أخبار مختارة

حول فزورة الورَّاقين وتهريب حصائل الصادرات

الهادي هباني

كثر الحديث عن هروب حصائل الصادرات عن البنوك وعن تطور الأساليب التي يتبعها المصدِّرون لإخفاء حصائل صادراتهم بمخالفة صريحة للتعليمات المنظمة لها الصادرة عن بنك السودان المركزي وخاصة منشور إدارة السياسات رقم (4/2020) بتاريخ 01/01/2020م بشأن إجراءات وضوابط الصادر والذي يلزم جميع المصدِّرين بتوريد حصائل صادراتهم خلال فترات قصوي تختلف حسب نوع وسيلة الدفع المعتمدة في كل عملية من عمليات الصادر وهي (30 يوم كحد أقصي في حالة الصادرات بموجب اعتماد مستندي بالاطلاع (فوري)، و45 يوم في حالة الصادرات بموجب الدفع ضد المستندات، و90 يوما في حالة الصادرات بموجب اعتماد مستندي آجل، أو مستندات مقابل القبول والتي تُعلِن عنها وزارة الصناعة والتجارة بغرض الترويج وفتح اسواق جديدة، و90 يوم في حالة صدرات السلع المسموح بتصديرها بالبيع تحت التصريف والتي تُعلِن عنها أيضا وزارة الصناعة والتجارة بغرض فتح أسواق جديدة وتشجيع صادراتها. وقد أسهم تهريب حصائل الصادرات في تجفيف خزائن البنوك من احتياطيات النقد الأجنبي وإلى منع بنك السودان المركزي من الحصول على 10% كنسبة مقررة من حصائل الصادرات بسعر الصرف الرسمي (سعر بنك السودان) مما أضعف قدرته على توفير العملات الصعبة الكافية لاستيراد السلع الاستراتيجية. ويعتبر هذا التهرب المتعمد من الجرائم الكبري التي ترتكبها الشركات وأسماء العمل المصدِّرة للسلع السودانية المختلفة وعلى رأسها الصمغ العربي، الكركدي، السمسم وغيره. ولعل أحدث طرق تهريب وإخفاء حصائل الصادرات التي يتبعها المصدرين هي ما يصطلح عليه (الورَّاق) وهي الآلية التي يقوم فيها البعض بالتواطؤ مع بعض كبار المصدِّرين بتسجيل شركات وهمية لمرة واحدة فقط وتسخير أوراق تسجيلها الرسمية لكبار المصدرين مقابل عمولات كبيرة متفق عليها، وتختفي هذه الشركات أو أسماء العمل وأصحابها بمجرد انتهاء عملية الصادر. ويقوم البنك المركزي في نهاية الأمر بحظرها من التعامل المصرفي دون أن يكون لها وجود حقيقي على أرض الواقع. ونسبة لأهمية الموضوع وخطورته كثر الحديث عنه على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية وحظي أيضا بنقاش واسع داخل جلسات المؤتمر الاقتصادي القومي الأول المنعقد نهاية سبتمبر 2020م. وللأسف لم تتعدي الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي لمعالجة هذه القضية والتصدي لها منذ عهد النظام البائد وحتى تاريخ اليوم غير قوائم الحظر لأسماء العمل والشركات المتورطة من العمل المصرفي، وتعميم تلك القوائم على المصارف، وإنذار بعض أسماء العمل والشركات العاملة في قطاع الماشية لنفس الأسباب. ولكن هذه الإجراءات لم تنجح في معالجة الأمر ووضع حد لهذه الجريمة، فلا زالت عمليات التهرب مستمرة دون توقف بشتى الوسائل بما في ذلك طريقة (الورَّاق). ولا زال الورَّاقون يَنفِذُون تباعا إلى دهاليز البنوك وعالم التصدير مستغلين الثغرات الكثيرة في لوائح وإجراءات اعتماد سجلات المستوردين والمصدرين في وزارة الصناعة والتجارة واستخراج استمارات الصادر من البنوك وغيرها من الثغرات في كل الأجهزة الحكومية المرتبطة بعملية الصادر. وبالتالي فهم (أي الورَّاقون) يتكاثرون يوما بعد يوم بعلم الحكومة وأمام ناظريها برغم قوائم الحظر وخطابات الإنذار. وكلما حُظرت قائمة من هذا الباب ولدت أخري مشابهة لها من الباب الآخر.

