مقالات وآراء سياسية

مشاهد صادمة من المؤتمر الاقتصادي 

يوسف السندي 

مشاهد متعددة في المؤتمر الاقتصادي صدمت الجماهير، أولها تحوله من مؤتمر علمي لمناقشة قضية الاقتصاد بصورة جادة وعلمية إلى ساحة هتاف وتصفيق لا فرق بينها وبين اي شارع في الخرطوم. المداخلات الفطيرة والهتافية افرغت المؤتمر من قيمته الفعلية كمؤتمر قومي ينعقد ليعالج أعقد قضية وطنية في الوقت الراهن وهي أزمة الانهيار الاقتصادي، حتى وصل الأمر بأحد البروفيسورات إلى الصعود إلى المنصة وتوبيخ المؤتمرين وانتقادهم على الفوضى وعدم النظام.
يبدو اننا في السودان نعاني من إشكالية جديدة اسمها الثوار الخارقين، هؤلاء السادة يريدون أن يتدخلوا في كل شيء، ويلبسوا كل الأثواب حتى وان كانت لا تناسبهم!!  هذه الطبقة الجديدة المكونة من متعلمين وغير متعلمين تفترض في نفسها القدرة على حل أي مشكلة سواء كانت في دائرة اختصاصهم العلمي ام لا، وهذا الأمر مهلك وسيقود البلد والثورة لضياع الوقت واهدار الموارد، ويجب أن يحسم، فالذي يهتف في الشارع ويقود مليونية لا يعني أنه يستطيع قيادة قاطرة الاقتصاد، والذي يدير لجنة مقاومة في حي لا يعني أنه يتمتع بقدرات إدارة بلد، على هؤلاء الشباب ان يلتفتوا قليلا لنفسهم ويرتضوا ان لكل خبز خبازه، وأن الرجال الخارقين قد ولى زمانهم.
من مشاهد المؤتمر الاقتصادي الصادمة موضة رفع اللافتات داخل أروقة المؤتمر!! مثلا تم من البعض رفع لافتة مكتوب عليها ( لن يحكمنا البنك الدولي )!! هؤلاء لا يفهمون الفرق بين المؤتمر والساحة الخارجية للمؤتمر، اذا كنت خارج قاعة مداولات المؤتمر فارفع ما تشاء من لافتات واصرخ كما تشاء بالهتافات وصفق وارقص وغني، لكن بمجرد دخولك المؤتمر عليك ان تنضبط، وتنسى لغة الشارع وتلتزم بلغة المؤتمرات، وهي الأوراق العلمية والعروض التقديمية والنقاش الموضوعي والعلمي. لا يمكن أن نكون فاشلين حتى في مجرد حضور المؤتمرات !!
من الصادم ان المؤتمر احتوى على أوراق ورؤى ومداخلات علمية ذات قيمة عالية، ولكنها تعرضت في كثير من الاحيان للبهدلة والابتذال من لدن المؤتمرين الذين كان واضحا أن فيهم من جاء ليمارس ضغوطا هتافية على رؤى اقتصادية بعينها، وهو أسلوب جعل المؤتمر ساحة عراك وليس ساحة نقاش وحلول. لا أدري في ماذا كان يفكر احد اعضاء اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير الذي قال إذا كان هناك من يريد تطبيق وصفات البنك الدولي ( عليه يسهل وعلينا يمهل ) !! هل هذا فعلا عضو في أرفع لجنة اقتصادية في الحاضنة السياسية؟ من أين جاء هؤلاء؟! واحدهم يقول: لا يوجد دعم سلعي، حتى يرفع. ثم لا يلبث أن يدعو لعدم رفع الدعم !! اذا كان الدعم غير موجود فلماذا تطالب بعدم رفعه؟!
لا اعتقد ان هناك مواطنا سودانيا شعر بالرضا من المؤتمر الاقتصادي، وزاد عدم الرضا باعتراف رئيس مجلس الوزراء في تغريدة له بالامس الاثنين بأن المؤتمر افتقر لمشاركة الولايات!! وهو اعتراف صادم، فإذا كانت الولايات غير ممثلة بشكل صحيح في المؤتمر فمن يمثل هذا المؤتمر؟ هل يمثل لجنة قحت الاقتصادية التي ظهر ان بعض عضويتها مجرد هتافيين فقط!. ام يمثل سكان الخرطوم؟ وهل سكان الخرطوم هم فقط من يعانون من ويلات الأزمة الاقتصادية؟ وهل حلولهم ستمثل ذات الحلول التي كانت ستقدمها وفود الولايات لو شاركت؟! ومن البداية لماذا أقيم مؤتمرا اقتصاديا قبل أن يتم التمثيل فيه بشكل مرضي من الولايات ومن حركات الكفاح المسلح؟! .
هذا اول مؤتمر قومي، وما حدث فيه لا يشرف الثورة ولا يعبر عنها، ونتمنى أن يكون ما حدث فيه درسا للحكومة الانتقالية وللجميع يقودهم في المؤتمرات القومية القادمة إلى الالتزام بدعوة اهل الاختصاص، والعمل على تمثيل جميع الولايات بذات معايير التخصص والعلمية، حتى تخرج المؤتمرات بصورة مشرفة ومثمرة.
يوسف السندي

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..