مقالات وآراء

إصلاح الجامعات: خدمة المجتمع

د. محمود محمد عبد العزيز

بسم الله الرحمن الرحيم
اصلاح الجامعات : الروابط الطلابية وحرية النشاط السياسي

من الطبيعي أن ينتمي الطلاب إلي روابط أكاديمية ومهنية تنظم أنشطتهم وتمولها وتعبر عن قناعاتهم،
وان فقدان هذا الجسم الطلابي يعني إصطفاف الطلاب في المنابر الجهوية التي تعبر في حقيقة الأمر عن قبائل بعينها لأن السودان في الأصل مقسم قبليا في جغرافيته حيث أن كل قبيلة تحتكر جزءا من الأرض وتنسبه لنفسها ، وهذه الروابط القبلية تقزم قدرات الطالب وتحصر دائرة نشاطه ومعرفته في إطار منطقته الجغرافية مما ينعكس بصورة سالبة على ثقافته ومستوى إدراكه وسينتج عن ذلك مخرجات تعليمية مشوهة ومؤمنة بأهمية القبلية والجهوية.

وبما أن الجامعات هدفها تأهيل كادر قادر على الإبداع والإبتكار وقيادة المجتمع فإن الإنشطة اللا صفية تعد ضرورية للغاية لصقل الطالب بالمعارف والقدرات القيادية ولا يتحقق ذلك إلا في ظل اتحاد يعبر عن إرادة الطلاب ويمثل صوتهم الناطق ومنصة ابراز قدراتهم بل هو منبرهم الذي يتم عبره تأهيلهم وتمكينهم وتدريبهم على القيادة.

وتعد جامعة نيالا إحدى الأمثلة الشاذة التي لم يرى فيها الطلاب إتحاد طلاب منذ تأسيسها قبل ست وعشرون عاما، حيث كل المحاولات السابقة لإقامة الإتحاد وكانت آخرها ٢٠٠٣م باءت بالفشل نظرا لأن النظام الحاكم كان يشعر دائما بخسارته لا محال عند كل تحرك لتأسيس الإتحاد وذلك بخلق مناوشات بين الطلاب تنتهي بقفل الجامعة وإلغاء فكرة الإتحاد بل أصبحت الجامعات سوقا رائجا للمعارك المزمنة بين الطلاب جراء الإملاءات الحزبية والطوق الأمني الذي يحيط بالجامعات إحاطة السوار بالمعصم وقد راحت ضحية ذلك نفر عزيز من خيرة طلابنا ، والحقيقة التي تسترعى معرفتها هي أن السلطة آنذاك لم تكن تحتمل ألم تسليم هذا المنبر للمعارضة في ظل ضعف قواعدها في جامعة شهدت عبر تاريخها قوة المعارضة وضعف حاضنة النظام الحاكم ، فلذلك أصبح الإتحاد بالجامعة حلم بعيد المنال خاصة بعد حرب دار فور ٢٠٠٣م بل كان حبيس ادراج الأجهزة الأمنية ، بل أصبح أقصى ما يتمناه طلاب الجامعة هو إستقرار العام الدراسي وإيقاف هذه المناوشات والتدخلات الأمنية فضاعت حقوق الطلاب بين كر الأمن وفر إدارات الجامعات من موضوع الإتحاد.

ذات مرة تحرك موكبنا صوب مكتب مدير الجامعة منادين بإقامة الاتحاد فخرج المدير وكان حينه بروفسير عباس يوسف التجاني خرج مخاطبا جمهرتنا في كلمة لا تنقصه الصراحة والإبانة ” إتحادكم في مكاتب الأمن فليس بإمكاني قيام الاتحاد دون سماح الأمن” ولذلك كانت الجامعة مثالا محزنا لكيف أن السلطة قد قبرت طموحات الطلاب ودفنتها في أقاصي الضمائر بلا رحمة.
منذ أن كنت طالبا في هذه الجامعة مطلع هذه الألفية كان موقفي وما يزال بجانب الطلبة في نيل حقهم لتأسيس اتحادهم بصورة ديمقراطية وشفافة بحكم ارتباطي بهم بوشائج متينة ومتواصلة لا تقبل الإنقطاع.