هذا الوضع يطرح أسئلة مشروعة تدور في أذهان الناس وتحتاج لإجابات شافية أولها: ما هو السبب الذي يدفع المصدِّرين لعدم توريد حصائل صادراتهم برغم أن ذلك يعد جريمة يعاقب عليها القانون؟ وثانيهما: هل للحكومة عموما ولبنك السودان على وجه الخصوص أو البنوك التي يتم التصدير عن طريقها حق في إلزام المصدرين بتوريد حصائل صادراتهم في البنك وبيع 10% منها إلى البنك المركزي بسعر الصرف الرسمي برغم أن البضاعة محل التصدير هي ملك خاص حر للمصدرين دون سواهم؟ وثالثهما: أين تذهب حصائل الصادر المهربة التي لا تدخل البنوك؟ ورابعهما: كيف يمكن ضمان توريد حصائل الصادرات للبنوك في مواعيدها طواعية من المصدرين دون الحاجة لاستخدام سلاح العقوبات والإجراءات القانونية أو العقابية؟

أما بالنسبة للسؤال الأول عن السبب الرئيسي لتعمد المصدِّرين لعدم توريد حصائل صادراتهم فالإجابة تحتمل شقين هما:

أولا: أن البضائع التي يتم تصديرها في الأساس بضائع مملوكة للمصدِّرين وليس ملكا للبنك المركزي أو للحكومة عموما وبالتالي هم الذين ينالون غُنمِهَا ويتحملون غُرمِهَا باعتبارها ملك خاص بهم. وحتى لو حصلوا عليها بموجب تمويل من البنوك فهي ملكهم بموجب عقود التمويل المبرمة مع البنوك وهم ملزمون بسداد قيمتها بالكامل شاملة أرباح التمويل. وبالتالي فهم يرون أن مطالبة الحكومة لهم بتوريد حصائل صادراتهم هو تعدي على ملكهم الخاص وهو لا يختلف في جوهره ومضمونه عن الجبايات التي تفرضها الحكومة على تلك البضائع في الطرق والجسور والممرات والمعابر تحت بنود ومسميات لا أنزل الله لها من سلطان، وعن الجبايات التي كانت تفرضها عصابات المافيا على أصحاب المحلات التجارية الصغيرة في شوارع نيويورك وشيكاغو. وهذا الشعور العام الذي يتملك جميع المصدِّرين دون استثناء بأن هنالك قيود وتغول من الدولة علي ملكياتهم الخاصة التي دفعوا في سبيلها أموالا طائلة وتحملوا في سبيلها مخاطر عالية وهم علي قناعة جازمة بأن الدولة لا تراعي مصالحهم ولا تعوضهم عن أي خسائر محتملة قد تصيب صادراتهم (كما حدث من خسائر طائلة أصابت بعضهم جراء إرجاع بواخر الماشية من السعودية) هو أحد أهم الأسباب التي تدفع المصدِّرين للإحجام عن توريد حصائل صادراتهم. فالمصدِّر هو وحده الذي يشتري البضائع المراد تصديرها ويقوم بتخزينها وتعبئتها وترحيلها وسداد كل الرسوم والجبايات الخاصة بترحيلها و كافة الرسوم المتعلقة باستكمال إجراءات الصادر للحكومة وللبنك كاملة غير منقوصة ورغم كل ذلك تجبره الدولة علي إيداع عائدات صادراته تلك في البنك لتكون تحت تصرف البنك المركزي وتقيِّد حرية تصرفه في أمواله الخاصة.

