مقالات سياسية

العصابات الارهابية وثيقة الصلة بالمنظمات السرية

صديق جوليا

العصابات الارهابية وثيقة الصلة بالمنظمات السرية

تنشط العصابات الارهابية المتفلتة أو ما يعرف في الوسط الإعلامي بعصابات النيقرز ، والبلطجية ، وأبو طبر، والجنجاويد في الدول التي تحكمها أنظمة قمعية مثل مصر، والعراق ، وسوريا ، والسودان في عهد نظام الإنقاذ الديكتاتوري الارهابي البائد خاصةً عندما تشعر هذه الأنظمة القمعية بخطر وشيك يهدد سلطاتها واستقرار أنظمتها الارهابية فتسارع أجهزتها السرية بتنشيط الخلايا النائمة لتنفيذ عمليات ارهابية مخططة مسبقاً تستهدف ترويع المواطنين الآمنين.  وفي بعض الأحيان يطلق التنظيم السري الارهابي سراح مجرمين محكوم عليهم بالإعدام أو السجن المؤبد لارتكابهم جرائم قتل أو تهريب مخدرات أو جرائم سرقة من السجن لتنفيذ عمليات ارهابية تستهدف قطاع معين من المجتمع بعد تزويدهم بمسدسات كاتمة للصوت ودراجات نارية مفخخة بالإضافة إلى الزي الرسمي للشرطة، وغالباً ما يُطلق سراح هؤلاء المجرمين بعد تنفيذ العمليات الارهابية وتسهيل هروبهم إلى الدول المجاورة. وقد أكد جميع الناجين من مجزرة فض اعتصام القيادة في مقابلات مسجلة بالصوت والصورة أن عصابات النيقرز ، وكتائب الظل ، والجنجاويد قد شاركوا بفعالية في فض الاعتصام عندما باغتوا الثوار في الساعات الأولى من الفجر وأطلقوا عليهم النار بكثافة من جميع الإتجاهات على مرمى حجر من قواتنا المسلحة الباسلة التي لم تحرك ساكناً لحماية المعتصمين بل أوصدت أبوابها في وجوههم عندما حاولوا الاحتماء بمباني القيادة العامة.  ومما لا شك فيه أن جميع هذه العصابات المأجورة تعمل تحت حماية الأنظمة القمية لتنفيذ أجندتها الأرهابية ونشر الرعب بين المواطنين حتى لا تحدثهم أنفسهم بشق عصا الطاعة والتمرد على الحاكم المطلق.

