مقالات وآراء سياسية

مقترحات لعلاج الأزمة الاقتصادية  

يوسف السندي 

في ظل إنعقاد المؤتمر الاقتصادي القومي، يكون جيدا ان نبحث جميعا ونقدم أوراق ورؤى وتصورات تساعد الحكومة الانتقالية على الخروج من الأزمة الاقتصادية، وفي ذلك هذه مقاربة مختصرة تستطلع تاريخية الاقتصاد السوداني وأسباب الأزمة الراهنة وبعض الحلول التي يمكن أن يستفاد منها في معالجة الأزمة الاقتصادية.
تاريخيا ظل الاقتصاد السوداني يعتمد على الإنتاج الزراعي بشقيه المروي والمطري والثروة الحيوانية كمصادر أساسية للدخل القومي، ثم ظهر النفط في السودان في بدايات هذا القرن إبان حكم النظام البائد، محدثا نقلة اقتصادية ترافقت مع تدفق بعض الاستثمارات الأجنبية، مما قفز بالناتج المحلي إلى مستويات تاريخية. اعتمد النظام البائد كليا على البترول كمصدر أساسي للدخل القومي وأهمل مصادر الدخل الاخرى الزراعية والحيوانية، أكبر خطأ ارتكبه نظام الإنقاذ كان هو عدم استثمار عائدات البترول الضخمة في تنمية القطاعات الإنتاجية الاخرى بالبلاد وخاصة القطاعات الزراعية والحيوانية، لو صرفت أموال البترول في توفير التقانة الزراعية وتقانة الإنتاج والتصنيع الحيواني والعمل على الوفرة الإنتاجية وتقليل تكلفة الإنتاج وتطوير وتسهيل وسائل النقل والشحن والتخزين، لربما لم يشهد السودان أزمة اقتصادية، ولكن نظام الجماعة الواحدة تجبر وتكبر وعلا في الأرض بأموال البترول، حتى اذا جاء انفصال الجنوب وخرج البترول من المعادلة الاقتصادية دخل اقتصاد البلاد في الأزمات المتلاحقة التي قادت ضمن أسباب أخرى إلى الإطاحة بالنظام إلى مذبلة التاريخ.
 الاقتصاد السوداني حالياً يعاني من اختلالات مؤثرة تتمثل في العجز في الميزان التجاري، زيادة معدل الديون الخارجية، وإنخفاض سعر صرف العملة المحلية الذي أدى الى ارتفاع التكلفة الإنتاجية وتراجع قيمة الصادرات و ارتفاع معدلات التضخم، وانعكس كل ذلك على حياة الناس اليومية ارتفاعا في الأسعار و عجزا في المرتبات عن الإيفاء بمتطلبات الحياة الضرورية للمواطنين .
يمكن إجمال الأسباب التي أدت الى الحالة الاقتصادية الراهنة في الآتي:
• فقدان العائدات النفطية بانفصال الجنوب وانخفاض عوائد القطاعات الإنتاجية الأخرى.
• تراجع قيمة الصادرات مما أدي إلي انهيار قيمة العملة الوطنية وإلي ارتفاع معدلات التضخم، وإنخفاض احتياطي الدولة من النقد الأجنبي .
• عجز الميزان التجاري حيث قاد انهيار سعر صرف العملة المحلية الى ارتفاع التكلفة الإنتاجية مما قاد الى تراجع قيمة وحجم الصادرات .
• تراكم الديون الخارجية التي فاقت مبلغ 55 مليار دولار أمريكي.
• ضعف قدرة الدولة على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
• تفشي البيروقراطية في الخدمة المدنية، وانتشار الفساد المالي والإداري في ظل نظام الانقاذ.
• الاضطراب السياسي بعد إسقاط المخلوع، والتشاكس بين وزارة المالية واللجنة الاقتصادية للحاضنة السياسية.
• ضعف مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.
• ارتفاع نسبة البطالة.
• الزيادة السكانية غير المتوافقة مع النمو الوطني مما اثر على معدل نمو دخل الفرد.
• انهيار مشروع الجزيرة .
بالنظر إلى اسباب الازمة الاقتصادية أعلاه نستنتج أن الازمة ناتجة عن أسباب متعددة، وهي بالتالي ازمة مركبة ومعقدة ولا يمكن علاجها بسهولة، وانما يحتاج علاجها لبرنامج متكامل سياسي – اقتصادي، توفر له المقدرات والإرادة ويختار له إدارة منسجمة تقود البلاد من وضع الازمة الى وضع التوازن والنمو. وفي سبيل إنجاز ذلك نرى أهمية اعتماد السياسات والاليات الاقتصادية التالية :
• تعيين وزير مالية من اهل الخبرة والكفاءة، ويدعم بهيكل وزاري اقتصادي من اصحاب الكفاءة والفاعلية والانحياز للمصلحة الوطنية الكلية بعيدا عن الانتماء والمحاصصة السياسية، وتفويض وزير المالية تفويضا كاملا على المال العام بدون تدخلات تقيد من نفوذه او تضاد سياساته، سواء من المجلس السيادي او من الحاضنة السياسية.
