مقالات سياسية

لامانع من التطبيع ولكن بشرط

عبدالدين سلامه

شغل الساحة العامة موضوع التطبيع الذي خلق خلافا حاد بين مؤيديه ومعارضيه ، وإسرائيل دولة كغيرها من دول العالم الخارجي الذي قررت الثورة فك عزلتها بصناعة علاقات جيدة متوازنة معها ، تراعي المصالح الوطنية العليا للبلاد ، ولكن وضعنا الحالي ليس الوضع الذي يمكننا من صناعة علاقة مع أي دولة من دول العالم بثقة ويد عليا فلا شروط لجائع ولااشتراطات لمتسوّل .
رأيي الشخصي يوافق رأي رئيس الوزراء بأن الفترة الإنتقالية ليست معنية بالتطبيع ولاهو من صلاحياتها ، ومحاولات رأس الدولة المكشوفة لن يقبل الشعب نهاياتها بمن فيهم أنصار التطبيع قبل رافضيه ، فنحن الآن نحتاج ترتيب بيتنا الداخلي أكثر من إنفتاحنا على الخارجي ، فأمامنا أقاليم ومناطق مضطربة ، وداخلنا يمور بخلافات مجتمعية حادة تحتاج التوافق ، وحركات محاصصة جوبا جاءت لتقضم نصيبها من كعكة الثروة والسلطة وتحتاج منّا ولو غصبا عنّا أن نرتب الأوضاع لانضمامها للحكم ، والحكومة المدنية والعسكريين في خلافات ومهاترات لاتنتهي، والمجلس التشريعي الضامن لتحقيق شعارات الثورة أو على الأقل إحياءها بعد محاولات الاغتيال الممنهجة التي منيت بها من القريبين والبعدين حتى نسى الجميع دلالاتها الثلاث ( حرية سلام وعدالة ) تنتظر ، وهناك حركات أخرى لازالت تنتظر حظها من الكعكة وتتعنت لتزيد حجم المكاسب ، وهناك دول داخل دولتنا بل حتى دول داخل عاصمة بلادنا أفقدتنا الطمأنينة والأمن وتحتاج المعالجة ، هنالك أيضا دم شهداء لم يتم الوفاء بفاتورته بعد ومنهوبات لازالت البروبقندا المحاسبية تقودنا لبحرها وتعود بنا أكثر عطشا ، وخلافات حادة مابين وزيرة الشباب واتحاد الرياضة تحتاج الحل ، وخلافات بين الاعلاميين في بعضهم ، وبين الاطباء في بعضهم وبين الحكام في بعضهم تحتاج الحل ، وخلافات بين الأحزاب السياسية التائهة التي لازلت تبحث عن فراغ على ظهر حصان الثورة لتركب مع من سبقوها وحجزوا كامل المساحة ، ولازالت أمامنا ضرورات معالجة آثار كورونا وماخلفه فيضان النيل من دمار وأضرار ، قبل هذا كله لازال أمامنا غول الحالة المعيشية الي أفنى قدراتنا على مجاراة ضروريات الحياة .
الكثير الكثير الأهم من التطبيع ينتظرنا ، ولانريد بالتطبيع أن نلبس جلبابا نظيفا ناصع البياض وملابسنا الداخلية باتساخ الفحم ، وأي قضية غير قضايانا الداخلية في الوقت الراهن يتم تصنيفها ضمن القضايا الانصرافية مهما عظمت قيمتها في عيون أنصارها  ، وتعظم في عين الصغير الصغائر .
دعونا ننكفيء على مشاكلنا الكثيرة بعزم وإرادة وإصرار على الحل مهما كانت النتائج ، ونبني أساس دولة قوية متماسكة تكون مؤهلة لإعلان التطبيع مع إسرائيل مثلها مثل الامارات التي أشترطت حقوق الشعب الفلسطيني وعديد من الاشتراطات ، ولكن وضعنا الحالي لايؤهلنا مطلقا على  نسج علاقات سليمة متوازنة مع أية دولة ، وحتى على مستوى جيراننا الذين لم يسبق ولا نفسيا أن مال ميزان الحضور والتأثير والقوة لمصلحتهم ، يحتل بعضهم  أراضينا  ويحتضن رئيس مخابراتنا السابق ولايمنعه من إعاقة مسيرتنا ، وبعض يتصرف  في المياه المشتركة دون مشورتنا ويحتل جزءا من أراضينا ، وبعض يصدر لنا الجيوش في وقت نحتاج فيه الورود بدل الرصاص ، وبعض يعتدي على أراضينا ومزارعينا ، وحتى شقنا الذي فصله ساستنا سياسيا وعجزوا عن فصله شعبيا ، يريد من خزينتنا الخاوية أن تدفع مالاتملك لمن قام بتجميعهم من مجموعات معظمها من صناعته وتحمل ذات اسمه وأيدلوجيته ، وآخر ينصّب نفسه محرقة لشبابنا الذين يستوعبهم وقودا لصراعات أبنائه ، بينما رأس دولتنا لاهم له سوى وهم التفويض وخيال التطبيع ، ومعظم مسؤولينا يحتاجون منحهم كل قواميس المسؤولية ليستوعبوا معانيها الحقيقية .
التطبيع لو تم في هذه الفترة لن يكون في مصلحة السودان ولا اسرائيل ولا كامل المنطقة ، لأنه سيخلق صداما بين المؤيدين والمعارضين قد يصل حد الحرب الأهلية التي لاتبقي ولاتذر ولن ينجينا ذلك الثمن البخس الذي سرّبه الاعلام من الكارثة ولن يعيد لنا وطنا ، ولأخي حمدوك أقول أن التعويل على غير الحكومة المدنية إهدار للوقت والجهد ، كلنا معك ، بحكومتنا المدنية سنعمل جميعا للملمة شتات داخلنا ، ونعمل معا على تضميد جروحه وإعادة تماسكه ، وحينها ليطبّع من أراد التطبيع بكل شجاعة ودون قلق أو حتى خوف من الوفاء بماسيتم الاتفاق عليه في التطبيع
وقد بلغت
عبدالدين سلامه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..