مقالات سياسية

همسات من جيلٍ مودعٍ فى آذان البرهان وكباشى وآخرين 

صلاح الدين محمد الأمين

ماذا يربد هؤلاء من بلادنا

 الجزء الأول (1/2)

همسات من جيلٍ مودعٍ فى آذان البرهان وكباشى وآخرين
(مع حفظ الألقاب) 

لم تهدأ العاصفة  ولم يهدأ البال  ولم تطمئن القلوب منذ أن فجّر الفريق البرهان قنبلته  بزيارته السرية الى يوغندا( فى فبراير الماضى) واجتماعه فى عنتبى برئيس وزراء اسرائيل” نتانياهو” المأزوم فى بلاده قضائياً وسياسياً فهى الزيارة التى  لم تهز العواطف فحسب بل هزت الوطن ووضعت مستقبله على شفا جرف هارٍ نسأل الله الا ينهار به الى نار جهنم ،فالأمر يتعدى التطبيع أو عدم التطبيع مع اسرائيل أو غير اسرائيل بل يتعلق بالوطن وبثورة شباب السودان التى لم ير العالم لها مثيلاً  كما تتعلق بدماء الشهداء ممن ووريوا الثرى أو ابتلعهم النيل وجثامينهم مثقلة يالحجارة “وبلوكات الأسمنت”، فاللقاء رتبت له جهاتٌ لا تريد الخير للسودان وشعبه ولأجنداتٍ خاصةٍ بها وبمصالحها  ، جهات تحركها أول ما تحركها  مخاوفهم من ثورة شباب السودان وتأثيراتها ورجع صداها لديهم .

عدد من الدول التى يجمعنا بها الجوار أو تجمعنا بها عرىً أخرى تخشى وجود حكم مدنى ديمقراطى مستقر فى السودان يقود السودان الى نماء وازدهار ولذلك تعمل على تقويضه لحسابات تخصها ، ومعظم هؤلاء  لا يعرفون تاريخ السودان  وبعضهم لا يريدون معرفته ومنهم من لا يعرف خصال الشعب السودانى الذى وصفه الشاعر  صلاح أحمد ابراهيم (فى لقاء صحفى نقله راديو مونت كارلو فيما أذكر) وصف  الشعب السودانى بأنه كالجمل الذى  يصبر على الأهوال ولكنه عندما يثور فويل لمن يثيره ، ولذلك نقول للجميع انه من الخير لهم أن يتعاملوا مع شعب السودان وأن يحترموا خياراته والّا يفكروا مطلقاً  فى الانحياز الى جلاديه ومحطمى مستقبله وتطلعاته، ويكفى هنا أن نشير الى أن أول من هلل وأحتفى بانقلاب الانقاذ كان رئيس الجارة الشمالية والذى هبطت طائرته فى مطار الخرطوم قبل العاشرة  من صباح الثلاثين من يونيو1989 المشؤوم  معترفاً بالانقلاب  ومهنئاً نفسه ومنفذيه ومن  ثم طار مباشرة الى الشرق ليأتى  لهم باعتراف المملكة العربية  السعودية ودولة الأمارات ظاناً أن هذا هو الانقلاب الذى كان يدبر له ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطيا بعد ثورة ابريل 1985 ، وبقية القصة معروفة اذ احتفل الرجل دون أن يدرى  بالانقلاب الذى كاد أن يفجره داخل سيارته  المصفحة والتى جلبها معه الى أديس أبابا لحضور مؤتمر قمة الرؤساء الأفارقة .

ملامح ومعالم سودانية:

لاؤلئك  ولمن يهمهم الأمر نوجز بعض الملامح عن سودانٍ لا يعرفون عنه الّا القليل

* فللسودان تاريخٌ عريقٌ  موغل فى القدم فى تأسيس وتطوير الحضارة الانسانبة ، فقد  عرف السودان  المدن المخططة منذ آلاف السنين (مدينة مروى البجراوية الى الشمال من مدينة شندى الحالية – حماها الله من تاثير الفيضان ) وبنى الأهرامات وعرف معاهد العلم الكبرى (المصورات الى الشرق من شندى) وعرف تعدين الحديد واستعمالاته منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة حتى عرفت مروى البجراوية عند بعض المؤرخين ب “بيرمنقهام افريقيا” 

  “The Birmingham of Africa”

