مقالات وآراء

الدَّربُ الشَّائِك

رانيا مأمون

اكتمالُ الدَّائرة

الظُّهور في الوجود عبر جسدٍ أنثوي في مجتمعٍ أبوي كمجتمعنا السُّوداني، يعاني ويصطدم بلا شكٍّ بالتَّوجَّهات والميول نحو الفنون والآداب والتَّعبير عنهم. في تجربتي الشَّخصيَّة كان لي نصيبٌ وافر من هذه المعاناة التي لم أتخلَّص تماماً من عوالقها في جدار عالمي النَّفسي.

في عمر التاسعة ضبطني أخي أقرأ، وبَّخني بشدةٍ وعنف، كاد يضربني لولا تدخل أمي، تفاجأتُ من ردة فعله التي أطاحت بالكُتيب من بين يديّ. هددني: (تاني ما أشوفك بتقري في حاجة غير كتب المدرسة). أخي الذي يكبرني باثنتي عشرة سنة لم يردني أن أقرأ!

سألتني أمي التي ربما شكَّتْ في نوعية الكتاب وتدافعت المحاذير في رأسها: (دا كتاب شنو)؟ رفعتُه وأجبتها بكل براءة: (ألغاز)، كنتُ أقرأ في كتاب ألغاز “المغامرون الخمسة” من كتب الجيب والتي تناسب سنَّي تماماً آنذاك.

حاولت أمي أن تبرَّر ثورة أخي قائلة: (هو عاوزك تركزي في دروسك) أجبتها بسؤالٍ غاضبٍ وماكر: (فعلاً عاوزني أركِّز في دروسي؟) سكتتْ وقد اندهشتْ لسؤالي غير المتوقع واحتارت في إجابته.

تلك الحادثة لم تمنعني من قراءة الألغاز؛ إنما أذَّكت نار القراءة بداخلي وقراءة كل ما تقع عليه عيناي. لاحقاً على أعتاب الثانية عشرة تعدَّدت وتنوَّعت القراءات وصرتُ أقرأ سرَّاً كتباً أكبر من عمري، وأجد صعوبةً في قراءتها وبعضها لا أفهمه ويبدو لي كمتاهة لا أعرف من أين دخلتها أو كيف أخرج منها.

أخرجني أخي من ذاك العالم، عالم الصِّغار ولفتني إلى أن هناك كتباً غير كتب الأطفال والألغاز وعليَّ ألا أقترب منها، قصَّر عليَّ طريق المعرفة والأدب حينما كنتُ أحبو وسط الأسطر وأغرق بين صفحات الكتب الصغيرة، هل أشكره لأنه أوعز لي أن القراءة شيء ينطوي على خطورة ويستجلب الخوف؟

في الثانية عشرة من عمري كتبتُ أول قصةً لي بالطباشير على حائط عريشة (راكوبة) بيتنا، وهي مكان المقيل والطبخ وتناول الوجبات. أخي سافر حينها للعمل في مدينةٍ أخرى، أكان يدع هذا الفعل ليمرَّ بسلام؟ لا أدري. كانت قصة للأطفال على كلِّ حال بعنوان (الأصدقاء الثلاثة)، وبذا فإن ذاك الحائط أول منصَّة نشر بالنسبة لي. كان خطي متوتَّراً، كتبتُ بسرعة كي لا تضيع مني الأفكار، انكبَّتْ حارة، طازجة وبكراً على الحائط الرمادي الصَّلد. بعض أفراد أسرتي رأوا أن هذا تلطيخ له، بعضهم قرأها ولم يهتم، وبما أننا نعيش في وسط اجتماعي الحياة فيه مفتوحة على بعضها كذا الأبواب فإن كثيراً من الجيران وأبنائهم وأصدقاء أخوتي وصديقات أخواتي قرأوا القصة، واختلفت ردود أفعالهم، لكنني لا أذكر الآن تحفيزاً صريحاً أو موافقةً واضحة أو تشجيعاً، أذكر بعض التعليقات من قبيل (ولكن الأسطر مائلة) أو (كويسة) وهذا هو أفضل تعليق حصلتُ عليه، إضافة إلى ضحكات أمي وابتساماتها على ما فعلتُه، وعليَّ ذِكر أنها لم توبَّخني وكانت ابتساماتُها بمثابة الترَّبيت على كتفيّ وأظنه تشجيعاً مبطناً وبعض رضا.

