غير مصنف

تيارات محو دولة السودان التاريخية

يوسف السندي

يقاسي السودانيون معا مخاض بناء الدولة ويظن الكثيرون أن الدولة التي تركها نظام البشير غير قابلة للاصلاح ويريدون أن يغيروا كل ما فيها، بينما يظن آخرون أن الدولة السودانية (القديمة) برمتها منذ الاستقلال إلى اليوم غير صالحة للاستخدام، قليل فقط من يرى أن البناء على الموجود لا يضر وان الاستفادة من المتاح سواء من دولة الكيزان او من امتدادات دولة السودان التاريخية لا يعني إعادة إنتاج لهما، فلكل وقت ومقام حال ولكل أوان وزمان رجال.

هذا هو الصراع الذي يدور حول الدولة الجديدة الآن، وهو للاسف صراع لم يتبلور في منظور فكري وإنما هو صراع هتافي احتجاجي في معظمه، يريد أصحابه بتغيير الإنقاذ محو الإسلاميين من خارطة السياسة والوجود في السودان، وبمحو الدولة القديمة يريدون محو السيد الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني وغيرهما من القادة التاريخيين من الوجود، مع انهم يعلمون أن الإسلاميين تيارات متعددة وكيان كبير لا يمكن بأي حال حصره في الإنقاذ وتاريخها، ولا يمكن بناء دولة على أنقاض محو تيار سياسي تاريخي مهما تعاظمت الأخطاء التي وقع فيها، كما ان تغيير الدولة القديمة ومحو قياداتها من خارطة السياسة عمل غير قانوني ولا يسنده عقل ولا منطق، فهؤلاء الهتيفة لا يملكون إجابة محددة بالأسباب التي تجعلهم حانقين وناقمين على الأحزاب السياسية التاريخية ورموزها، هم يعلمون فقط في نقطة من نقاط اللاوعي داخلهم انهم فاشلون، كيف؟ ولماذا؟ وما الدليل؟ ليس لديهم إجابات.

هذه الطريقة في معالجة أزمة الحكم غير صحية ومدمرة، وهي مقاربة وجدت في الشارع السياسي السوداني بسبب تحشيد الجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي اغفلت منتوج المفكرين الجاد واتجهت إلى (لايفات) التحديات والأفكار المتناقضة والطريقة السوقية في بناء الوجدان الوطني، بالإضافة إلى صعود نجم الكتابة الابتذالية لتحل محل النقد الموضوعي، وكل ذلك جعل الساحة السياسية شبه خالية من المنتوجات الفكرية المتماسكة التي تمثل بوصلة تهدي الجماهير في طريقها نحو بناء الدولة الجديدة بعد الثورة.

يعتبر الغربيون أنهم أكثر تأهيلا من سكان العالم الثالث، لذلك يبادرون من هذا المنطلق في مساعدتهم على التطور وبناء دولهم، حتى ولو ادى ذلك إلى غزوهم كما حدث في العراق وافغانستان، يعتبر الغربيون ان تجربتهم ثرة ومتماسكة والدليل على نجاحها هي دولهم نفسها، فهي دول متطورة وتعيش في سلام، بينما دول العالم الثالث متخلفة وغارقة في الحروب والنزاعات. رغم مافي هذا المنهج من استعلاء وتدخل سافر في شئون الغير ولكنه في نهاية الأمر منهج مدعم بالتجارب، ولكن ماهي التجربة التي يملكها أصحاب تيارات المحو؟! أين جرب هؤلاء هذه الدولة التي في مخيلتهم؟ أين صنعوها؟ ومن اي مادة؟.

لا يمكن بناء دولة حديثة بهذه الطريقة المضطربة، يلزمنا الكثير لكي نصل مرحلة اثارة النقاش الجاد والمثمر الذي يقود إلى برنامج وطني متفق عليه، وحيث أن الوسط السياسي في (جوطة شديدة) فالطريق لن يكون سوى عبر اقامة المؤتمر القومي الدستوري.

يوسف السندي
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..