مقالات وآراء سياسية

وزارة الرغـيـف والظـروف

مصعب المشرّف

 

الإعتذار للشعب بسبب ندرة رغيف العيش وصفوفه الذي بادر يتقديمه الفريق البرهان رغم أنه ليس معنياً بهذا الفشل . ولا مكلف بتقديم الإعتذار ، …. هذا الإعتذار يدل دلالة واضحة على ضيق الجميع ببرود رئيس الوزراء حمدوك وتدنِّي إهتمامه بمعاش الناس عامة . ثم وتماهيه خاصة مع فشل وزير التجارة والصناعة (الإستثنائي) القاصم لظهر ثورة ديسمبر المجيدة . والذي أصبح المدخل والمنفذ الأسهل لكافة أعداء هذه الثورة ، وللنيل من جانب قوى الحرية والتغيير والسخرية منها.

وربما آن الأوان للجسم الحي الدافيء غير المجمد من قوى الحرية والتغيير أن يعي إلى أن السخرية التي باتت تملأ الوسائط هذه الفترة ؛ إنما هي لاحقة للغضب الصارم وسابقة لليأس العميق  ومقدمة حتمية للثورة العارمة على الأوضاع المعيشية المتردية.

كان حمدوك أولى بتقديم هذا الإعتذار الذي أحجم عنه وزير التجارة بعناد. فجحا كما يقولون أولى بلحم ثوره . وحمدوك هو الذي يتحمل بنسبة 100% أخطاء وفشبل وزيره وفقا لمعطيات مسئولية المتبوع عن التابع ، والرئيس عن تصرفات المرؤوس. وحيث لا ينفك مدني عباس يردد أنه باقٍ ببركة حمدوك وإرادته. وأن حمدوك لو كان يرى فيه فشلاً لبادر بإقالته….. وبما معناه أنه هنا إنما يعلّق الجَرس في عنق حمدوك عن سايق إصرار وترصُّد.

 

علاقة حمدوك بمدني معروفة . وأسرارها لا تخفى على أحد . فحمدوك يظن أن تواجد مدني القحتي الأصل والمولد فيه حماية له من شر قحت . وإغلاق مريح لباب رياحها.

ولا أدري والحال كذلك ؛ لماذا لم يختار حمدوك لمدني عباس مدني من البداية وزارة غير ملتصقة بمعاش وهموم عامة الشعب اليومية ؟ .. وهل كان حمدوك يظن أن وزارة التجارة بهذه الهامشية التي يمكن ترك العمل فيها للظـروف؟

لماذا لم يختار له مثلاً وزارة الشباب والرياضة أو العمل والتنمية التان إتضح أنهما لا تحتاجان من الجهد والموهبة والإهتمامات سوى التواجد في المهرجانات والمشاركة في الإحتفالات. وحضور إجتماعات وإقتتاح ورش . وممارسة طبع الحياء والخفر وإيتسامات خجولة . والهرب من نظرات المعجبين إلى شاشات الموبايل وتصفّح قروبات الواتساب. فلا وزارة الشباب والرياضة مطلوب منها فوز السودان بكاس أفريقيا أو الوصول إلى المونديال . ولا وزارة العمل والتنمية مطلوب منها سودنة الوظائف.، وتنظيم عمل الأجانب في البلاد.

ويبدو أن وزير التجارة والصناعة يعوّل على كتيبة جداده الألكنروني الوزاري لتحييد والتغطية على الإنتقادات اللاذعة الموجهة له ولوزارته ، أكثر مما يعوّل على البحث عن حلول واقعية بمواجهة مافيا الدقيق والقمح التي بات يقف عاجزاً مذهولاً أمامها . رغم تعرِّي هذه المافيا بعد أن إنكشف غطاء وستر الكيزان عنها.

بعض الجداد التجاري الألكتروني خرج علينا قبل أيام وقد أتى بمنتج رومانسي سخيف على طريقة الأفلام الهندية. وذلك بإدعاء أن الثورة لم تنشب لأجل الخبز والوقود . وأن الحرية والسلام والعدالة أهم من لقمة العيش . وأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان . وأن الجوع وسام على صدر الأحياء….. وربما لولا حياء من إلتزامات بإلحاد وقيود آيدلولوجية مُكَـبِّلة لكانوا قد ضربوا لنا مثلاً بحصار شِعَب أبي طالب ، ومخمصة غزوة الخندق.

ومن أطرف ما إستدعاه  الجداد التجاري الألكتروني على طريقة برنامج “من الأمس” . هو مقطع من فيديو لوزير التجارة السابق في عهد الكيزان “حاتم السر” حُوار  مولانا محمد عثمان الميوغني وسكرتيره الشخصي على أيام زواج المتعة ما بين الكيزان والطوائف. وجاء في معرض وعود حاتم السر الكاذبة تعهده بإختفاء صفوف الخبز والوقود وماكينات النقود خلال أيام . وأنه لن تبقى في البلاد من صفوف سوى “صف الصلاة”.

