هل اتفاق السلام (كلو رتوبة!!؟)

بسم الله الرحمن الرحيم
عندما كانت الهجرة إلى مصر طقساً مألوفاً لدى أهلي الحلفاويين . كانت الحكاوي عن مصر هي سيدة سمر العائدين . وكان الحديث عن الاسكندرية وجمالها لا يخلو من ذكر ارتفاع مستوى الرطوبة وكيف أن العائدين منها دائماً يعانون من مرض الرطوبة. وذات مرة ، أُخذ أحد القادمين حديثاً إلى الاسكندرية في جولة للفرجة على المدينة ،فوقفوا به عند مبنى شاهق جميل قاصدين إدهاشه . لكنه بعد تأمل طويل ،ضيق بين شفتيه وأخرج هواءً بصوت مسموع قائلاً بعده ( كُلّو رُتُوبة!!) .وهكذا اختصر كل الجهد الهندسي والمعماري الجميل في الرطوبة التي سمع بها .
هذا النمط العاجز من التقليل وتتفيه الأمور العظيمة بغرض هضمها على قدر تفكير المتناول، سلوك بات مألوفاً في المجتمع خاصة بين الجاهلين بزبدة الأمور وذوي الغرض. وربما كانت هذه الأمور محصورة بين عدد قليل من شلة الأنس . إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي ، قد جعلت منه ليس أمراً ذائعاً فحسب ، بل مُشَكلاً لرأي عام فائق السرعة .وفي مجتمعنا الذي بلغت فيه ثقافة الاستهلاك عمقاً غائراً .صار حتى استهلاك الأحداث سريعاً . فثورة بعمق ثورة ديسمبر في أثرها ومسبباتها ، يصمها شخص في صف المخبز أو الوقود أو خلاف بين إحدى مكونات الحاضنة الاجتماعية أو أي شأن آخر بالفشل.
وقد بدأت هذه العقلية في العمل فور الحديث عن اتفاقية السلام بين الحكومة وحركات الكفاح المسلح حتى قبل توقيعه. يمكن تفهم تذمر الكثيرين من تأخير الوصول للاتفاق وتوزيع الاتهامات يمنة ويسرة . لكن أن يتم تناول جهد عام كامل بين عقول كبيرة من الجهتين بهذه العقلية وكل يرى ( الرتوبة ) في جزء منها ، واختصار كل هذا المجهود إما في مربع ملون في الفيسبوك ، أو حتى مقال صحفي . لعمرك أمر غير مقبول.
فكلمات مثل محاصصة ، او خيانة وما شاكل ذلك .لن تغني عن البحث العميق في الاتفاق والتجول الحصيف الواعي بين البنود ووزنه في ميزان الممكن المتاح والمستحيل .سلوك يعبر عن العجز أو الغرض . فكل كتاب النظام البائد ،صاروا يخاطبون البرهان الذي كانوا يتبارون في (تفويضه) لقلب الأمور على هواهم ، مدعين الإشفاق على الجيش من التفكيك بفعل الاتفاقية ويتعجبون إن كان البرهان على علم بذلك.
من الحكمة والأهمية بمكان . النظر إلى الاتفاقية من زاوية إيقاف الحرب وتنمية المناطق وإسهامها في حل مشاكلنا المستعصية. والعمل الدؤوب المثابر مع الذين لم يوقعوا بعد. فهم سودانيون لهم رأيهم فيما يجري فيه . ولهم معارضوهم من مناطقهم ومؤيدوهم من منصات أخرى. فلنبن على ما أنجز . فكل ما يحسبه الناس عيباً . أو طمعاً أو محاصصة ، اختباره الحقيقي عند نهاية الفترة الانتقالية والانتخابات النزيهة بتوفير عواملها ليعرف كل طرف حجمه بعد اكتمال تفكيك دولة الحزب الواحد ليتساوى الجميع عن العرض على منظار الشعب الواعي. ومن هنا . فألف مرحب بالتوقيع.
معمر حسن محمد نور
[email protected]