ثانيا: أن الضوابط التي يفرضها البنك المركزي على حصائل الصادرات تُعرِّض المصدَّرين لخسائر مؤكدة. فإذا افترضنا أن أحد المصدَّرين أودع 100 ألف دولار حصيلة صادراته في عملية تصدير واحدة مثلا فهو ملزم بأن يبيع 10% منها أي ما قيمته 10 ألف دولار للبنك المركزي بالسعر الرسمي وهو (55 جنيه للدولار الواحد) أي ما يعادل 550 ألف جنيه سوداني في حين أنه قد اشتري هذه ال 10% من حجم البضائع المصدرة من السوق المحلي بسعر السوق الموازي (235 جنيه للدولار الواحد) أي بما يعادل 2.35 مليون جنيه (10,000 دولار × 235 جنيه = 2,350,000 جنيه) أي أنه حقق خسائر فورية جراء بيع 10% من حصيلة صادراته للبنك المركزي بقيمة 1.8 مليون جنيه (2,350,000 جنيه  –  550,000 جنيه = 1,800,000 جنيه). فإذا كانت قيمة إيراداته الإجمالية من حصيلة صادراته بالعملة المحلية بسعر السوق الموازي (235 جنيه للدولار الواحد) هي 23.5 مليون جنيه (100,000 دولار × 235 جنيه = 23,500,000 جنيه) فمعني ذلك أن الخسائر التي حققها جراء بيع 10% من حصيلة صادراته بسعر الصرف الرسمي للبنك المركزي هي 1,800,000 جنيه كما أسلفنا فإن هذه الخسارة تمثل في حقيقة الأمر 7.7% (أي 8%) تقريبا من إجمالي قيمة عائداته أو أرباحه الإجمالية من عملية الصادر التي نفذها (1.800,000 جنيه) / 23,500,000 جنيه = 7.7%). وللعاقل أن يسأل إذا كان هذا المصدِّر يفقد 8% تقريبا من حصيلة عائدات صادراته الإجمالية مقومة بالعملة المحلية من جراء بيع 10% فقط من حصيلة صادراته بالعملة الصعبة فكم يا تري يبلغ هامش ربحه الإجمالي في هذه العملية أصلا؟ علما بأن هذه الحسابات التقديرية محسوبة على أساس الأرباح الإجمالية واستبعدت التكاليف الخاصة بالبضاعة المصدرة من قيمة شراء وتكاليف تخزين وترحيل ورسوم وجبايات وأتوات ورسوم بنكية وتكاليف تمويل وشحن بحري وتأمين بحري وسفر وإقامة…إلخ؟ وكيف له أن يستمر في نشاط الصادر ويظل قادر علي تقديم سعر منافس لزبائنه في السوق العالمي؟ كل هذه الفوضى وهذا الدمار (أوبلغة الناس خراب البيوت) ولا زلنا نسأل لماذا يمتنع المصدِّرين عن توريد حصائل صادراتهم للبنوك؟ إنها أسئلة صعبة تحتاج لإجابات مستحيلة.

