مقالات وآراء

عشم إبليس

إسماعيل عبد الله

 

     ألرجيم إبليس لا يدخل الجنة ولن يجد ريحها لأنه طريد ومغضوب عليه من رب الكون، وكذلك هو حال جماعة حزب المؤتمر الوطني المحلول وشركائهم وحلفائهم، لأنهم طردوا وغضبت عليهم جموع جماهير الشعوب السودانية بعد تجربتهم المأساوية والفطيرة في حكم البلاد، والرغبة أو المحاولة من قبلهم للعودة إلى المشهد السياسي ليست سوى عشم لإبليس اللعين بدخول جنات الخلد، وضغث من أضغاث أحلامهم اليقظة التي تغشى خيالاتهم الواهمة، فمثال زوال الحكم والسلطان كما قال عنه الحكيم الكردفاني الفاضل الجبوري، كالحصان الجامح الذي إن أفلت حبل لجامه من بين يديك يصبح من المستحيل عليك اللحاق به، لقد جاهد واجتهد إخوان الترابي من أجل عرض الحياة الدنيا فدانت لهم الفانية إلى حين، ثم قلبت لهم ظهر المجن فأذلتهم من بعد عزّة زائفة، و قهرتهم وراء القضبان رداً للدين الذي قهروا على إثره شعبهم الأبي الأشم والكريم المضياف.

     ألضائقة الإقتصادية والأزمة المعيشية في أوج ذروتها الآن، والغضب الشعبي عارم و جيش الشعب الواقف على أرصفة الطرقات عرمرم، والضنك والعنت والمشقة والحرمان الذي يكابده الشارع، لن يجعل من الجلّاد منصفاً ولا يغلّب كفة عودة من كان السبب، ومن المحتمل أن يتم إسقاط حكومة حمدوك ومجلسها السيادي كما أسقطت الحكومة البشيرية الترابية القابضة، وربما يأتي من هو أكثر رحمة ورأفة بالعباد الذين رزحوا تحت نير كذب وانتهازية الساسة زماناً، لكن ليس من صفر الإحتمالات أن يصعد المتاجرون باسم الدين إلى المنصة مرة أخرى، أو يعود وكيل من وكلائهم عبر حصان طروادي كذوب آخر، فأقلام القدر الراسمة لمصير هذه الجماعة الظالمة قد جف حبرها، واليراع الواسم للتوقيع النهائي على مآل حالهم المفضي إلى مكب نفايات التاريخ قد رفع وللأبد، فالنهر لا يعكس مجرى تياره وكرة الأرض لن تدور عكس إرادة مقدر أقدار الزمان ومعد أزمان السنين والشهور والأيام.

     ألنفوس الضعيفة لا تقوى على إشعال فتيل الثورة ولا تصبر على نضوج ثمارها على هدوء النار، والجيفاريون يقولون أن الثورة لونها أحمر قاني كلون دماء الشهداء، وأن الثائرين تهيم قلوبهم عشقاً وحشياً بها، ويصطبرون على حر جمرها الملتهب حتى يصقل أبدانهم الفولاذية، وأما الذين تخالجهم الظنون من الانتهازيين والوصوليين وتدغدغ خلجات أنفسهم الأخبار المغرضة، والشائعات اليائسة عن موت باكورة هذه الزهرة الصبية، عليهم الإتعاظ والإعتبار إن كانوا متخذين من الحكمة سبيلاً، فوالذي نفسي بيده لم أجد للمثل القائل (لو دامت لغيرك لما آلت إليك) تجسيداً عملياً، إلا في مشهد استنطاق قاضي المحكمة للمتهمين الذين كانوا بالأمس يتوعدون الناس بلحس الكوع وقطع الرقاب و اطلاق نار كتائب الظل، ولعمري هذا الحلم الذي أصبح واقعاً حري بأن يكون دافعاً لمن اعتلوا الكراسي الإنتقالية  لأن يستميتوا في الوفاء لدم الشهيد المعلّق دينه على رقابهم، إنّه الدم الممسوح على درج سلالم القصور التي تدوسها أقدامهم صباحاً ومساءً.

     ألشرعية الثورية تخول الثائرين لكي يقتلعوا جذر الطغيان من اليوم الأول لأكتساح البائدين، وتمنحهم الحق في أن يخمدوا نار بؤرة الكتائب المهددة لأمن وسلامة المواطن الأعزل، ولولا خضوع الثوار لموجهات شعارهم الأنيق (سلمية…سلمية) للحق الموجودون في قفص الإتهام اليوم بالمصير الخازوقي للبابليين على أيدي جنود الملك الفارسي داريوس الأول، وحينما يقول القائلون بضرورة تضمين أحداث وإحداثيات ثورتنا المجيدة رفوف المكتبات ودواليب دور البحث الأكاديمي، لم يأت هذا المقترح اعتباطاً وإنّما جاء كمحصلة طبيعية لنبل الشعار الداعي للسلم والحكمة، والذي علّم الآخرين ما لم يكونوا يعلمون وأناخ البعيرالثوري الهائج والطائش لهؤلاء الآخرين، عندما أذاقهم طغاتهم بشاعة الأذى ومرارة الأضطهاد في حر الصيف وجليد الشتاء والتهمت لحومهم الأسود الجائعة، فهذه العاصفة الثائرة التي دشنها شيب وشباب السودان في ذلك الشهر الديسمبري الشهير من شتاء العام الخاتم للعشرية الثانية من القرن الحاضر، لا ينطفيء ضوء جذوة مشعلها مهما تكالبت النفوس المنهزمة على قصعة السلطة الإنتقالية.

     ألفيصل بين الشعب الثائر والشارع المتروس هو أداء الحكومة، الذي ترهل بسبب السير السلحفائي في الإجراءات القانونية لقضايا القصاص، وانعدام الكفاءة المهنية وبرود الروح الثورية للوزارء ورئيسهم، وليعلموا بأن رحم حواء السودان ما زال ولوداً إذ أنه لم ولن يكون الماثلون أمامنا في المشهد السياسي والسلطوي اليوم، بالأولين ولا الآخرين في ترتيب قائمة بنات وأبناء الوطن الأبرار، ولكي يكونوا على قدر مقام هذه الحسناء الطاهرة (الثورة) التي سلبت الألباب وأوقعت بالقلوب، عليهم تقديم الأنموذج الذي كان متخيلاً في ذهن الثائر عندما كان يستقبل الرصاص المميت بصدره العاري، فالصورة الزاهية واللوحة الباهية والرومانسية لكل من حمدوك ومدني والبوشي وفيصل ومفرح التي كانت، قد أصابها الغبش والعطب والبلل والتلف وهي بحاجة ماسّة إلى أن تنظف مما علق بها من أثر الغبار وذرات الأتربة، الناجمة عن تقاصر قاماتهم وفشلهم في رفع هممهم والنهوض بها لمعانقة طموحات الثوار بمقاماتهم السامقة ومكاسبهم السابقة.

إسماعيل عبد الله

[email protected]

25 سبتمبر 2020

 

تعليق واحد

  1. اخشى انك تبلع كلامك ده بأسرع مما تتصور.
    شعبية حمدوك وقحت أصبحت في الحضيض أو خلينا نقول لم يعد هناك من مواطن يؤيدهم الا منتفع مباشر او غير مباشر أو مؤدلخ.
    عموما حاليا شعبية المؤتمر الوطني أعلى بكثير من شعبية قحط ومع كل يوم يمر يكفر الناس أكثر بقحط وحمدوكها وسدنتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..