*عرف السودان  مقاومة الغزو الأجنبى منذ القدم (بل كان هو الغازى فى بعض الحالات ) وفى زمان حديث نسبيا  قاوم السودانيون فى القرن التاسع  عشر  دخول  الجيوش العثمانية بقيادة اسماعيل باشا ابن محمد على باشا (الألبانى)  والى السلطان العثمانى على مصر ، وما زال التاريخ يذكر بطولات القبائل السودانية (نساء ورجالا ) فى الدفاع عن حياضهم فى مختلف حقب التاريخ  أمثال الشاعرة مهيرة بنت عبود ورابعة الكنانية  ومندى بنت السلطان عجبنا ومواقف المك نمر الذى أحرق جيش اسماعيل باشا الغازى وبطولات على عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ وغيرهم فى القرنين التاسع عشر والعشرين .

*كذلك عرف السودان  الحركات الطالبية وثورات الشباب منذ القرن التاسع عشر مع قيام الثورة المهدية والتى بدأت تحركاً طالبياً نواتها طلاب علم (حيران خلاوى قرآن) ثم تطورت حتى أصبحت قوة ثورية عارمة كأعظم ثورة فى افريقيا  وربما فى العالم آنذاك عندما كانت الامبراطورية البريطانية لا تغيب عنها الشمس ،  فاستطاعت هذه الثورة أن تهزم جيش والى الامبراطرية العثمانية على مصر (التركى وليس المصرى – كما يروى خطأ تاريخياً مقصوداً- وان كان معظم جنوده مصريين) وكان هذا الجيش بقيادة بريطانيين من خريجى كلية سانت هيرست – أعظم كلية حربية فى عالم ذلك الزمان – هزمهم ثوار من خريجى الخلاوى فى ثورة شاركت فيها النساء المجاهدات أمثال رابعة الكنانية   وبانتصار هذه الثورة كان السودان أول بلد يتحرر من احتلال الامبراطورية العثمانية بينما ظلت بلاد أخرى محكومة من قبل ولاة  هذه الامبراطرية حتى منتصف القرن العشرين بما ذلك جارتنا مصر والذى كان آخر حكامها الأتراك (العثمانيين ) هو الألبانى الملك فاروق وابنه الطفل أحمد فؤاد الثانى (1952 ).

*يجهل الكثيرون أن دخول الاسلام الى السودان كان بطريقة سودانية اذ كان السودان هو البلد الوحيد الذى هُزِمت فيه جيوش المسلمين ، فجيش عبد الله بن ابى السرح هُزِم بواسطة جيش النوبيين رماة الحدق كما كانوا يوصفون لاجادتهم استعمال السهام مما اضطر ابن أبى  السرح  الى توقيع  ما عُرِف تاريخيا بمعاهدة “البقط” والنطق الصحيح هو “البقت” [بباء مفتوحة وقاف مخففة مكسورة والحرف الأخير صوت بين التاء والدال والكلمة نوبية ( من نوبية أهل دنقلا) وتعنى “القسمة المتفق عليها ” وتأتى   من الفعل”باق” وتعنى “يقسم ” والمصدر هو  “بَقِت” ]، ومن ثم رجع  ابن أبى السرح ليواصل فتوحاته فى شمال افريقيا ،وبعد ذلك  دخل الاسلام الى السودان بالتى هى أحسن خلال قرون عدة ، فلذلك كان اسلام أهل السودان هو الاسلام السمح المتسامح قبل أن يحاول أهل البغى تشويهه.

*عرف السودان الأحزاب السياسية  بمفهمها المعروف حالياً  كما عرف النقابات  والاتحادات  المهنية والطالبية والروابظ  الثقافية منذ ثلاثينيات و أوائل أربعينيات القرن العشرين.

