مقالات وآراء سياسية

” سودان الثورة بين تطبيع الجمهوريين والعسكريين “

ناجي محمد نوراني

يوحي عنوان مقال د.النور حمد “التطبيع واستقلالية القرار السوداني” بأن هناك علاقة تلازم بينهما وأجدني وإن كنت أتفق معه أن استقلال قرارنا هدف يجب السعي إليه إلا أنني أرى أن ما ذهب إليه سيأخذنا في الإتجاه المعاكس للإستقلال. يجلي المقال ما أوحى به العنوان بشواهد تاريخية وتحليلية فكيف يُعرف المقال الإستقلال وكيف يُطبقه على التطبيع؟

إستقلال القرار السوداني عند د.النور:
عرفه ب “الجرأة على الخروج على الهيمنة العربية التاريخية على القرار السياسي السوداني.” فهو يعتبر أن (الخروج) على الإجماع العربي بالتطبيع مع إسرائيل هو دليل على استقلال القرار مع إيلاء نوع من الأهمية على (منافع مؤكدة) من التطبيع.

بداية هذا فهم غير سليم لمعنى استقلال القرار، ومِنْ ثَمْ فإِن الدكتور طبق ذلك الفهم بصورة خاطئة على قرار التطبيع فكأنه زَادَ فِي الطِّينِ بَلَّةً. نبدأ بالتطبيق لأن الخطأ فيه أوضح للعين المتفحصة: قرار التطبيع لو أُتخذ في (الستينات أوالسبعينات ) من القرن الماضي كان آنذاك خروجاً على الإجماع العربي القاضي بمقاطعة إسرائيل وتحرر من الهيمنة (المتوهمة) على القرار السياسي السوداني. بينما اتخاذ قرار التطبيع (الآن) هو عين ارتهان القرار السوداني للقرار الخليجي و الخضوع لإبتزاز الريال والدرهم وانصياع للضغوط الأمريكية. فالسودان بالسير في طريق التطبيع كما هو مطروح الآن يدخل تحت هيمنة محور إقليمي خليجي أضيق بالتأكيد من الإجماع العربي السابق الذي يُنفر منه المقال.

ويتجلى الفهم غير الناضج و غير السليم لمعنى استقلال القرار السوداني في تصوره على أنه نوع من التمرد المراهق ومخالفة من أجل المخالفة. ويشي نوعاً ما بالإِحساس بالدونية تِجاه الآخرين مما يدفع إلى اتخاذ مواقف – بِغضِ النظر عن صوابها – فقط لإثبات النفس أمامهم.

إستقلال القرار السياسي السوداني يعني أن يُتخذ على منطلقات سودانية وهذه المنطلقات تشمل إلى جانب المصالح السياسية والاقتصادية المختلفة مبادئ السودان وثورته من حرية و سلام وعدالة ومحاربة العنصرية. وقد غاب هذا الفهم الشامل والمبادئ العليا لدى المطالبين بالتطبيع. أما موافقة أو مخالفة دولة أين كانت: أفريقية.. إسلامية.. عربية..أوروبية أوغيرها من منظمات دولية أو إقليمية فيتراجع إلى مرتبة هامشية فما هو بالهدف الذي يسعى إليه أو خطر يهرب منه واضع القرار السوداني.

السودان والتطبيع مصلحة أم خطر:
بعد أن وضحت أن التطبيع هو عين الإرتهان للآخرين نتساءل هل لنا فيه منفعة قبل أن نجزم مع الدكتور بأنها مؤكدة؟ ضربت المقالة أمثلة على المنافع المرجوة. أولها سياسي وهو رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. كشفت الأيام بأن رفع اسم السودان من القائمة (هدف مشروع ومصلحة حقيقية لنا) غير مشروط بالتطبيع وإن كان عامل مساعد. ولا أدل على ذلك من أن وزير الخارجية الأمريكي بومبيو- الذي رُفضت ضغوطه في الخرطوم – حث المشرعين في الكونغرس برسالتين على دعم رفع اسم السودان من القائمة التي أدخلنا فيها الكيزان بسياساتهم الإجرامية الحمقاء.