بقيتْ القصة على الحائط الإسمنتي فترة من الزمن، ربما اعتادوا في البيت على رؤيتها فصارت كأنها ديكورٌ لا يلفت إلا نظر الغريب، لم يمحُها أحد، إلى أن أزالتها مياه المطر التي كانت تتسرَّب من سقفِ العريشة المكوَّن من القشَّ والحصير وجوالات الخيش. لم تكن التَّجربة محمِّسة جداً. تركتُ تلك المحاولة اليتيمة المفضوحة في مكانها وقد تشوَّهت الكلمات، مُسح بعضها وبعضها صارت باكية بسبب مياه المطر التي سالتْ على جزءٍ من حروف الكلمات، وعلِق جزءٌ من الطباشير على الحائط تحت الكلمات كبقايا دمعٍ متحجِّر، بدتْ للرائي كأنها تبكي، والحقيقة أنا من كنتُ أبكي دون دمع ظاهر إنما دمعٌ منسكبٌ من القلب.

لاحقاً، في بواكير مراهقتي خصصتُ أحد دفاتري المدرسية للكتابة فيه سراً، كتبتُ القصة والخاطرة وبعض القصائد، كذا نسختُ فيه قصائدَ استحسنتُها وألصقتُ فيه صورًا أعجبتني اقتطعتها من مجلات وصحف. صار عملي على هذا الدفتر من أهم النَّشاطات اليوميَّة، بلّ أهم من أنشطتي وواجباتي المدرسيَّة. شيءٌ واحد كان يعكِّر صفائي واحتفائي به؛ هو مكان تخبئته، كنتُ أغيَّر مخبأه كل يوم، مرةً تحت فراشي، وأخرى أحشره بين أواني المطبخ، وثالثة وسط ملابسي في دولابي، وتارةً تحت وسادتي؛ خاصةً عندما أعمل فيه حتى وقت متأخر من اللَّيل، وأحمله معي في شنطتي المدرسية صباحاً وأظلُّ مرعوبة دوماً من فكرة مزعجة أن يقع بين يديّ أخي؛ كارثةً ولا شكّ.

نسيته ذات يوم على سريري، كنتُ في عجلة صباحية مستمرة طيلة سنيّ دراستي، دوماً ما أتأخر في النوم، نسيت إدخاله مع كتب اليوم، عندما اكتشفتُ الأمر في الحصَّة الثانية لم أفهم أي درس طيلة اليوم الدراسي، وقعت في توترٍ وقلقٍ عظيم، أذكر أنني لم أتناول إفطاري، وداهمني مغص متقطِّع. عندما وصلتُ البيت كاد قلبي يخرج من فمي عندما لم أجد الدفتر في مكانه، حتماً سأُذبح اليوم. وجدتْني أمي أقف في منتصف الغرفة عندما مدّته لي، ابتسمتْ ولم تعلِّق. أمي، أمي كانت الدّاعم الحنون الصَّامت، ملاكي الذي بَارَك خطواتي الأولى في دربِ الأدب والكتابة.

كثرت الدفاتر مع الزمن، وأصبحت تغازلني فكرة أن أنشر كتاباً باسمي، اسمي؟! ولكني كنتُ أكتب باسمٍ مستعار هو (الفَارِعَة) سمَّاني به أحد أصدقاء أخي. أذيَّل كتاباتي في دفاتري الخاصة جداً بهذا الاسم، كيف لي أن أكتب باسمي؟ ماذا سيفعل أخي؟

أذكر حادثاً أثَّر فيَّ وهزَّني هزة نفسيَّة عميقة، وقتها صرتُ أرتعُ في سنتي الخامسة عشر، قبل يوم استعارت صديقتي التي تدرس معي في المدرسة وتسكن قربنا أحد دفاتري لتقرأه في البيت. أخذه منها خالها واطلع عليه، لكنه ثار وضربها ضرباً شديداً وبدأ في تمزيق الدفتر. ذهبتُ إليهم في التوقيت الخطأ حيث أصابتني سكاكين كلامه واتهمني بأنني أريد تعليمها (قلَّة الأدب)، وأنني غير متربية وإلا لما كتبتُ مثل هذا الكلام! منعها من رفقتي، ورمى دفتري شبه الممزَّق على الأرض، ثم طردني ومنعني بتاتاً من دخول بيتهم.

في الصَّف الأول الثانوي كانت مادة الجغرافيا صعبة بالنسبة لي وغير جاذبة، استغللتُ وقتها في قراءة كتب استلفُها، ذات يوم تمَّ عقابي لأنني وبدلاً عن التركيز مع المعلمة كتبتُ قصةً على كراسة الجغرافيا، وعندما انتبهتْ لي، جاءت قربي، أوقفتني وسألتني عمَّا كانت تقوله، بالطبع لم أعرف. سألتني ما الذي تفعلينه؟ أجبتها: أكتب قصة. ضجَّ الفصل بالضحك. أخذتْ المعلمة الكراسة من بين يديّ غاضبة وعاقبتني فورياً بالضَّرب وطُردت من الفصل ولمدة أسبوعين حُظر عليَّ حضور حصة الجغرافيا. لكن ذلك لم يكن كارثياً فقد لفت إليَّ انتباه معلمة اللغة العربية وطلبت أن تقرأ كتاباتي وشجعتني، وليس ذلك هو التشجيع الوحيد، بل أيضاً من صديقاتي في المدرسة وبنت الجيران وأستاذ فيصل المكي الذي أعتبره بمثابة أبي الرَّوحي في الكتابة.

في الكليَّة كنتُ ما زلتُ أكتب باسم الفارعة وسأكتب به حتى قبل نشر قصتي الأولى في الصحف بقليل. أكتب كل يوم على ورق من القطع الكبير، وألصقه في لوح إعلانات الكلية، في البدءِ كان الجميع يمرون وشيئاً فشيئاً صار البعض يقف ليقرأ، وكبر التجمُّع وزاد مع مرور الأيام وزادت التساؤلات: من هي الفارعة؟ كنتُ أتوارى خلف ذاك الاسم، لا بسبب أن أستمع لردودٍ موضوعية عن كتاباتي، هذا التحايل بعيداً عن ذهني حينها تماماً، بل تواريَّ متَّسق مع الإرث الثقيل والظالم للمرأة في بلادي، الذي ينظر إليها ككائن يجب ستره أو إخفائه.

عند نشر أول قصة لي، بالأحرى قصتان في الملف الثقافي لصحيفة الصحافة في أكتوبر 2001 ابتهجتُ وابتهج أهلي الذين تعايشوا مع واقع أنني أكتب وقبلها نشرتُ على الإنترنت العديد من القصص. مع ذلك، لم أجرؤ على وضع صورتي ككل الكتاَّب مع عمودي الأسبوعي في الملف الثقافي بصحيفة الأضواء الذي شرعتُ في كتابته عام 2003، كنتُ متهيِّبة من نشر صورتي على الملأ في البدء -سيذبحني أخي الذي كان قد اغترب في السعودية -، ثم صار التهيَّب بمرور الوقت تردداً، إلى أن حسمتُ أمري في النهاية ونشرتُ صورتي، هذه هي أنا، ولستُ مجردٍ اسم أحمله، امرأة سودانيَّة كاتبة تبرز هويتها وصورتها ولا تبالي.

ولأن الكتابة ارتبطت عندي بأنها نشاطٌ سرِّيّ فإنني حتى الآن لا أستطيع أن أكتب وهناك عينٌ تراقبني، أو حتى محتمل أن تقع عليَّ أثناء كتابتي. أكتبُ في عزلة، أختبئ وأمارسُ طقسي الحميم جداً، المحرَّم سابقاً، متعتي الكُبرى. سيكون ترفاً ومنحةً باذخة لن أتخيلها: أن أكتب في مقهى، أو في الهواء الطَّلق مطلةً على النَّيل الأزرق في شارع النَّيل بمدينتي ودمدني، أو حتى أن أكتب في صالة مطار حيث الكلّ غرباء، حيث الكل عابرون. لن أستطيع هذا؛ لأن الكتابة ارتبطت لدي بالخفاء والعزلة والتَّكتم، أو ربما لأنها جنوني بالغ الخصوصيَّة، والأكيد أنها لعبتي السِّريَّة.
دَعوا أزهار البنات تنمو، فإنها تجمِّل الوجود وتهبه ألوان الحياة.
✍🏾 رانيا مأمون
الديمقراطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..