أما بالنسبة لإجابة السؤال الثاني هل للحكومة عموما وللبنك المركزي على وجه الخصوص أو البنوك التي يتم التصدير عن طريقها حق إجبار المصدِّرين لتوريد حصائل صادراتهم في البنك وبيع 10% إلى البنك المركزي بسعر الصرف الرسمي برغم أن البضاعة محل التصدير ملك خاص حر للمصدِّرين دون سواهم؟. فالإجابة بالتأكيد لا يوجد أدني حق وأن هذه السياسة بدأت منذ عهد النظام البائد الذي كان لا يهمه اصلاح الاقتصاد ورعاية مصالح الناس. وأنه في الحقيقة مجرد مافيا اقتصادية بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني قامت بتجفيف كل مصادر النقد الأجنبي لمصالحها الخاصة بخصخصة كل مؤسسات القطاع العام والشركات والمؤسسات العامة الخدمية والتجارية والإنتاجية التي كانت تدر نقد أجنبي للدولة ونهبت القروض والمنح الأجنبية، واحتفظت بتلك العملات الصعبة خارج النظام المصرفي وسخَّرت أجهزتها العسكرية والأمنية للهيمنة علي الصادرات والواردات وعلي تجارة العملة من خلال الشركات القائمة حتي اليوم وتقع تحت سيطرتها. وفرضت اللوائح التي تسخِّر القطاع الخاص العامل في مجال الصادرات والواردات كأداة لتوريد عائدات صادراتهم بالعملات الصعبة للبنوك والتي تنتهي في نهاية الأمر في جيوب تلك الشركات العسكرية والأمنية وغيرهم من كبار تجار العملة مما أدي لخروج كثير من صغار المصدرين عن هذا السوق منذ زمن مبكر، وأن الكثيرون منهم مما لا يزالون يمارسون نشاط الصادرات والواردات يجد نفسه مضطرا للتعامل مع هذه المافيا المتحكمة في النقد الأجنبي وفي تجارة العملة. وبالتالي فإن ما تمارسه الحكومة حاليا هو جباية وتعدي على أملاك وأموال المصدِّرين دون أن تقدم لهم أي مساعدة ودعم. وإذا كانت المقولة المشهورة خلال فترات ظهور نشاط عصابات المافيا في صقلية وشيكاغو ونيويورك هي أن (المافيا شريفة) باعتبار أنها كانت توفر الحماية لصغار التجار والمحال التجارية وسكان الأحياء والشوارع التي تنشط فيها مقابل الجبايات الشهرية التي تفرضها عليهم بجانب أنها كانت تستخدم جزء من عوائد تلك الجبايات في الإنفاق علي الفقراء والمحتاجين، وأنها كانت أيضا تمتلك مطاعم تقدم من خلالها الوجبات المجانية للمحتاجين وتمارس من دهاليزها الخلفية أنشطتها غير المشروعة، فإن مافيا العهد البائد لم تكن تعرف طريقا للشرف أو الرحمة. فقد كانت تقضي علي الأخضر واليابس. وبالتالي فإن استمرار سياسات توريد حصائل الصادرات كما كانت عليه في عهد النظام البائد هو استمرار لسياسة الجبايات والتعدي على أموال المصدِّرين حتى بوجود قوانين ولوائح تنظم هذا الجبايات وتسمح بها.

أما بشأن إجابة السؤال الثالث أين تذهب حصائل الصادر المهربة التي لا تدخل البنوك؟ فالإجابة تُستشف مما قيل في النقاط أعلاه بأن حصائل الصادرات المهربة تنتهي في جيوب تجار العملة خارج السودان أو داخله. وللأسف فإن الضوابط المنظمة لحصائل الصادرات نفسها تساعد على تسرب الحصائل للسوق الأسود داخليا وخارجيا. فالمنشور رقم (4/2020) علي سبيل المثال وليس الحصر، يسمح ببيع الحصيلة لأي مستورد آخر داخل أو خارج مصرف المصدِّر ولمصرف المصدِّر أو أي مصرف آخر وهو ما يعتبر تقنين لتجارة العملة، بالإضافة إلى أن التعميم يمنع تنفيذ إجراءات الصادر للأفراد (الأشخاص الطبيعيين) ولكنه يستثنى من ذلك تجارة الحدود وبذلك فهو يفتح منفذا كبيرا جدا لتجارة العملة خاصة وأن السودان حدوده ممتدة مع عدد كبير من دول الجوار التي تنشط معها تجارة الحدود في حين لا توجد أنظمة رقابية متكاملة ومتطورة لإدارة ورقابة تجارة الحدود مع تفشي الفساد في السودان وفي دول الجوار الحدودية. هذا بالإضافة إلي أن أنظمة الدفع المعتمدة وفقا للتعميم المشار إليه تسمح بتهريب حصائل الصادر أو التلاعب فيها حيث أنها تسمح بتصدير بعض السلع بنظام البيع تحت التصريف والتي تُعلن عنها وزارة الصناعة والتجارة بغرض فتح أسواق جديدة وتشجيع صادراتها، كما أنها تسمح بالدفع بنظام الدفع ضد المستندات، والمستندات مقابل القبول وهي أنظمة دفع (برغم أنها متعارف عليها عالميا) ولكنها أكثر عرضة للتلاعب من الاعتمادات المستندية بالاطلاع أو الآجلة خاصة وأن كثير من الشركات الخارجية المستفيدة من الاعتمادات المستندية الصادرة هي شركات إما مملوكة لطالبي فتح الاعتمادات من المصدِّرين أنفسهم أو هم شركاء فيها أو تربطهم مصالح مشتركة معها أو هي من الشركات التي تمارس تجارة العملة عن طريق الشراء من المغتربين في بلدان المهجر وإيداعها في حساباتها بالخارج وإدخالها للسودان في شكل بضائع مقابل الاعتمادات المستندية الصادرة التي يفتحها لهم بعض المصدِّرين من الداخل.