والحكومة اليوم ومن خلفها إدارات الجامعات أمام إختبار حقيقي لمقدار إيمانهم بالمنابر المطلبية للطلاب ، ولم يعد من المقبول حقا أن تنتهج نفس السياسة المقبورة بل من الواجب الوقوف بجانب الطلاب في كل حقوقهم في مرحلة يمكن أن نسميها مرحلة الأحلام الكبيرة والتطلعات الواسعة والتي تلزمنا جميعا وتستوجب علينا التصدي بنجاح لكل القضايا الملحة.
وتبدأ رحلة تأسيس الاتحاد بتشكيل لجنة دستور الإتحاد ويكون واجبها وضع دستور يستفتى عليه كل طلاب الجامعة الذين يقاربون العشرون ألفا ، ومن ثم تكوين لجنة إنتخاب محايدة وتحت إشراف عمادة شئون الطلاب ورعاية كريمة من السيد مدير الجامعة ومن ثم الإنتقال الي مرحلة تجهيز القوائم والإقتراع.

وما يدفعني إلي هذا النداء يقين غامر في أن الإتحاد ذو أهمية قصوى للطلاب، حيث يتيح لهم الفرصة للإلتفاف حول جسم شرعي واحد يعكس التنوع ويعمل على تذويب العصبية القبلية والجهوية الضيقة، وكما يمكن الطلاب في المشاركة في قرارات الجامعة عبر مجالسها وأنشطتها وفي مقدمتها مجلس الجامعة، وللطلاب أيضا نسبة مستحقة من إيرادات الجامعة يستخدمها الإتحاد في توفير إحتياجات وأولويات الطلاب ، كما يسعى الإتحاد دوما لمخاطبة مشكلات الطلاب وقضاياهم الاجتماعية والاكاديمية والسياسية ومن أهم هذه المشكلات المزمنة مشكلة سكن الطلاب وترحيلهم وضمان حصولهم على الكفالة وتخفيض تعرفة المواصلات عليهم وذلك بإستخدام البطاقات التي يصدرها الإتحاد لكل طالب بالجامعة، بالأضافة الي أن الإتحاد يعد الجسم الرسمي الذي يعبر عن قضاياهم داخل وخارج الجامعة، ويساهم بصورة كبيرة بتلك الموارد التي يمتلكها في توفير بيئة جيدة للطلاب من كافتريات وملاعب ومعدات رياضية ومظلات ونشاط طلابي، ويقوم بتنظيم المنافسات الثقافية والرياضية …الخ.

أؤكد للطلاب أن إدارة الجامعة الحالية حريصة على جعل الإتحاد واقع يمشي بين الطلاب وقتما نتجاوز آثار جائحة كورونا بل منحازة للطلاب إنحيازا لا يجانبه الشك ولا تخالجه الخيبة، وهي قد خطت خطوات عملية في هذا الصدد، لذلك نقول وبحكم مسؤوليتنا ونضالاتنا السابقة إبان فترة الحياة الطلابية أمام إختبار حقيقي لمبادئنا التي كنا ننادي بها لإحقاق الحقوق ليسترد الطلاب حريتهم ويتمكنوا من بناء مستقبلهم وفق ما يريدون لا ما نريد نحن أو الحكام، فحلمي الذي يراودني دوما أن أشاهد بأم عيني إتحاد طلاب جامعة نيالا ولأول مرة يرى النور ، وسنسعى لذلك ما دمنا أحياء ونؤكد أننا لا زلنا على أثرنا القديم نكد ونكدح للغاية نفسها.
دمتم بعافية

د. محمود محمد عبد العزيز
[email protected]
٢٧ / ٨ /٢٠٢م

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..