وعندما اشتعلت ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصروفشلت قوات الشرطة في السيطرة على زمام الأمور وإخماد المظاهرات التي عمت جميع أنحاء المدن المصرية أطلقت وزارة الداخلية سراح  ألاف المجرمين من السجون لإحداث الفوضى والقيام بعمليات السلب والنهب وترويع المواطنين.  وقد حاولت وزارة الداخلية إلصاق التهمة بالمتظاهرين السلميين ووجهت لهم أصابع الاتهام لكن معظم شهود العيان ومراسلو المحطات الفضائية أكدوا أن عمليات السلب والنهب نُفذت بواسطة البلطجية وأفراد العصابات المتفلتة الذين أُطلق سراحهم من السجون لترويع المعتصمين وإجبارهم على الانسحاب والعودة إلى سكناتهم، لكن جميع محاولاتهم الارهابية لتفريق المتظاهرين وتشتيت شملهم باءت بالفشل.  وعلى الرغم من الهجمات المتكررة التي تعرض لها الثوار من قبل البلطجية والفلول الموالية لنظام مبارك الارهابي تمكن المتظاهرون من الصمود والمقاومة حتى دخول الوقت المحدد لحظر التجول الذي أعلنته وزارة الداخلية.  وفي غمرة تلك الأحداث تمكنوا أيضاً من التصدي لأفراد العصابات المتفلته عندما حاولوا سرقة مقتنيات المتحف المصري وأجبروهم على الفرار.  وقد حاول قادة الجيش – عبر مكبرات الصوت – إقناع المعتصمين بالعودة إلى أعمالهم ومنازلهم لأنهم ساهرون على أمن الوطن لكنهم لم يستجيبوا لهذا النداء وظلوا صامدين في ميدان الاعتصام حتى ساعات الفجر الأولى.  ولكن بعد حدوث الانفلات الأمني على نطاق واسع وانتشار عصابات النهب والسلب في كافة أحياء القاهرة، وانسحاب رجال الأمن من مسرح العمليات، وإطلاق سراح جميع المحتجزين من السجون، أدرك الناشطون الخطر الوشيك الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من الأحياء السكنية فقاموا بارسال رسائل نصية عاجلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تناشد المواطنين بتسليح أنفسهم بكل ما توفر لهم من أسلحة لحماية أنفسهم وممتلكاتهم من خطر العصابات المتفلتة.  وفي مساء اليوم التالي حاولت مليشيات البلطجية الموالية لنظام مبارك اقتاحم ميدان التحريرعلى ظهور الخيل والجمال وبواسطة عربات تجرها الخيول وهم يلوحون بالسواطير والعصي في محاولة يائسة لتفريق المعتصمين مما أدى إلى إصابة عدد كبير من المتظاهرين إصابات خطيرة.  وفي الوقت ذاته قامت مجموعات موالية لتيار الحزب الحاكم بالقاء قنابل حارقة على المعتصمين من أسطح المباني المجاورة لميدان التحرير تسببت في سقوط المزيد من الضحايا، لكن برغم هذه الاعتداءات غير المبررة لم تتدخل القوات النظامية لحماية المعتصمين ولم تفعل شيئاً لفض الاشتباك بين الطرفين سوى إطلاق النار في الهواء.  ونظراً لسقوط عدد كبير من الضحايا والمصابين تحول ميدان التحرير إلى مستشفى ميداني لعلاج الجرحى واستمر المحتجون في اعتصامهم ومقاومتهم بالحجارة حتى دخول وقت حظر التجول.  وبعد أن توقف الاشتباك بدأوا في إعادة تنظيم صفوفهم في الميدان وإزالة آثار الاشتباك.  وعلى الرغم من الأدلة الدامغة التي تؤكد أن أجهزة الأمن المصرية قد استعانت بالبلطجية والعصابات المتفلته لفض اعتصام ميدان التحرير إلا أن وزارة الداخلية المصرية رفضت هذا السيناريو وإدعت أن مجموعة ارهابية مسلحة من الأجانب هي المسئولة عن الهجوم على المعتصمين، لكن جميع وكالات الأنباء العالمية والفضائيات التي غطت أحداث الثورة المصرية نفت هذا الادعاء الباطل وأكدت عبر مراسليها أن البلطجية والعصابات المأجورة هي التي هاجمت المعتصمين في ميدان التحرير.