أما فيما يتعلق بالسؤال الأخير كيف يمكن ضمان توريد حصائل الصادرات للبنوك في مواعيدها طواعية من المصدرين دون الحاجة لاستخدام سلاح الإجراءات القانونية أو العقابية؟ فالإجابة أن المعالجة تتطلب ما يلي:

أولا: إلغاء كل الضوابط التي تجبر المصدِّرين على بيع جزء أو كل حصائل صادراتهم للبنك المركزي باعتبار أن ذلك هو السبب الرئيسي الذي يدفعهم لتهريب حصيلة صادراتهم، ولأن هذه الضوابط تشتمل على ثغرات كبيرة واسعة تساعد وتشجع تجارة العملة وبالتالي تجفيف خزائن البنوك من احتياطيات النقد الأجنبي. وترك حصائل الصادرات بالكامل للمصدرين ليتصرفوا فيها تصرف المالك في ملكه شريطة أن يكون ذلك مصحوبا بقرارات وتعليمات تمنع كل الرسوم والأتوات المفروضة على الصادرات وتخفيض نسبة أرباح تمويل البنوك للصادرات بما في ذلك تخفيض الرسوم البنكية وإلغاء بعضها فهذا من شأنه أن يدفع المصدِّرين لإيداع حصائل صادراتهم طواعية للبنوك مما يسهم في زيادة احتياطيات النقد الأجنبي في البنوك.

ثانيا: إن مسئولية توفير الاحتياطيات النقدية للحكومة لتقوم باستيراد السلع الاسترتيجية هي مسئولية الحكومة نفسها. وأن مطاردة المصدِّرين وملاحقتهم بالإنذارات وقوائم الحظر لن توفر النقد الأجنبي ولن تؤدي إلا إلى مزيد من التهرب ومزيد من ظهور أساليب مبتكرة للتهرب من توريد حصائل الصادرات. وبدلا عن ذلك عليها العمل بجدية لاستعادة هيمنتها على مصادر النقد الأجنبي الخاصة بها والتي هيمنت عليها السلطة البائدة وطفيليتها ولا زالت ممثلة في شركة الصمغ العربي، شركة الحبوب الزيتية، مؤسسة الأقطان، الخطوط البحرية السودانية، هيئة الموانئ البحرية، هيئة الطيران المدني، شركات الاتصالات، الشركات الأمنية والعسكرية وغيرها من المؤسسات الحكومية المنهوبة وموجودة خارج سيطرتها. وأن ترك حرية التصرف في حصائل الصادرات للمصدِّرين كما أسلفنا يساعد على توريدها طواعية داخل البنوك التجارية الأمر الذي يسهم في زيادة احتياطيات تلك البنوك من النقد الأجنبي وبالتالي يرفع قدرتها علي تمويل الصادرات والواردات بما في ذلك واردات السلع الاستراتيجية وعلى رأسها الوقود والقمح والدواء الأمر الذي يساعد على اختفاء السوق الموازي على المدي المتوسط والطويل.

ثالثا: أن معالجة مشكلة سعر الصرف ليست مسئولية المصدِّرين بل هي ضمن أهم قضايا الاقتصاد الكلي التي تديرها الدولة في المقام الأول من خلال رفع كفاءة إدارة السياسة المالية والسياسة النقدية بتضافر جهود وزارة المالية بالتعاون مع وزارة الصناعة والتجارة والوزارات ذات العلاقة وبنك السودان المركزي. والطريق لتحقيق الإستقرار المنشود في سعر الصرف طريق معروف لا تخطئه العين ولا يعجز عن إدراكه العقل السليم يتمثل في الاهتمام بجانب العرض ممثلا في دعم القطاعات الانتاجية وتشجيع الصادرات ومعالجة كل العقبات الخاصة بها مع هيمنة الدولة علي صادرات السلع النقدية الرئيسية ممثلة في الذهب والحبوب الزيتية والصمغ العربي وغيرها وفقا لما هو مذكور في النقطة (ثانيا). إضافة إلي الاهتمام بجانب الطلب علي الدولار بتخفيض فاتورة الاستيراد وصدور قرارات صارمة بإيقاف العديد من السلع غير الضرورية وتلك التي يمكن توفيرها داخليا كالألبان ومشتقاتها والخضروات والفواكه وغيرها الكثير. ويمكن على سبيل المثال تنشيط مؤسسة الأسواق الحرة (بعد استعادة الحكومة لها) لتقوم باستيراد السلع الكمالية والرفاهية لتلبية رغبات ذوي الدخول المرتفعة والبعثات الأجنبية بحيث تباع لهم في أسواق حرة في العاصمة والأقاليم بالعملات الصعبة وبسقوف محددة.