والشاهد أن وعود مدني عباس مدني وزير تجارة حكومة قحت . جاءت هي الأخرى على كثرة تكرارها ، شبيهة جملة وتفصيلا بوعود حاتم السر الكاذبة. ولم تختلف معها إلاّ في “صف الصلاة”  الذي أضافه حاتم السر مجاملة للكيزان. وحذفه مدني جرادل مجاملة للشيوعيين والجمهوريين.

أعذار وتبريرات مدني عباس مدني لا تنتعي ولن تنتهي ، طالما ظل قائماً على هذه الوزارة الإستراتيجية الملتصقة بحياة الشعب اليومية على مدى الأربعة وعشرين ساعة.

ومن كان يظن أن الأفران المصرية التي أراق فيها مدني عباس مدني ماء وجه السودان ستؤدي إلى حل كارثة الخبز فهو واهم … فأفران المصريين لن تتولى تشغيلها ومدها بالمواد الخام الملائكة.

ربما تعمل هذه الأفران لشهر أو شهرين وفق تراتبية طلع جديد . ثم وبعدها تتوالي النكبات المعهودة من ندرة دقيق ونقص خميرة. وإسبيرات ووقود تشغيل وتيار كهربائي ….. إلخ. إلخ. من متلازمة الفشل الإداري المتمثلة في التواكُل والكسل والإستهتار ، وعدم القدرة على التنسيق واستباق الكوارث.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من أين تتحقق الحرية والسلام والعدالة مع الجوع وندرة الغذاء وقود الجسد . وحيث لا يعقل أن نطلب من عامة الشعب بالصبر على الجوع في الوقت الذي يدرك فيه الشعب أن لا قحت ولا أعضاء الوزاري والسيادي ولا الأثرياء يقفون في صفوف الخبز مع فجر كل يوم جديد . وإنما يأتيهم الرغيف يسعى على إستحياءً إلى بيوتهم ومكاتبهم ….

ومن ضمن المصائب المترتبة على صفوف الخبز في غباشة الفجر وإنعدام الإضاءة ؛ نشوء ظواهر سلبية جانبية تتمثل أخطرها أثراً مستقبلياً في إنتشار ظاهرة التحرش الجنسي بالصغار في الصفوف. لاسيما في هذه الظروف الإقتصادية الخانقة ، التي أصبح فيها الزواج حلماً تبدو فيه نجوم الثريا اقرب.

 

وعلى الرغم من مزاعم بتوقف المطاحن فإنه تتوفر المكرونة والشعيرية والدقيق الغالي الفاخر في رفوف المتاجر الكبرى والأسواق والبقالات داخل الأحياء

لقد استنفذت وزارة حمدوك ووزير تجارتها مدني أكثر من عام كامل اليوم ، وهي عاجزة عن مواجهة مافيا القمح والدقيق بإنشاء شركات مساهمة عامة تتولى إحتكار إستيراد دقيق الخبز جاهزاً من الخارج على المدى القصير والمتوسط إلى أن تتمكن هذه الشركات من إقامة مطاحن قمح متوسطة الطاقة العاصمة وحواضر الولايات؟

كافة البلدان العربية على سبيل المثال إنشأت شركات مساهمة عامة وشجعتها بقليل من الدعم والأفضلية والإعفاءات . وحيث تحتفظ الدولة بنسبة 20% من أسهم هذه الشركات . وتفتح تغطية المتبقي من رأس المال للإكتتاب العام للجمهور والشركات وبنسب تملّك تمنع إحتكار مساهم واحد أو مجموعة صغيرة لمعظم أسهم الشركة.

شركات المساهمة العامة تتميز بالشفافية في الإدارة والمجاسبة والإلتزام يقوانين وقواعد الحوكمة. وحتى إن حدث فيها فساد فإنه لن يكون على قدر كبير . كما ومن السهل إكتشافه وإثارته من خلال الجمعيات العمومية.

ونعلم جميعا أن مافيا القمح والدقيق ليست سوى شركات خاصة وذات مسئولية محدودة وتوصية ونصفها الخامض مسجل سوداني ونصفها الحلو مسجل في ماليزيا ودبي والقاهرة….. وأنها لايمكن الكشف عن حساباتها أو إخضاعها للمراجعة المحاسبية الدقيقة لمعرفة حجم الهدايا والعمولات وتفاصيل الشراكات النائمة إياها.

أخيراً . وعلى واقع مزاعم بأن وزارة المالية لم تتمكن من الوفاء بإلتزاماتها المالية إلى مطاحن القمح الصالح منها والطالح . وأن هذا هو سبب ندرة الدقيق الناجم عن توقف هذه المطاحن عن العمل . فمعنى ذلك أن المواطن قد أصح مهدد في قوت يومه على الدوام . وأن توافر دقيق الخبز سيكون على كف عفريت . فتارة يتوفر وتارات أخرى لا يتوفر . وهكذا تمضي بالمواطن الأيام…… وعلى نسج أغنية “الحب والظروف” يبدو أننا سنعيش قصة “الرغيف والظروف”.

ولعله يثور هنا تساؤل عن مدى قدرة وزارة المالية في حكومة حمدوك على الوفاء بإلتزامات سلام جوبا الذي قدرته وزارة المالية بأكثر من 20 مليار دولار . ومنها 7 مليارات حظ إقليم دارفور وحده.

 

مصعب المشـرّف

<[email protected]>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..