ومن المفارقات الغريبة تكرار نفس السناريو في االخرطوم والمدن السودانية الكبرى عندما أطلقت أجهزة أمن الدولة سراح مجموعة من أفراد عصابات النيقرز المأجورة والعصابات المتفلتة من السجون وسلحتهم بالأسلحة البيضاء والأسلحة النارية لإثارة الرعب في أوساط سكان العاصمة والأقاليم حتى يعودوا إلى سكناتهم.  وقد وفرت لهم دولة المنظمة السرية المال والسلاح بالإضافة إلى الزي الرسمي وسيارات رباعية الدفع حتى يتمكنوا من نشر الفوضى في أوساط المعتصمين وتنفيذ العمليات الارهابية التي أسندت إليهم في العاصمة والأقاليم.  وقد تم نشر هذه العصابات في العاصمة المثلثة في توقيت مماثل للتوقيت الذي نشرت فيه عصابات البلطجية في مصر عندما أدركت وزارة الداخلية المصرية أن سقوط نظام مبارك الديكتاتوري قد أصبح وشيكاً.  وفي ظل الفراغ الأمني الذي حدث بعد سقوط نظام الإنقاذ الارهابي بدأت عصابات النيقرز والجنجاويد تمارس نشاطها الإجرامي لسلب ونهب المواطنين في وضح النهار وتجريدهم من أموالهم وممتلكاتهم الخاصة على مرمى ومسمع من رجال الأمن مما أثار الشكوك والريبة في أوساط سكان العاصمة والأقاليم.  وقد تكرر هذا السيناريو مرةً أخرى بعد عمليات فض الاعتصام الأمر الذي جعل أئمة المساجد في الأحياء يخاطبون المواطنين عبر مكبارات الصوت لتسليح أنفسهم بكل ما توفر لهم من أسلحة للدفاع عن أعراضهم وممتلكاتهم بعد أن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن أجهزة الأمن التابعة لنظام الإنقاذ الارهابي قد منحت الضوء الأخضر لعصابات النيقرز والجنجاويد وكتائب الظل لفض اعتصام القيادة ولإثارة الرعب في أوساط سكان العاصمة حتى لا يفكروا في شق عصا الطاعة للعصابة الحاكمة في الخرطوم.  ولم يتوقف نشاط العصابات المتفلتة في العاصمة فقط بل إمتد حتى الأقاليم حيث شاهدناهم في أشرطة الفيديو رأي العين وهم يقومون باعتقال المتظاهرين السلميين – بعد ضربهم بالهراوات وتكتيف أياديهم خلف ظهورهم بأحزمتهم الشخصية – في الأبيض، وبورتسودان ، والقضارف والمدن الأخرى مما يؤكد أن هذه العصابات المتفلتة تعمل تحت مظلة أجهزة أمن النظام الديكتاتوري البائد.  وحتى بعد سقوط نظام الكيزان الارهابي تمكنت إحدى عصابات النيقرز من التسلل خلسةً إلى مدينة بري تحت جنح الظلام وقام أفرادها بمهاجمة السكان بالهراوات والأسلحة البيضاء وعاثوا في المدينة سلباً ونهباً قبل أن تتصدى لهم كتائب المقاومة وترغمهم على الهروب بعد أن تمكنت من القاء القبض على عدد كبير منهم قبل أن يطلقوا ساقيهم إلى الريح ويلوذوا بالفرار.

أما القاتل المتسلسل الذي ذاع صيته في بغداد في سبعينيات القرن الماضي اشتهر باسم ” أبو طَبَرْ” لأنه كان يستخدم فأساً بُلطياً للإجهاز على ضحيته من الضربة الأولى.  وقد بدأ حياته المهنية كضابط شرطة لكن سرعان ما تم فصله من العمل لأسباب تتعلق بعدم انضباطه وسلوكه المريب.   كما تم فصله من العمل أيضاً في جميع الشركات التي وظفته بسبب إهماله وميوله الإجرامي.  وقد اتصف أبو طبر بالذكاء الحاد لكنه مع الأسف وظفه في الإتجاه الخطأ لتنفيذ جرائمه الغامضة التي أثارت الرعب في أوساط المجتمع العراقي في عهد دولة المنظمة السرية إبان حكم الرئيس العراقي صدام حسين.  ومما يثير الدهشة أن أبو طبر ظل يمارس هواية قتل الأبرياء لفترة زمنية إمتدت سنوات طويلة دون أن تطاله يد القانون أو تثار حوله الشكوك نظراً لصلته الوثيقة بأجهزة المنظمة السرية التي يعتقد أنها كانت تستخدمه لتصفية المعارضين السياسيين وتسلطه أيضاً على أشهر الأسر العراقية في بغداد لبث الرعب في أوساط المجتمع العراقي حتى لا تحدثهم أنفسهم بالخروج على سلطة الحاكم وشق عصا الطاعة.  ولكن بعد سقوط نظام حزب البحث أو بالأحرى نظام صدام حسين أكدت وسائل الإعلام أن سفاح بغداد في سبعينيات القرن الماضي الذي اشتهربـ “أبو طبر” كان من صناعة الإستخبارات العراقية التي كانت تستخدمه كآلة قتل لاسكات أصوات المعارضين السياسيين إلى الأبد. وأكبر دليل على هذا الإدعاء إنه قام بتصفية كبار الشخصيات منهم أطباء ومحامون ، وضباط في الجيش من ذوي الرتب العالية.  ومن الأدلة الدامغة التي تثبت إرهاب الدولة المجزرة التي ارتكبها صدام حسين نفسه في قاعة الخلد في بغداد بعد أن سيطر على السلطة في العراق في عام 1979م ودعى لمؤتمرعام للحزب حضره جميع قادة حزب البعث، ولكن اتضح فيما بعد أن المؤتمر كان فخاً نصبه صدام لتصفية خصومه السياسيين. وبالفعل تمكن صدام اثناء ترؤسه للمؤتمر من تصفية أربعة وخمسون عضواً من قادة حزب البعث الموالين لرئيس الوزراء أحمد حسن البكر مدعياً أن الإستخبارات قد زودته بقائمة بأسمائهم بعد أن وجهت لهم تهمة الخيانة العظمي التي يحاكم المتهمون بها بعقوبة الإعدام.  وهكذا تمكن صدام بمكره ودهائه من التخلص من كادر حزب البعث الموالي لتيار الرئيس أحمد حسن البكر الذي أجبره على تقديم استقالته.

ولكن على الرغم من سقوط بغداد في نيسان 2003، وإعدام صدام حسين، وتسريح الجيش العراقي لم تتوقف جرائم العنف والاغتيالات السياسية الغامضة حتى هذه اللحظة التاريخية.  وبسبب الفراغ الأمني الناتج عن انسحاب رجال الأمن والجيش العراقي من مسرح العمليات، وجدت عصابات الحشد الشعبي وجيش المهدي الموالية لأيران فرصةً سانحة لممارسة هواية القتل رمياً بالرصاص عند باب الدار أمام الأطفال، أو طعناً بالسكاكين، أو خنقاً بالغازات السامة، أوبالدراجات النارية المفخخة أو بكاتم صوت الذي استخدم في قتل عشرات المتظاهرين الذين شاركوا في الاحتجاجات الأخيرة التي اجتاحت مدينة البصرة والمدن العراقية الكبرى.  وقد طالت جرائم القتل الغامضة جميع رموز المجتمع العراقي كتاباً وفنانين وأكادميين ورجال دين، وضباط من الجيش العراقي المنحل.  وبلغت حصيلة الموجة الأخيرة من الاغتيالات أكثر من ستمائة قتيل من الشباب، والإعلاميين والصحفيين دون أن يتمكن رجال الأمن من حل لغز جرائم القتل الغامضة وتحديد هوية  الجاني.  أما العوامل المشتركة في جميع جرائم القتل التي ارتكبت بالآلاف منذ سقوط بغداد خلال الست عشرة سنة الماضية يمكن حصرها في غموض الجناة ، وتشكيل لجان التحقيق الوهمية.  وأخيراً ولست آخراً أستطيع أن أقول بكل صراحة ووضوح لا أحد يجرؤ على قتل الشخصيات البارزة في المجتمع ، والمتظاهرين العزل، وسلب ونهب المواطنين الأبرياء في وضح النهار، وفي الميادين العامة أمام عدسات الكاميرا، وعلى مرمى حجر من رجال الأمن إلا مَن أمن العقاب والحِساب، وإذا اعتقل سُيخلى سبيله فوراً لأن الجاني عميل سري من عملاء النظام الدموي الارهابي.

صديق جوليا

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..