مقالات سياسية

كارثة الفيضان 

يوسف السندي

فيضانات هذا العام غير مسبوقة بمئة عام سابقة هكذا تحدث وزير الري في مؤتمره الصحفي قبل ايام، ذاكرا إن متوسط منسوب المياه في النيل الأزرق وصل إلى 17.43 وهو الأعلى منذ بدء البلاد تسجيل تلك البيانات في 1912، ويمكن أن نشير إلى ان فيضان ١٩٨٨ الشهير سجل في الخرطوم مستوى 15.68. هذه الارقام تؤكد أن الفيضان الذي تعيشه البلاد الآن لا مثيل له في تاريخ السودان، وأن التعامل معه يجب أن يكون وفق هذه المعطيات، خاصة وأن هذا المعدل مرشح للارتفاع للاسف.
وزارة الداخلية ذكرت أن الفيضانات والسيول أدت الى مقتل 86 شخصا وتدمير أكثر من 18 ألف منزل وإلحاق أضرار بنحو 32 ألف منزل، ومع قناعة الجميع بأن الأرقام الرسمية كثيرا ما تكون مخالفة للواقع، فإن المذكور في التقرير الرسمي لوزارة الداخلية لوحده مخيف جدا، ويحمل مؤشرات خطيرة، ويدعو إلى زيادة حالة التأهب والاستعداد والعمل بأقصى الإمكانيات لتفادي وتخفيف الآثار الكارثية لفيضان هذا العام.
النيل تخطى حواجز مجراه ودخل إلى الطرقات والمنازل والمساجد، المشاهد مؤلمة جدا للأسر في العراء، ونداءات الاستغاثة تتوالى على الوسائط بحثا عن الشوالات والخيم وامصال العقارب والثعابين، وملاحم بطولية تخلدها كاميرات الناشطين لشباب وكهول وهم يقامون المياة بكل ما استطاعوا ويقفون أمامها صفا واحدا. منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ولجان المقاومة وتجمع المهنيين وكل حادب على سلامة الوطن مطلوب منه التوجه فورا لمناطق الكوارث والمساهمة في درء آثاره.
الجيش عليه ان ينزل إلى الطرقات، إن ينتشر في المناطق المنكوبة برفقة الأهالي لمواجهة الفيضان، إذ مازالت عقلية السودانيين تختزن مشاهد مشاركة الجيش معها في مواجهة فيضان ١٩٨٨ ، ومازالت ذكرى بسالة مواطني توتي في مواجهة ذاك الفيضان حاضرة في أذهان الجماهير خلدتها كلمات الشاعرة سعادة بت عثمان في الاغنية الشهيرة التي صدح بها الفنان حمد الريح والتي يقول مطلعها ( عجبوني اولاد الاهالي، عجبوني وسروا بالي، طول الليل واقفين سواري، ترسوا البحر بالطواري، ما شالونا باللواري، عجبوني الليل جوا، ترسوا البحر وصددوا )
وزير الري حاول أن يبشر الناس بأن المستقبل أكثر أمانا حيث سيكون سد النهضة مانعا لامثال هذه الفيضانات، ولكنه من حيث لا يدري صدر رعبا رهيبا للجميع وتساؤلا سيجول طويلا في أذهان الناس، وماذا إذا انهار سد النهضة فجأة؟! اذا كانت هذه الخسائر هي مجرد فيضانات ناتجة عن أمطار متقطعة، فما بالك بفيضان مندفع ناتج عن انهيار السد؟! في كل الأحوال هناك حوجة ماسة ان تبدأ الحكومة في وضع معالجات جذرية لكوارث الفيضانات هذه، شق بحيرات تخزين مياة او قنوات مائية ضخمة لتنفيس النيل في ايام الفيضان سيكون بلا شك احدي الخيارات، وللمزيد من الخيارات والأفكار فإن مؤتمرا يناقش الحلول العلمية والعملية التي يستطيع السودان إنجازها لمواجهة آثار الفيضان، سيكون هو الخطوة الصحيحة لمواجهة حقيقية مع الفيضانات وليس انتظارها حتى تحدث.
رحم الله شهداء الفيضانات، وعاجل الشفاء للجرحى، وربنا يخضر صراع أبناء وبنات السودان فالتكاتف الذي نشهده الآن في مناطق الفيضانات يثلج الصدر، وينبيء الجميع بأن بلدنا مازالت بخير، وأنها ستنهض من جراحها في الغد وتنطلق بإذن الله.
يوسف السندي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..