*ابتدع السودانيون أول ثورة شعبية فى العالم تقتلع دكتاتورية عسكرية  (ثورة  اكتوبر 1964 ضد حكم عبود)  وكررها  مرة اخرى لاقتلاع  دكتاتوربة نميرى (ثورة ابريل 1985) ثم كللها بأعظم ثورات الشباب فى التاريخ – ثورة ديسمبر 2018- ,والتى اقتلعت نظاما دمويا غير مسبوق جثم على الصدور لثلاثة عقود وهى  الثورة التى  كان سلاحها السلمية  وشعارها  “حرية – سلام- وعدالة ” وهى الثورة التى اجتذبت أنظار العالم وأعادت للسودان اسمه وسمعته ومكانته اللائقة به على خارطة العالم ، فقد زينت محطات التلفزة العالمية شاشاتها باللون الأزرق – لون هاشتاق أحد شهداء هذه الثورة (الشهيد محمد هاشم مطر) وسميت الحملة العالمية (بدءاً من الدنمارك) ب “الأزرق من أجل السودان Blue for Sudan ”  كما انتشرت صورة احدى الكنداكات (آلاء صلاح) وهى تخاطب  الثوار من على سطح سيارة فى منظر أبهر المشاهدين حول العالم فأخذ البعض يبحث ويجد فى البحث لمعرفة ما كانت تقول هذه  الفتاة ذات الثوب الأبيض  وقد بلغنى أن اسبانياً يعمل فى احدى دول أمريكا اللاتينة أرسل الى مواطن اسبانى آخر يعمل فى قطر( ويبدو انهما كانا يتبادلان الرسائل حول مشاهداتهما عن هذه الثورة الفريدة) أرسل يسأله عن ماذا  كانت تتحدث هذه الشابة ذات الثوب الأبيض والى ماذا يرمز زيها وما كانت تزين بها أذنها الظاهرة من طرف ثوبها  ألذى يغطى راسها ،  فبحث الأخير عن من يعرف من زملائه السودانببن والذى ترجم له بعض الأبيات من قصيدة أزهرى محمد على التى كانت تثير بها “الكنداكا”  حماسة زملائها الثوار وحدثه عن الثورة وعن ساحة الاعتصام  والتى كانت عبارة عن مدينة كاملة من الندوات وأركان النقاش وحلقات موسيقى الثورة وانشطة عديدة ومتنوعة ، وحدثه عن السودان وشعبه .

 ومن الذين أعجبوا بهذه الثورة أحد أعلام أساتذة مادة العلوم السياسية فى جامعة سان فرانسسكو(بروفسور ستيفن زونز  Prof. Stephen Zunes) والذى تابعها بشغف العلماء فكتب المقالات  وألقى المحاضرات فى أنحاء متفرقة من العالم حول : ” ألق الثورة السودانية ” )  (The Brilliance of the Sudanese Revolution]   وجاء الى السودان  زائراً  ليرى بنفسه هذا الشعب المتألق وشبابه هذا العجيب وخلال هذه  الزيارة ألقى محاضرة فى جامعة الأحفاد بنفس العنوان الأثير اليه “ألق الثورة السودانية” يوم 8 يناير2020.

 كان اعتصام الثوار أمام القيادة العامة للقوات المسلحة حدثاً جذب اهتمام العالم شرقه وغربه ،  ليس  من حيث دلالاته السياسية والتنظيمية فحسب بل للمستوى الحضارى الراقى والخلق الرفيع الذى اتسم به هذا الجمع الكبير من شباب السودان ،بنات وبنين، فبالرغم من المحاولات اليائسة التى حاولت بها بعض الجهات تشويه الصورة باستئجار الشواذ والمومسات (ربما بناء على توصيات من مخابرات عالمية أصبحت معروفة وهى التى تتبع للدولة التى طلب منها المعزول الحماية – وربما بتسهيل من شركة فاغنر الروسية المشهورة عالميا (راجع كتاب  مالكوم فانس …The Plot to destroy democracy) وقد تكون هى نفس الشركة التى حملت المعزول الى دمشق يطلب الخبرة والمثال  و الى موسكو يطلب الحماية والعون (تصوروا !) .