رابعا: فرض الاعتمادات المستندية (الفورية والأجلة) كوسيلة وحيدة للدفع في عملية الصادرات بما في ذلك السلع المسموح بتصديرها بالبيع تحت التصريف والتي تُعلِن عنها وزارة الصناعة والتجارة بغرض فتح أسواق جديدة وتشجيع صادراتها وإلغاء طرق الدفع الأخري المصرح بها في تعميم بنك السودان المركزي رقم (4/2020). بالإضافة إلي إلغاء كافة الرسوم والجبايات الخاصة بالصادرات فيما عدا الرسوم البنكية المتعلقة بفتح الاعتمادات المستندية. وتطوير البنيات الخاصة بالتصدير كبنيات الفحص الصحي بما في ذلك تطوير محاجر فحص الماشية وضبط الجودة ومطابقة المواصفات والوزن والتعبئة والعلامات التجارية وطرق التخزين والشحن والمناولة والتأمين البحري …إلخ وبإشراف رقابة وزارة الصناعة والتجارة بشكل مباشر. هذا بجانب دور وزارة الصناعة والتجارة في فتح أسواق جديدة للمنتجات السودانية بشتي طرق الترويج المعروفة والمجربة بما في ذلك إحياء وتعظيم دور هيئة المعارض السودانية وعمل المعارض الداخلية والخارجية للترويج للصادرات السودانية.

خامسا: تنشيط تجارة الترانزيت والتي يمكن أن تسهم في الانتهاء من ظاهرة التهريب علي المدي المتوسط والطويل حيث يمكن السماح باستيراد كثير من السلع التي تحتاجها أسواق الدول المجاورة التي لا توجد لها موانئ بحرية أو تعاني شحا فيها وذلك بنظام ال (Drawback) المتمثل في السماح باستيراد مثل هذه السلع بإعفاء جمركي عن طريق الموانئ البحرية والبرية والجوية السودانية مؤقتا علي أساس أن تتم عليها قيمة مضافة كإعادة تصنيع أو تحويل أو تشكيل أو إعادة تعبئة ومن ثم إعادة تصديرها للدول المذكورة بعلامات تجارية مختلفة وبشهادة منشأ سودانية وبرسوم جمركية مخففة وبموجب اعتمادات مستندية واردة مما يؤدي إلي تعظيم حصيلة الصادرات من النقد الأجنبي والمساهمة في التخلص من كل الظواهر السالبة المصاحبة لتجارة الحدود شريطة أن يتم إنشاء إدارة خاصة داخل وزارة الصناعة والتجارة لإدارة وتنظيم وضبط تجارة الترانزيت. هذا بجانب تعظيم وتطوير قطاع النقل ليسهم في تطوير تجارة وخدمات الترانزيت وتجارة الحدود بما في ذلك تطوير شبكات أنابيب وخطوط نقل المنتجات البترولية والسكك الحديدية والنقل النهري بين الولايات وأيضا خطوط الربط مع دول الجوار.

سادسا: هيمنة الدولة علي قطاع الذهب ودخولها كمستثمر فيه لتطوير مواقع الانتاج وبنياته الأساسية مع اإنشاء بورصة السلع والمعادن وتشجيع البنوك لشراء الذهب بهدف الاستثمار والاحتفاظ باحتياطيات نقدية كبيرة منه بدلا عن شهادات شهامة وأخواتها التي لا تساوي قيمة الحبر الذي كُتِبَت به الأمر الذي يقوي مراكزها الائتمانية ويساعدها على استقطاب أقسام كبيرة من العملات الصعبة المتداولة في سوق رأس المال قصير الأجل فيما بين البنوك داخليا وإقليميا وعالميا. مع ضرورة اعتماد النظام المصرفي المزدوج لجذب البنوك العالمية التي تعمل وفقا للنظام المصرفي التقليدي الذي يهيمن علي سوق النقد العالمي قصير الأجل فيما بين البنوك. وفي نفس الوقت تشجيع صناعة الحِلي والمجوهرات وعمل معرض سنوي لها بالتعاون بين الصاغة ووزارة الصناعة والتجارة في أرض المعارض ودعوة كل الدول والشركات العالمية المتخصصة في صناعة وتجارة الحلي والمجوهرات بهدف الترويج للتشكيلات السودانية وبتحويل السودان لسوق إقليمي وعالمي معروف للحلي والجوهرات.

سابعا: هيمنة الدولة علي قطاع النفط بالكامل بما في ذلك الانتاج والتوزيع من خلال مراكز توزيع حكومية وكذلك بنظام الوكلاء كما كان معمولا به سابقا على أن يحدث إحلال تدريجي للمراكز الحكومية محل الوكلاء علي المدي الطويل بحيث تصبح كل مراكز التوزيع حكومية في المستقبل وبمواصفات موحدة وعلامة تجارية موحدة يمكن أن يغزو بها السودان دول الجوار في المستقبل باعتبار أن السودان مرشح لاكتشافات نفطية جديدة مستقبلا ومؤهل ليصبح بحكم موقعه الاستراتيجي من الدول الرائدة المنتجة والمصدرة للنفط في المنطقة.

‫4 تعليقات

  1. والله العظيم المقال دا يستحق أن يتم إرساله إلى وزارة المالية على وجه السرعة.. هل يعقل أن يكون وزراء القطاع الاقتصادي لا يعلمون هذه المعلومات الواردة في الوقال؟؟؟ تبقى دي مصيبة والله

  2. لاشك ان هباني رجل متمكن ونحن هواة ولكن هناك بعض النقاط الغير مفهومة او قد تكون متناقضة. مافهمته كأن المصدرين مظلومين من الدولة وان تتاح لهم الفرصة للتصرف في حصايل الصادر وحر مالهم كما يشاءون بما فيها احتمال ان لا يدخلوها البنوك، وانهم يخسرون حسب مااورد من مثال 8% (1800000جنيه ) من ال 100 الف دولار بسبب توربد 10% بسعر الصرف الرسمي . ولكن هذا المصدر يبيع بالسعر العالمي المجزي. فاذا افترضنا انه صدر 500 خروف و سعر الخروف 200 دولار (يعني 750 ريال للخروف ) = 100000 دولار = 23500000 _ 1800000= 21700000 اجمال حصيلة الصادر بالمحلي . متوسط سعر الخروف بالتكاليف الاخرى من جبايات واخرى من السوق المحلي مثلا 20000 جنيه سوداني × 500= 10000000. يعني 21 ملياى و700 _ 10 مليار تكلفة الشراء يكون الربح حوالي 10 مليار 700 (حوالي 45000 دولار بنسبة 49% ) فما اعتقد ان المصرين بيخسرو بل الانقاذ حولت ليهم الغنيمة دي من ايرادت المؤسسات الحكومية كالصمغ العربي، القطن ، تسويق الماشية ،،،،الخ الكانت بتصدر وترفد بنك السودان بالعملة الصعبة.
    الحكومة طبعا ماعندها امكانيات تنافس بيها في الصاد حاليا والحل انها بالتدريج تستعيد مافقدته من الصادر بقدر الامكان ولها الحق في المنافسة وعلى تحفيز القطاع الخاص فما بعد لعمل قيمة مضافة للصادر فما اعتقد انو القطاع الخاص للدول الاخرى يصدر المواد الخام الأساسية ، وارجو من الكاتب التصحيح اذا في خطاء واضح في الفكرة اعلاه.

  3. لاشك ان هباني رجل متمكن ونحن هواة ولكن هناك بعض النقاط الغير مفهومة او قد تكون متناقضة. مافهمته كأن المصدرين مظلومين من الدولة وان تتاح لهم الفرصة للتصرف في حصايل الصادر وحر مالهم كما يشاءون بما فيها احتمال ان لا يدخلوها البنوك، وانهم يخسرون حسب مااورد من مثال 8% (1800000جنيه ) من ال 100 الف دولار بسبب توريد 10% بسعر الصرف الرسمي . ولكن هذا المصدر يبيع بالسعر العالمي المجزي. فاذا افترضنا انه صدر 500 خروف و سعر الخروف 200 دولار (يعني 750 ريال للخروف ) = 100000 دولار = 23500000 _ 1800000= 21700000 اجمال حصيلة الصادر بالمحلي . متوسط سعر الخروف بالتكاليف الاخرى من جبايات واخرى من السوق المحلي مثلا 20000 جنيه سوداني × 500= 10000000. يعني 21 مليار و700 _ 10 مليار تكلفة الشراء يكون الربح حوالي 10 مليار 700 (حوالي 45000 دولار بنسبة 49% ) فما اعتقد ان المصرين بيخسرو بل الانقاذ حولت ليهم الغنيمة دي من ايرادت المؤسسات الحكومية كالصمغ العربي، القطن ، تسويق الماشية ،،،،الخ الكانت بتصدر وترفد بنك السودان بالعملة الصعبة.
    الحكومة طبعا ماعندها امكانيات تنافس بيها في الصاد حاليا والحل انها بالتدريج تستعيد مافقدته من الصادر بقدر الامكان ولها الحق في المنافسة وعلى تحفيز القطاع الخاص فما بعد لعمل قيمة مضافة للصادر ، فما اعتقد انو القطاع الحاص للدول الاخرى يصدر المواد الخام الأساسية ، وارجو من الكاتب التصحيح اذا في خطاء واضح في الفكرة اعلاه.

  4. التحية لك و الود أستاذ الهادى هبانى
    وأقدر إجتهاداتك فى هذا المقال القيم الذى هو يمس جوهر المشكلة الاقتصادية السودانية وهنا مكمن الجرح العميق الذى تسبب فيه إناس اصالح فئة من الناس ؟؟؟
    السؤال الذى يجب أن يطرح للسيد محافظ بنك السودان ووزير المالية ووزير التجارة الخارجية هو محور المنشور 4/2020 و الخاص بضوابط الصادرات و قد تمت طباعته بنفس الشبه والمواصفات فى منشور جديد بتاريخ 3/9/2020 بالنمرة 20/2020 (Copy &Paste) سؤالى :-
    لماذا تترك الدولة العملات الصعبة (حصائل الصادر)لصالح المصدرين لعمليات الاستيرادوتسمح لهم ببيع حصائل صادراتهم الى مستوردن آخرين أليس هذا تجارة عملة مقننة و بالقانون ؟؟؟!
    هل يأتى المصدر و يشترى سلع الصادرات السودانية من المنتج بالدولار ؟؟؟!!!
    لا بد أن يفهم الطاقم الاقتصادى بأن الجنيه السودانى هو عملة التداول الرسمية فى حدود السودان الجغرافية !!!لا بد أن يعلم الطاقم الاقتصادى بأن الصادرات هى ثروة البلد القومية !!! التى يجب ان تعود للمنتجين فى إستيراد سلع يستفيد منها الشعب و خاصة شريحة المنتجين فى شكل دواء مدخلات إنتاج بترول قمح و ليس حصائل الصادر لإستيراد كماليات السلع و بناء الفلل و العقارات !!!أمسكوا الصادرات السودانية من إيدى الطفيلية و أمنعوهم من الصادرات فى ظل هذه القسمة الطيزى التى لا تحل للشعب أى مشكلة !!!!أفضل مليون مرة أن توقف الحكومة صادرات السلع السودانية لانها لا تخد إقتصاد الشعب و الصادر بهذه الطريقة هو الخلل البائن بينونة كبرى وهو قمة الفساد والجهل الادارى ببواطن الامورأأأ
    التحية ليك أستاذ الهادى هبانى لفتح هذا الملف الحيوى و الذى يمس كل الشعب السودانى بطريقة او بآخرى!!!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..