مقالات وآراء

رأي حول قرار إيقاف إستيراد السيارات المستعملة

يبدو هذا القرار صائبا لدى العديد من المخططين والإقتصاديين والساسة الذين يعتقدون أنهم به سيعملون على الحد من الإنفاق على السيارات المستعملة التي تحتاج إلى كم كبير من قطع الغيار والتي ستكلف الدولة كثيرا، عليه يكون القرار السليم هو إيقاف إستيراد السيارات المستعملة. وقد يبدو ظاهريا قرارا سليما يعمل على ترشيد العملات الصعبة التي ستهدر في توفير قطع الغيار لهذه السيارات المستهلكة.

لكن هل حسبنا بدقة وقارنا بين التكلفتين وتأكدنا حقا أن السيارة الجديدة هي بالمقاييس العلمية والعملية هي الأفضل؟ الواقع أننا لم نفعل!! ولو كنا قد عقدنا هذه المقارنة لوجدنا أن السيارة المستعملة زائدا كل ما يمكن أن تستهلكه من قطع غيار خلال فترة استخدامها لن تصل إلى تكلفة السيارة الجديدة أبدا. فمعلوم أن مجرد إستخدام السيارة الجديدة بضع شهور سيهبط بقيمتها إلى أقل من ثمانين بالمائة من سعرها وهي جديدة . وإذا تم شراؤها وهي مستهلكة لخمس سنوات مثلا فإن سعرها سوف ينخفض إلى حوالي 45 بالمائة. خلال الخمس سنوات هذه يقدر أن تبلى بعض الأجزاء الأكثر إستخداما ، وتجديد هذه الأجزاء المستهلكة قد لا يكلف أكثر من خمسة بالمائة من قيمة السيارة مما يعني أننا سوف نحصل على سيارة شبة جديدة بحوالي 50% من قيمة السيارة الجديدة.

غير أنه إن لم يقتنع مسؤولو وزارة التجارة برأينا أعلاه، فلنا لهم منطق آخر أرجو أن يعقلوه. السيارة التي عمرها عشرة أعوام ينخفض سعرها إلى خمسة عشر بالمائة، أي أن بامكانك أن تشتري سيارة موديل 2010 بما يعادل 15% من قيمتها، وإذا افترضنا أن عمر السيارة إلى أن تتوقف عن السير أو إلى أن تمتنع السلطات عن تجديد رخصتها بحجة أنها غير صالحة للسير في شوارع المدينة هو ثلاثين عاما فإن السيارة الجديدة التي دخلت البلاد في العام 2010 ستعمر حتى العام 2040، وكذلك السيارة السكندهاند التي عمرها عشرة أعوام والتي ستدخل البلاد في العام 2020 ستعمر حتى العام 2040 وسوف تستهلك نفس القدر من قطع الغيار. إذن فالسيارتان سوف تستهلكان نفس القدر من قطع الغيار لكن الفرق أن احداهما ستعمر ثلاثين عاما والثانية ستعمر عشرين عاما فقط، وإحداهما كلفت البلاد 100 % من قيمتها بينما الثانية كلفت البلاد 15% فقط من قيمتها عليه تكون تكلفة الأولى في السنة ( 100 % على 30 عاما = 3.3 % )، بينما تكلف الثانية في السنة (15% على 20 عاما = 0.75 %)، فإن كانت سيارتنا هذه بمبلغ 20 ألف دولار فهي في حال إستيرادها جديدة ستكلف البلاد 660 دولارا في العام ، بينما في حال إستيرادها مستعملة فسوف تكلف البلاد 150 دولارا فقط. عليه إستنادا على هذا المنطق فالسيارة المستعملة إقتصادية وأخف تكلفة على البلاد من السيارة الجديدة.
كذلك لدينا منطق ثالث يقف إلى جانب إستيراد السيارة المستعملة..