 كانت ساحات الاعتصام هى المدينة الفاضلة جسدها شبابنا واقعاًعلى أرض السودان أمام القيادة العامة للجيش السودانى واماكن عديدة اخرى فى جميع أقاليم السودان ومدنه وقراه ، شباب “لو عندك خت ولو ما عندك شيل ”  شباب  ” أرفع يدك فوق  التفتيش بالذوق” شباب يضع  أطفال الشوارع المشردين فى حدقات العيون ويحملهم على الأكتاف  يمسح بأيديهم  دموع من تأثروا منهم بهذا التعامل الذى لم يكونوا يتصورونه  ، شبابٌ كلُ من زار ساحتهم من الآباء والامهات عاد مطمئناً على أن بناتهم وأبناءهم جزء من مجتمع فاضل يقوم بثورة عظيمة ليس لها نظيرفى التاريخ ووضع بصماته على صفحاته  ، وازدادوا اطمئناناً أن بناتهم  فى الحفظ والصون ما داموا بين هذا الجمع الرائع الذى لم يعرف الناس  له مثيلا ، فأصبحت ساحتهم مزاراً للصحافة العالمية والدبلوماسيين الأجانب وكعبةً لسودانيّى الشتات يحجون اليها قبل زيارة ذويهم  و يقبلون ترابها حتى يملأوا صدورهم بعبق ريح سودانهم الذى اضطرهم عهد أسود الى الابتعاد عنه ، وقد انتقلت اسرٌ كاملة بابنائها وبناتها ومن مختلف انحاء السودان وقبائله الى ساحة الاعتصام يحضرون الطعام بانفسهم ومن حر اموالهم المكتسبة حلالا طيبا يقدمونه للمعتصمين الصائمبن فى صيف السودان (ابريل-مايو الى 3 يونيو يوم عار الجيوش التى شاركت فى فض أعظم اعتصام )، وكمثال فقط أقول ان لى شرف الجوار مع ثلاثة من هذه الأسر؛ أولاها والتى انتقلت كاملة الى ساحة الاعتصام  من دار فور وثانيتها والتى  كانت تحمل الطعام يوميا  تنتمى الى  شرق الجزيرة ؛ وهذه الاسرة  أصيب أحد ابنائها فى الاعتصام برصاصة استقرت فى جزء من صدره  يصعب الوصول اليه دون المخاطرة بحياته حسب الامكانات المتاحة محليا وما زال يحملها فى صدره حتى يومنا هذا ونسأل الله أن تتهيأ له فرصة للعلاج الآمن حيث يتوفر، أما الاسرة الثالثة فهى من الموردة بامدرمان وكان ابنها يحمل الطعام يوميا الى المعتصمين  وقد اصيب هذا الابن  اصابة بالغة عند فض الاعتصام والشكر لله فقد شفى الان ، وهذه نماذج (اكرر نماذج فقظ) لتفاعل مواطنين سودانيين فى مساحة صغيرة أبعادها حوالى  200×150 مترا فقط  هى المنطقة التى أسكن فيها ويمكنك -القارئ العزيز- القياس على من يمثلون السودان العريض ! وهل يمكن لأحد ان ينسى منظر ذلك الشيخ النحيل الذى جاء يحمل بيده  “باكت” مياه صحة للمعتصمين وركوض الشباب نحوه احتفاء بمقدمه ؟ يا لروعة المشهد ! وهذه صور من  أجزء صغيرة  من “بانوراما” ميدان الاعتصام الذى غُدِر به وهو على وشك أن يشهد أكبر تجمعٍ لصلاة العيد يحدث  فى أى مكان فى العالم وفى التاريخ بعد أن شهد تجمعات لم يحدث مثلها لصلوات الجمعة والتراويح ، وهنا يجدر بنا أن نذكر أن مسيحيى السودان (الأقباط) كانوا يرفعون ما يستطيعون من مشمعات وشمسيات يظللون بها  المصلين للجمعة لحمايتهم من شمس منتصف نهارات أبريل- مايو ، فيا لعظمة شعب السودان ويا لعظمة  ثورة شعب السودان و شباب السودان فثورتهم لم تكن ثورة جياع أو ثورة خبز بل كانت ثورة قيم ومبادئ وخلق رفيع .

هذه المقدمة مهداة الى الجهات التى لا تعرف السودان ولا شعب السودان والى الذين  يعرفونه و يحاولون أن ينكروا معرفته والجزء الثانى والذى سيلى قريبا ان شاء الله هو عبارة عن همسات نرسلها  فى آذان من يفكرون فى العودة الى دكتاتورية عسكرية سواء أكانوا عسكريين لم يتعظوا من عبر التاريخ أو مدنيين متآمرين يحاولون السباحة  عكس التيار وضد سنن الحياة مختبئين وراء العسكر  لمداراة سوءاتهم خوفا من انكشافها  للعامة والخاصة.

(يتبع)

صلاح الدين محمد الأمين
[email protected]

تعليق واحد

  1. هؤلا الجنرالات ليس لهم عقول لتفهم فهم لا يرون غير النجوم التى زينت بها اكتافهم واصابتهم بالغباء والغطرسه فليبشرو بغضب هذا الشعب الجبار .تبا لهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..