ المباشر عن عدد من الأشخاص متورطين في التحريض وتفجر الأحداث لكن لم تحدث أي استجابة من الجانب الرسمي، ويضيف عبد الرحيم التيمة في حديثه لـ “التيار” ‘‘سلمناهم قائمة بأسماء ضالعين في الأحداث وحتى الذين يديرون حسابات وهمية في مواقع التواصل الاجتماعي، سلمناهم هوياتهم وعناوينهم‘‘ لكن المحصلة الأخيرة أن الانفجار وقع، وتقول إحدى المحاميات ‘‘اللافت في الأمر والمحيّر أن بعض الذين ألقي القبض عليهم هم دعاة تعايش سلمي‘‘ بينما أفراد عصابات الطرفين “النيقرز” و”كشة الغنم” لم يُلق القبض على أفرادهما، وهم المتورطون في أعمال قتل ونهب وسرقة، وخلّف التراخي الرسمي للسلطات حالة من الإحباط وسط المواطنين وحيرة لم تجد إجابات شافية.
نواصل.
الحلقة (الأخيرة)
خلف الصراع الدامي عشرات القتلى من الطرفين وتشير الإحصائيات إلى أكثر من 30 قتيلاً، وصلت جثامينهم إلى المشرحة، ويقبع العشرات من الجرحى الذين أُصيبوا خلال أسبوع المواجهات في مستشفيات المدينة، ونظراً لحساسية الوضع والاحتقان بين طرفي الصراع اضطرت السلطات لفصل مصابي الطرفين كل في مستشفى على حدة، ولم تسلم من الاستقطاب ومزاعم الانزلاق حتى القوات النظامية (الجيش، الدعم السريع) التي يتهمها كل طرف بالانحياز لصالح الطرف الآخر بشكل صارخ. وخلَف هذا الوضع خطاب عدائي من مكون محدد تجاه قوة محددة، مقابل خطاب ودي تجاه القوة الأخرى، وتنتشر القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وشرطة الاحتياطي المركزي في كافة الأحياء التي شهدت اشتباكات عنيفة، ووقعت عدد من حوادث القتل على الهوية لم تقتصر على سكان الأحياء الملتهبة بل تخطتهم إلى النظاميين، ووفقاً لمصدر عسكري، قُتل أحد أفراد القوات النظامية على أساس الهوية، ولا يزال القتل على الهوية مستمراً حتى بعد انتشار القوات. وبحسب مصدر عسكري في الميدان، قُتل شاب عشريني قبل يومين بحي “دار النعيم” ووفقاً لمتابعات ناشطين فإن العشريني الذي قُتل قبل يومين تم ذبحه، وهي ليست الحادثة الأولى التي يتم فيه القتل ذبحاً أو حرقاً، وانتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي صور لجثث محروقة ملقاة على قارعة الطريق، وتعرض بعض المتهمين لانتهاكات بسكب مواد حارقة عليهم أثناء عملية المداهمة والاعتقال. ويقول عثمان صالح؛ الذي قابلته بمستشفى الموانئ البحرية يتلقى العلاج “إن قوة مشتركة داهمتهم وأثناء الاعتقال تم سكب مادة حارقة عليهم بشكل عشوائي، ومكثوا بمحابسهم (5) أيام، ظلوا يطالبون بإسعافهم لكن دون جدوى، ويُتداول تورط بعض النظاميين بالشرطة في الانخراط في الصراع بأسلحتهم انحيازاً لمكون ضد آخر، لكن المتحدث الرسمي للشرطة اللواء عمر عبد الماجد قال لـ “التيار” ‘‘لم نرصد أي انخراط من منسوبي الشرطة في الصراع الدائر، وتابع: إذا ثبت ذلك لن تتوانى الشرطة في المحاسبة بحسم وأكد تقييد (320) بلاغاً في الأحداث التي شهدتها المدينة، صُنفت ما بين القتل والسرقة والنهب، وأرسلت الشرطة الاتحادية قوة إسناد فني لشرطة البحر الأحمر لدعم سير التحري في البلاغات المقيدة في بورتسودان.
أصابع الاتهام..!!
لا يميل الكثير ممن تحدثت إليهم من كافة الأطراف إلى تورط طرف خارجي في الصراع، لكن الحديث متكاثف حول تورط أطراف داخلية متنافسة داخل السلطة الانتقالية، ويرصد متابعو الصراع تنظيماً دقيقاً يصاحب موجات العنف التي وقعت، وكأنما هناك ساعة صفر محددة، تنفجر فيها الأوضاع بالتزامن، ويدعم فرضية هؤلاء حيثيات ما حدث خلال كل موجات الصراع والتراخي الذي تقابل به السلطات الرسمية هول ما يحدث ولا يزال التراخي موضوع استفهام كبير للطرفين. ويقول عبد الرحيم التيمة الذي يسكن حي “دار النعيم”؛ أحد أبرز الأحياء التي شهدت عنفاً مفرطاً ‘‘الغرفة التي أدارت هذا الصراع عبر موجاته الأربع، هي غرفة واحدة‘‘ ويظهر ذلك في الأساليب المستخدمة في إشعال الشرارة الأولى، وما تنتهي إليه الموجة ولم يكن ما يحدث في كسلا بعيداً عن مخيلة الجميع. وهنا يشير كثيرون إلى محاولات حثيثة لرموز النظام السابق للعودة للمشهد عبر الواجهات القبلية والعشائرية باعتبارها مثلت مرتعاً اقتصادياً طيلة سنوات البشير، ويتلاشى على نحو لافت الصراع الفكري السياسي في المدينة ويطغى على المشهد الاستقطاب الإثني والعشائري شديد الحدة، الأمر الذي جعل صوت المثقفين خافتاً مع سطوة عاطفة القبيلة التي تسيدت المشهد.
جهود التعايش السلمي (هباءً منثوراً).!
أصوات خجولة هنا وهناك تدعو إلى التعايش السلمي، يقول متوكل دقاش، وهو من أبناء “النوبة” قاد مع آخرين مبادرات للتعايش السلمي ‘‘منذ تفجر الموجة الأولى في أغسطس 2019 “إن الوضع الآن شديد الحساسية ولم يعد صوتنا مقبولاً كما كان في العام الماضي‘.‘ وعلى سبيل المثال، استطاع متوكل وهو أستاذ جامعي مع آخرين العام الماضي أن يتحدثوا بجرأة عن مبادرتهم لدرجة إقامة ندوات حظيت بالقبول، لكن بعد الموجة الثالثة والرابعة يقول متوكل ‘‘بات العمل صعباً، ولم يعد مقبولاً للطرفين أن نتحدث عن تعايش‘‘ ويعزي متوكل هذا الوضع إلى التراخي في المحاسبة والإفلات من العقاب، يتفق مع متوكل، عبد الرحيم التيمة من أبناء “البني عامر” ويؤكد فعلياً صعوبة طرح خطاب تعايش سلمي بعد الموجة الرابعة التي تلاشت فيها الأسلحة التقليدية وسيطر فيها الرصاص بشكل كاملز سألت التيمة عن كيف تتوقع ردة الفعل الآن إذا ما حاولت طرح خطاب تعايش فكان رده‘‘ لا أستطيع، لا أستطيع طرح خطاب تعايش أمام شخص شاهد ذبح أو حرق أخيه أو أبيه أمامه‘‘ ويظل المتفق عليه بين الجميع، أن الإفلات من العقاب بشكل مستمرن سيقود إلى تفجر الوضع ويضطر الناس إلى أخذ حقهم بقوة السلاح الذي لم يعد الحصول عليه صعباً.
التيار




دي شنو ال ما مفروزة راجل ولا مرة دي ! اللهم لا تخوزقنا ولا تعولقنا