منافع سياسية:  تصوير المقال لإسرائيل كدولة طبيعية تسعى في علاقاتها الخارجية (بدول المنطقة) لمنافع متبادلة وبالتالي يمكن أن يَجُر التطبيع معها فوائد للسودان تصوير قاصر. فكيان احتلال استيطاني عنصري كإسرائيل ليس من مصلحته الإستراتيجية قيام دول (قوية) أو(ديمقراطية) في المنطقة. فها هي في خضم قبلات وأحضان التطبيع ترفض أن تبيع أمريكا للإمارات طائرات F35 العسكرية رغم حوجة الإمارات لمعادلة ميزان القوى مع عدوتهم إيران. أما مواقف اسرائيل الداعمة للديكتاتوريات في المنطقة فغير خافية على أحد. فليس سراً أنها أيام ثورة يناير في مصر دعت أوباما لعدم رفع الغطاء السياسي عن نظام مبارك المترنح ، وهي الأن أكثر من سمن على عسل مع نظام السيسي الديكتاتوري. أما عن لقاء البرهان ونتنياهو فهو حلقة جديدة في سلسلة دعمهم للديكتاتورين الحاليين أو المحتملين. فاللقاء لا يمكن فهمه إِلَّا في إطار صراع البرهان والعسكريين على السلطة ضد المدنيين وذلك بعدما أظهرت مليونية 30 يونيو حجم الرفض الشعبي لهم فسعوا الى موطئ قدم بطلب ود أمريكا عبر السمسار الإسرائيلي. لكن المتغطي بالإسرائيليين عُريان فأعلن نتنياهو عن اللقاء لمكاسبة السياسية الآنية كاشفاَ سوءة البرهان السياسية أمام شعبه.

التاريخ يقدم دلائل على أن دعم إسرائيل لعدم الإستقرار في السودان قديم. فمنذ لقاء جوزيف لاقو بقولدا مائير تواصل الدعم الإسرائيلي العسكري للتمرد لا كحركة تحرر – كما يتبادر لبعض الأذهان – ولكن كعامل اضطراب للسودان. فقد سعت لإجهاض مفاوضات السلام بين نظام نميري والحركة بقيادة حليفها جوزيف من خلال نصح الوفد الجنوبي بالمطالبة بالمزيد من التنازلات. لكن جوزيف بحسه الوطني وقع إتفاقية السلام عندما وجد أن مطالبه العادلة تمت تلبيتها وضد رغبة أعداء السلام الإسرائيليين. وثائق امريكية عن نميري (31): اتفاقية الجنوب: واشنطن: محمد علي صالح

http://www.sudanile.com/index.php/%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82/4590

منافع اقتصادية : تفضل إسرائيل التعامل مع أنظمة فاسدة لتستطيع تمرير أهدافها و دونك صفقة الغاز حيث باعت مصر غازها لاسرائيل بأقل من 1.5 وهو أقل من سعر التكلفة 2.75 بل و ردت حكم المحكمة التي قضت ببطلان الصفقة. لا أظن أن د. النور يرى أن لنا أي مصلحة كسودان الثورة في علاقة ببلد تدعم الطغيان العسكري وعدم الاستقرار والفساد وتجاوز حكم القانون.

السودان الذي يسعى لتضميد الجراح العنصرية التي عمقها نظام الكيزان في دارفور-  يدعوه عامل إضافي على بقية دول المنطقة لرفض التطبيع وهو عنصرية إسرائيل تجاه السود واعتبارهم مواطنين درجة ثانية. وليست مظاهرات اليهود الافارقة العارمة بعشرات الالاف عام  2019  عنا ببعيدة. وهي ليست حادثة معزولة فقد سبقتها عام 2015 مظاهرات عندما ضربت الشرطة الإسرائيلية جندي إسرائيلي أثيوبي حتى الموت.

عنصرية إسرائيل تجاه الفلسطينيين والسود كعنصرية جنوب أفريقيا أيام الأبارتهايد. لذا فالدعوة لمقاطعة إسرائيل كدعوة أخلاقية جذبت لها دوائر أكاديمية أوروبية لا هي بالعربية ولا الإسلامية. وامتدت دعوات المقاطعة إلى الإقتصاد بالمطالبة بتحديد مصدر المنتجات الإسرائيلية فإن كانت من الأراضي  المحتلة منعت من الدخول.

فالتطبيع مع إسرائيل خصماً على المدنية والاستقرار ومكافحة العنصرية وفي كل ذلك خطر مؤكد على السودان لا مصلحة.