• وضع استراتيجية وطنية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى بمشاركة كل مكونات المجتمع حكومة ومعارضة واتحادات منتجين ومصدرين ورجال اعمال مستقلين وأصحاب الدرجات العلمية في الاقتصاد والإدارة من عضوية لجان المقاومة، تحدد الخطط العريضة للسياسات المطلوب تنفيذها، ثم يتم تكوين مجلس اعلى للتخطيط يتمتع بالاستقلالية والشفافية في تشكيلته من الكفاءات الوطنية المتميزة لوضع تلك الاستراتيجية و متابعة تنفيذها مع الجهاز التنفيذي الاقتصادي.
• تحديد الخيارات التنموية بعيدا عن العشوائية والمزاجية مع الوضع في الاعتبار مطالب المجتمع وطموحاته التنموية .
• تنويع القاعدة الإنتاجية مع التركيز في المدى القريب على الناتج الزراعي ( بإحياء مشروع الجزيرة ) والحيواني والذهب والسياحة و الاستثمار.
• إصلاح القطاع الضريبي وقطاعات الإيرادات الأخرى من جمارك وذكاة وغيرها.
• إعادة هيكلة الخدمة المدنية، بما يجعلها محلا للكفاءات المتخصصة والعمل الجاد والمنضبط، مع إقرار أجور تتناسب وقيمة الجهد والإنتاج والأثر الكلي.
• الاستثمار في الموارد البشرية باعتبارها راس المال المتجدد والضامن لاستدامة التنمية، وذلك من خلال احداث تغيير نوعي في المناهج التعليمية، والاهتمام بالتدريب في المؤسسات الحكومية والخاصة واعتماده كبند لازم للتوظيف والترقي والحوافز .
• العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية، من خلال تهيئة المناخ المحفز للاستثمار وإزالة المعوقات البيروقراطية وسن التشريعات الاستثمارية المتطورة التي تجعل من المستثمر الأجنبي شريكا في سد الاحتياجات الوطنية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
• دعم المشاريع الوطنية الخاصة، وتشجيع رأس المال الخاص، ودعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة ورعايتها بالحوافز والاعفاءات.
• إعادة حصر وتجميع كافة أصول وموارد الدولة ويتضمن ذلك الأراضي البرية والبحرية ومنع التصرف فيها وإعادة تخطيط وتحديد المناطق السياحية والسكنية والصناعية والتجارية .
• العمل على الاستفادة من موقع السودان كنقطة ترانزيت مثالية للتجارة بين وسط وشرق افريقيا وشمال افريقيا وبين غرب افريقيا والبحر الأحمر، و ذلك بتخفيف القيود الإدارية والجمركية والأمنية والعمل على ضمان الانسياب السلس للتجارة والبضائع في الاتجاهات جميعا.
• تقليص هيكل الدولة بالعودة الى نظام الأقاليم ( إقليم الخرطوم، الإقليم الأوسط، الإقليم الشمالي، الإقليم الشرقي، إقليم كردفان، وإقليم دارفور ) .
• العمل الجاد على وقف الحرب وإحلال السلام، من أجل ضخ ميزانية الحرب في التنمية.
• التوقف عن تجنيب المال العام، و اعتماد ولاية وزارة المالية الكاملة على كل المال العام بما في ذلك شركات القوات المسلحة والأجهزة الامنية وتحكمها بشفافية في اوجه صرفه.
• العمل على الخروج سريعا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
• بذل المزيد من الجهود لإقناع المجتمع الدولي بإسقاط ديون السودان الخارجية عبر مبادرة الهيبك.
• توجيه ما لا يقل عن ٥٠%  من الميزانية نحو انعاش الاقتصاد من خلال دعم الإنتاج والقطاعات الإنتاجية وتحسين مستوى الأجور واستيراد ضروريات المعيشة للمواطنين، وتوفير الخدمات الهامة مثل الصحة والتعليم والكهرباء ومياه الشرب النظيفة والمواصلات .
• ترشيد دعم الوقود.
• العمل بقانون إبراء الذمة قبل تولي المناصب في أجهزة الدولة وبعد مغادرتها، والعمل على الفصل الصارم بين الوظيفة العامة والأعمال الخاصة ووقف التداخل والتأثير المتبادل بينهما على كافة مستويات الأجهزة التنفيذية والوظيفية.
يوسف السندي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..