مقالات سياسية

تغييرات مطلوبة في كليات الزراعة في السودان

د. عبدالله عيسي تاج الدين

توجد في السودان اليوم، بحسب مسح اجريته علي عجل، عدد 23 كلية زراعة؛ ست منها موجودة داخل العاصمة الخرطوم و 17 كلية موزعة علي بقية ولايات ومدن السودان. تمنح جميع هذه الكليات درجة بكالريوس الشرف في خمس سنوات (ما عدا جامعة كسلا تمنح درجة البكالريوس في تسع سمسترات). في هذا المقال اريد ان اطرح السؤال التالي: لماذا تستغرق دراسة الزراعة في الجامعات السودانية خمس سنوات بينما كل جامعات العالم تمنح ذات الدرجة في اربع سنوات؟

ولكن اذا نظرنا الي محتويات هذه الكليات نجد ان سبب استغراق مدة الخمس سنوات هو انها تقوم بتدريس مواد لا علاقة لها بالزراعة إطلاقاً؛ بل هي في الأساس تعتبر تشويش و افراغ لمحتوي ومضمون هذا المؤهل تماماً. اذ يقضي طالب الزراعة ما لا يقل عن سنتين في دراسة مواد مثل اللغة العربية، اللغة الانجليزية، التربية الإسلامية، مصادر الشريعة الإسلامية، اصول الفقه،…. الخ؛ وتسمي هذه “مواد كلية” وتتفاوت مدة تدريس هذه المواد من جامعة الي اخري. ويتم هذا تحت شعارات “بناء جيل رسالي” و “اعداد جيل تقي مؤمن بربه” وغيرها من الشعارات الزائفة التي رفعتها الانقاذ عبر اكذوبة ثورة التعليم العالي. وهذا الامر ينطبق على جميع الكليات بالجامعات السودانية.
ومن الناحية الاخري، وهي الاهم، يقضي الطلاب بعد قبولهم في كليات الزراعة حوالي اربعة الي ست فصول  دراسية في دراسة مواد الكلية, ثم يتم توزيعهم الي “الاقسام”، ليجدوا انفسهم مرة اخري يدرسون مواد الكلية وهي تشكل ما لا يقل عن 50% من الكورسات داخل الاقسام فيتخرج الطالب كشكولا يتحدث في كل شي ولا يعرف اي شيء. فالطالب في قسم وقاية المحاصيل علي سبيل المثال وهو في السنة الخامسة قد يجد نفسه يدرس حوالي ثمان كورسات, اربع منها من اقسام اخري. وكذلك طالب الهندسة الزراعية, والاقتصاد الزراعي و علوم التربة وووالخ.
فإذا كان مستقبل الاقتصاد السوداني يعتمد على الانتاج الزراعي، فإن النهوض بقطاع الزراعة يعتمد بشكل اساسي علي دعم وتطوير البحث العلمي الزراعي. وهذا يتطلب بالضرورة اعادة صياغة كلية لمقررات الزراعة في كل الجامعات السودانية بشكل فوري يبدأ ذلك بإلغاء تدريس المواد غير ذات العلاقة بالزراعة (لغة عربية, انجليزية, شريعة اسلامية …الخ) وان تخاطب هذه المقررات بشكل مباشر مشكلات الزراعة في السودان وان تطرح اي كلية زراعة حلول عملية للمزارعين في المنطقة. وعلي الا تزيد مدة الدراسة عن الاربع سنوات، يتم فيها قبول الطالب مباشرة في “القسم” او “التخصص” وبالتاكيد يتم تدريسه فيها الكورسات الاخري ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة بالقسم لان علم الزراعة علم متصل ومتداخل ومترابط؛ فوقاية النبات تحتاج لمعرفة اساسيات علوم التربة والمحاصيل والمناخ الزراعي وووالخ وعلي ان يتم التركيز علي بناء القدرات في المجال العملي والمتعلق بطرق إجراء التجارب علي الحقل وجمع البيانات وتحليلها و تفسيرها ثم ربطها بواقع الزراعة في السودان. أما السنة الخامسة فتكفي لنيل درجة الماجستير.
فالتغيير الذي احدثته ثورة ديسمبر يجب لا يتم اختزاله في استبدال الاشخاص, خاصة فيما يتعلق بمؤسسات التعليم العالي, بل يجب ان يهتم بتفكيك بنية الوعي القائم علي فكرة ثورة التعليم العالي التي انتجها نظام الجبهة الاسلامية والتي حولت الجامعات الي مدارس او شبه خلاوي في بعض الاحيان تقوم بدور التلقين والتحفيظ ويكاد يختفي فيها اثر البحث العلمي. وان يستهدف هذا التغيير السياسات والرؤي  والافكار التي تسيطر علي وتوجه جهود مؤسسات التعليم العالي لتخرج اجيال قادرة علي احداث نهوض حقيقي بهذا البلد. فالواقع يقول ان كليات الزراعة في السودان لم تحدث اي نقلة في مجال الزراعة سواء ان كان ذلك في القطاع المروي او المطري.
كليات الزراعة يجب ان يكون دورها الاساسي هو البحث العلمي والا يزيد دور التدريس فيها عن 25%, وهذا بالتاكيد يستوجب علي الدولة تخصيص دعم ضخم يشكل نسبة معتبرة من الميزانية القومية للبحث العلمي الزراعي. فاذا تم توجيه نصف ميزانية المليشيات المسلحة الي البحث العلمي لاصبح السودان دولة ذات شأن علي المستوي الاقليمي والعالمي.

د. عبدالله عيسي تاج الدين <[email protected]>
22 سبتمبر 2020, انجلترا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..