التطبيع بين محمود والجمهوريين:
الأصوات الجمهورية الأخيرة (الناطق الرسمي للخارجية حيدر بدوي و د.النور) المنادية بالتطبيع ليست إعادة تعبئة لخمر محمودية في أواني جديدة، بل في أنية صدئة لمصلحة مُتوهمة. فقد” دعا الأستاذ محمود محمد طه ، وفى قمة فوران المد القومى العربى الذى قاده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، الى الصلح مع اسرائيل على أساس الاعتراف المتبادل ، وحل قضية فلسطين عبر التفاوض” (https://www.alfikra.org/page_view_a.php?page_id=1 )موقع الفكرة الجمهورية. فشهيد الفكر ربط بين الصلح مع إسرائيل بحل القضية الفلسطينية وهو بهذا عبر عن جانب أخلاقي و مبدئي في التعامل مع القضايا السياسية في حين غاب كل هذا عن المطبعين الجدد طمعاً في المصلحة. ونذكر هنا بحكمة الإمام ابن عطاء السكندري رحمه الله  “ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع …”

بل نكص المقال إلى الدعوة لعدم نصرة “حق لا يقف معه أهله أنفسهم” فرهن الوقوف مع الحق بالواقفين معه. فهل كانت النخبة السودانية مصيبة بترك محمود يقف (وحيداً) في المحكمة؟ مدافعا عما يظنه حقاً أم نقول أنه خلد إسمه بموقفه هذا في أنصع صفحات التاريخ في درس يجب أن نتعلم منه جميعا بغض النظر اتفقنا أو اختلفنا مع أفكار محمود . وترك النخبة السودانية تواجه الإدانة الأخلاقية بعدم الدفاع عنه. ودونك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).

أما تَخْطِئة موقف الرافضيين للتطبيع بسبب مواقف غيرهم (اليساريين بسبب الإتحاد السوفيتي و السيد الصادق بسبب أسلافه والإسلاميين بسبب موقف قطر وتركيا) فهو اعتراض لا وجه له حتى يرد عليه. وهل لذلك أتخذ الجمهوريين الموقف الداعي للتطبيع لأن سلفهم الفكري دعا له؟ ويا ليتهم التزموا بأفضل ما فيه. ولنا أن نطالب الجمهوريين بالاستقلال عن الأراء المحمودية الى النهج المحمودي المعلي من قيمة الحق فيكون لهم إسهام حقيقي كما كان له.

اللاجئون السودانيون في إسرائيل:
سودان الثورة له التزام أخلاقي تجاه مواطنيه الذين هربوا إلى إسرائيل من  جحيم حرب البشير في دارفور. فتقديم خدمات لهم من إصدار جوازات وخلافه واجب على دولة تسعى لأن تكون وطن لكل أبناءها. ويمكن أن يتم ذلك بالتعاون مثلا مع السفارة الألمانية،  أو لو اقتضى الأمر فتح مكتب رسمي سوداني في إسرائيل لتقديم خدمات للاجئين لتسهيل دخولهم وخروجهم للسودان في زيارات أو عودة نهائية. مع إلغاء حظر السفر إلى أي دولة لأن ذلك حرية شخصية لا ينبغي لدولة حريات أن تقيدها. فرفض التطبيع ليس رفض مجاني لا يضع في اعتباره المصالح الحقيقة للسودان ومواطنيه أينما كانوا.

يجدر الإشارة هنا أن رفض مؤسسات الثورة السودانية للتطبيع – شكرا حمدوك و ق ح ت – موقف وطني ودليل على عدم الارتهان للخارج. فيجب على كل من يعارض الثورة وقواها من منطلقات إسلامية أن لا يجرمه الشنآن عن أن يعدل فيرى الموقف الأخير موقف مشرف يدعوه لمراجعة عداءه للثورة فذلك أقرب للتقوى. أما من أماتت السلطة والفساد قلوبهم من الكيزان فهم لا يفقهون.

د. النور حمد بما له من علم وقلم يعد من المفكرين المؤثرين لذا المسؤولية على عاتقه كبيرة في توجيه الرأي العام الوجهة الصحيحة. كان يمكن لدعوى التطبيع أن يكون لها شيء من المعقولية لو كانت حكومة إسرائيل الحالية باحثة عن السلام لكن في ظل حكومة ليكودية يمينية فمد اليد لها قرار يتجاهل الحقائق على الأرض وتلك هي المثالية التي رفضها مقال الدكتور.

خلاصة:
بذات الضمير الذي رفض ظلم الكيزان وفسادهم وعنصريتهم وثار عليهم نرفض التطبيع مع دولة ظالمة وفاسدة وعنصرية لا تجر العلاقات معها إلا إلى مخاطر حقيقية من عدم استقرار وديكتاتورية وفساد. ولا يخيفنا رفض الكيزان التكتيكي للتطبيع من أن نلتزم جانب الحق والمصلحة وذلك هو الاستقلال الحقيقي إستقلال عن الخوف والطمع.

م. ناجي نوراني..
قاص و كاتب

<[email protected]>
كندا  22/9/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..