عمليا فالمؤكد أن السيارة الجديدة لا يشتريها وافد جديد على عالم السيارات ولا يمكن أن نتصور أن مواطنا سودانيا كان يمشي راجلا أو مستغلا المركبات العامة سيقتني سيارة جديدة، بل إذا تمكن هذا الشخص من الإرتقاء من المواصلات العامة إلى إقتناء سيارة فهو غالبا ما يفكر في شراء سيارة مستعملة. إذن نحن بحظر السيارات المستعملة والإكتفاء بإستيراد السيارات الجديدة سوف نحرم الوافد الجديد على عالم السيارات من إمتلاك السيارة التي قد يستطيع توفير قيمتها. وبالمقابل نكون قد وفرنا سيارة جديدة لشخص مقتدر يمتلك بالفعل سيارة فخمة وله القدرة على شراء أخرى، أو قل له القدرة على استبدال سيارته.
هناك بالطبع الآثار الاقتصادية السالبة من تبطل العديد من العاملين في سوق السيارات فمن أجل أن نوفر سيارة مستعملة لصاحبها سوف نجري العشرات من عمليات البيع والشراء عبر حلقات وساطة ليس ثمة داع لها.
الأفضل بلا شك إستيراد سيارة مستخدمة منذ البداية لهذا المشتري وهو كما أوضحنا بتحليلنا أعلاه المستهدف من إستيراد السيارة. ولا داعي لهذه اللفة الطويلة المكلفة غير الإقتصادية. إذن نرجو من المخططين في وزارات المالية والتخطيط الإنتباه لهذا الخطأ المتكرر والذي لا يمكن الفكاك منه إلا بإعادة النظر وبالتساؤل واستخدام معظم أدوات الإستفهام، بلا شك هناك قرار أفضل من آخر، الوصول إليه فقط يحتاج إلى بعض التفكير.

أما القرار الذي لا يستند على منطق أو أي معنى مقبول فهو إلزام المغترب أن يدخل سيارة جديدة من موديل العام وليس مستعملة لخمس أعوام أو أقل كما كان سائدا من قبل. السؤال الذي يمكن أن نوجهه لوزارة التجارة أين هو ذلك المغترب الذي باستطاعته وقد أنهيت خدماته وصار لزاما عليه أن يغادر إلى أرض الوطن الذي باستطاعته شراء سيارة موديل العام ويدفع عليها جمارك تعادل 140% من قيمتها ليتمتع باقتناء سيارة في بلاده؟؟ والسؤال الأهم لماذا يكون جزاء من يرفد الإقتصاد السوداني بحوالي 40 % من إيراداته الدولارية أن تمارس ضده مثل هذه القرارات الظالمة؟؟
في رأيي أن أي مغترب عائد عودة نهائية للسودان المفروض أن يمنح إستثناءَ إدخال أي موديل من السيارات شاء، أو على أقل تقدير يمنح الحق في إدخال سيارته التي كان يملكها فهو في حال التقيد بهذه القوانين الجائرة سيضطر إلى بيعها بأبخس الأثمان.. كما يجب أن تكون الجمارك المقدرة عليها بحسب قيمتها، هذا إن لم يعف المغترب نهائيا من سداد جماركها..

الأمين عبدالرحمن عيسى
الدوحة
[email protected]
4 سبتمبر 2020

 

 

‫2 تعليقات

  1. مع احترمي الشديد لريك…ان تكلفة تشغيل و صياتة السيارة المستعملة اكثر من السيارة الجديدة التي لا تحتاج لصيانة لمدة عامين او اكثر حسب نوعية المستعل و بعد هذه المدة تكون قبمة الصيانة قليلة ثم تبدا في الارتفاع رويدا حتي تاتي مرحلة تكون صياتها و تشغيلها غير ذات جدوى اقتصادية بالنسبة لاقتصاد الدولة لهذا السبب نجد كثير من الدول تحدد عمر افتراضي لتجديد السيارات المستعملة ….كل scrab ALKHALEEJ صدر للسودان فكلف البلد عملة صعبة نحتاجها لبنود اكثر اهمية من تشغيل و صيلنة سيارات مستعملة بالاضافة لتلوث البئة و التسبب في امراض كثيرة تضاف لتكلفة التشغيل و الصيانة..

    1. شكرا الأخ الوسيلة على ردك، لكن كما ترى وكما أبنت في مقالي فإن تكلفة الصيانة هي نفسها بالنسبة للسيارتين الجديدة والمستعملة كل الفرق أن الجديدة حسبنا لها عمرا ثلاثين سنة والمستعملة لعشرة أعوام في الخليج حسبنا لها عمرا عشرين سنة، إذن تساوت السيارتان في تكلفتهما من ناحبة الصيانة وقطع الغيار واختلفتا في تكلفتهما الرأسمالية (إلابتدانية) الأولى الجديدة ب 100 % والثانية المستعملة لعشرة أعوام ب 15% من قيمتها، لك حينئذ أن تقارن أيهما أكثر تكلفة على البلد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى