مقالات وآراء سياسية

نحن وإسرائيل  محاولة لإعادة وضع النقاط على الحروف

عاطف عبدون

⚫ عداء من طرف واحد

نحن جيل عندما نسمع مفردة “عدو” لا يذهب عقله إلا لإسرائيل هكذا وَجَدْنَا آبَاءنَا وكَذَلِكَ اجدادننا يَفْعَلُونَ فـ إذا سألت اي سوداني ما الذي يجعلك تصف الاسرائيلي بأنهم عدو لك؟ لن يجد إجابة مقنعة لتسمية الاسرائيلي بالعدو.
فـ لكي تصف احدأُ بأنه عدو يجب ان تكون هناك أسباب عقلانية وموضوعية وواضحة تجعلك تعتقد انه عدو لك فعلي سبيل المثال يمكنك أن تصف دولة احتلت ارضك او لديها مطامع بأنها عدو لك، لكن في حال دولة مثل اسرائيل ليس بيننا عداء تاريخي او حدود جغرافية ولم تبادر ابدا في مهاجمتنا او نصب العداء لدولتنا او لشعبنا فلا يمكن وصفها بانها عدو لنا كسودانيين فالاصح أنها عدو للشعب الفلسطيني الذي من الطبيعي أن نتضامن معه في حدود دون ان تبني قضيته ونسمي عدوه بانه عدونا نحن ايضا.
فالتاريخ يشهد أن السودان هو من اعتمد اسرائيل عدو مباشر ووثق ذلك على جواز السفر ثم صعد أكثر بمشاركته في حروب مباشرة وغير مباشرة ضد اسرائيل الي ان اضطرت إسرائيل لقصف بلادنا كرد فعل لسنوات من تجاهل العداء من طرف واحد.
⚫ضبط المفردة
عندما نقول بأننا مع التطبيع مع اسرائيل ذلك لا يعني بأي شكل من الاشكال باننا مؤيدون لسلوك دولة إسرائيل او أننا سوف نتخلى عن مناصرة الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه وإقامة دولته فعلي سبيل المثال نحن لا نأيد احتلال الصين لدولة “التبت” ومع حق شعب “التبت” في الاستقلال من الاحتلال الصيني و لسنا راضون عن السلوك القمعي الذي تنتهجه الصين تجاه “الإيغور” ومع ذلك نحن في حالة تطبيع مع الصين ليس لاننا نتجاهل شر الصين العظيم بل لان التطبيع لا يعني التأييد إذا نحن فقط نتخذ نفس الموقف مع اسرائيل التي ندين سلوكها ونرفضه دون أن نقاطعها فـ العلاقات السياسية بين الدول لا تأخذ بمعيار الخير والشر والا لانعزلنا عن كل الدول التي تمثل وجه الشر في هذا العالم.
⚫ملكيون أكثر من الملك
ربما لا يعلم الذين ينادون بمقاطعة إسرائيل بأن المواطن الفلسطيني رغم عدائه لاسرائيل لكنه لا يرى غضاضة في أن يعمل في “تل أبيب” او ان يدفع الضرائب للحكومة الإسرائيلية ولا تري السلطة الفلسطينية غضاضة في مطالبة الإسرائيليين بحقهم من ضرائب العمال الفلسطينيين العاملين باسرائيل،
ربما لا يعمل هؤلاء بان ملايين الفلسطينيين يتعاملون مع شركات اتصالات اسرائيلية ويستخدمون (بطاقات هواتف) إسرائيلية رغم وجود شركات فلسطينية واردنية وذلك ينطبق على الماء والكهرباء والسلع الاستهلاكية فالشعب الفلسطيني يفرق تماما بين عداءه لإسرائيل وبين الواقع الذي يجعله يتعامل وبشكل يومي مع الشعب والحكومة الإسرائيلية،وربما لا يعمل هؤلاء بأن محمود درويش رمز المقاومة الفلسطينية كان عضوا بالحزب الشيوعي الاسرائيلي بل وشارك ممثلا في إحدى المهرجانات العالمية كعضو في وفد اسرائيل الشعبي، وربما لا يعلم هؤلاء بان عرب فلسطين يشاركون الإسرائيليين في إدارة الدولة الإسرائيلية بل يتطوعون للعمل بالجيش الإسرائيلي ولا أحد يتجرأ بأن ينعتهم بالعمالة أو الارتزاق، لكن اذا طالب سوداني مثلي بالتطبيع من اسرائيل لن يتردد سوداني مثلي بنعتي بالعميل والمرتزق والخائن.
اذكر انه في ذات يوم كنا انا وصديق بعثي سوداني في زيارة لصديقنا الفلسطيني “ابو حمدي” وهو من قيادات حركة فتح في المهجر وبينما نحن نشاهد احدى القنوات العربية جاء خبر عن مسيرة نسائية للتضامن مع غزة و”ابو حمدي” من أهل غزة حينها انتشي صديقي السوداني فخرا بان الخرطوم اول عاصمة خرجت لمناصرة غزة ضد الحصار الاسرائيلي ولم يتوقع ابدا رد ” ابو حمدي” عندما قال ليه انتم لديكم ما يكفيكم من المشاكل ومن باب أولى أن تضامنوا مع ضحايا الحروب والنزاعات في بلادكم وأضاف بأن المسيرات التي تخرج بين الحين الاخر في دوله مثل السودان لن تفيد الشارع الفلسطيني في شئ فذهل صديقي السوداني واندهش “ابو حمدي” من عدم تقبل صديقي لحديثه فـ “ابو حمدي” يعلم أنني من دعاة تطبيع السودان مع اسرائيل ولم يعترض يوما علي ذلك كما يفعل صديقي محمد وتلك هي مأساتنا أننا ملكيون أكثر من الملك.

⚫العرق والدين

في ظني أن النزعتين الدينية والعرقية للمواطن السوداني يشكلان أهم محورين في مسألة رفض التطبيع مع اسرائيل فأما الذين يعتقدون انهم عربا وبأن الدم العربي الذي يجري في عروقهم يحتم عليهم مقاطعة اسرائيل فؤلائك يعتقدون انهم عربا أكثر من الاردنيين الذين لا يرون في التطبيع أمرا ينتقص من عروبتهم او نسبهم الهاشمي, وهذا شانهم ومن حقهم ان يقاطعوا اسرائيل او حتى ايران, لكن ما ليس من حقهم هو ان يطلبوا منا نحن كسودانيين أفارقة ان نقاطع عدو إخوتهم في العروبة.
وأما الذين يبررون رفضهم للتطبيع لدواعي دينية ف هاهم نفس الشيوخ الذين ظلوا يرفضون التطبيع باسم الله هم انفسهم الان يدعون للتطبيع باسمه, ضف إلى ذلك أن الذين يطالبوا بقطع العلاقات مع اليهود يغضون أعينهم عن النصارى ف في معظم الآيات جاء اسم النصارى مترادف لليهود مثل “وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ” أو “ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض” فبما أن هؤلاء يبررون مقاطعة اليهود لدواعي دينية فلماذا لا يطالبوا بمقاطعة النصارى أيضا لذات الدواعي؟ أضف إلى ذلك أنهم لا يرون اي غضاضة في التطبيع من دول لا دينية او سمها مشركة أو كافرة او ايا كان اسمها, هل طالبوا يوما بمقاطعة ميانمار او الصين اللتان تعاديات الأقليات المسلمة على سبيل المثال؟

⚫ المبادئ

متى ما ناقشت شيوعيا او بعثيا سودانيا عن أمر التطبيع فـ سيحدثك عن “المبادئ التي لا تتجزأ” و رغم علمنا بأنها كثيرا ما تتحطم مبادئهم “عن أول صخرة حزبية” فـ البعثي علي استعداد تام بأن يخلع جلباب المبادئ عندما تحدثه عن جرائم صدام حسين او بشار الاسد والشيوعي سيفعل نفس الشيء عندما تأتي سيرة “رومانيا تشاوتشيسكو” او “روسيا ستالين” او “كوبا فيدل كاسترو” وذلك ليس ما يعنينا بالمقام الأول بل إن ما يعنينا هو أن الشيوعيين والبعثيين السودانيين عليهم أن يوضحوا لنا ما هي الأشياء التي ارتكبتها اسرائيل دون سواها بين دول العالم حتى نقاطعها دون سائر الدول؟
هل ان اسرائيل دولة دينية؟ اذا ماذا عن إيران على سبيل المثال؟ هل يجب أن نقاطعها لذات الاسباب؟ واذا كانت الاجابه نعم لماذا لم يطالبوا بذلك من قبل؟
هل لأن إسرائيل دولة محتلة؟ ماذا عن الصين التي تحتل “التبت” وتعمل ليل نهار على تغيير التركيبة السكانية في مناطق الإيغور عبر توطين قوميات صينية في الأراضي المحتلة هل يجب ان نقاطع الصين على سبيل المثال؟
هل أن اسرائيل دولة قمعية متسلطة؟ اذا ماذا نحن فاعلون مع عشرات الدول التي تفوق إسرائيل في قمعها وتسلطها ؟ إذا ما الذي يجعل الشيوعي والبعثي لا يري من كل شرور العالم إلا شر اسرائيل ولا يطالب إلا بمقاطعتها ؟

⚫”ميكافيلية سؤال “الفايدة شنو؟

برز في الاٌونة الاخيرة مبرر جديد متداول وسط السودانيين يتمحور حول سؤال ” الفائدة شنو؟” وهو سؤال يسأله الرافض للتطبيع ليس ليجد إجابة له بل هو شكل من أشكال الرفض مثل سؤال ” البديل منو؟” فكلاهما لا يبحث عن اجابة بل هو رفض علي شاكلة سؤال, لكن الإجابة التي لا تعنيهم ولن تقنعهم هي إن الفائدة المباشرة للتطبيع الآن تتمثل في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب, وهنا يجب ان اشير بأن كاتب هذا المقال في ضد تماما ل لان يأتي التطبيع كـ ” لوي ذراع” للسودانيين وهذا يعني بالطبع انني لست من أنصار ربط التطبيع بالفوائد لان مسالة التطبيع لدي ليست ميكافيلية. وإذا عملنا بعقلية ان لا نقيم علاقات دبلوماسية الا مع الدول التي سنستفيد من علاقاتنا فسوف تقاطعنا عشرات الدول وسوف نغلق نحن عشرات السفارات و نقطع علاقاتنا الدبلوماسية بحجة اننا لا يجب أن نقيم علاقة مع أي دولة ما لم تك هناك فائدة من وراء ذلك.

⚫ الصورة النمطية

لطالما عملت الالة الاعلامية العربية عبر التلفاز والسينما والإذاعات والصحف والمجلات على تجييش الناس ضد اسرائيل وتصويرها على أنها مصدر الشر الوحيد في هذا العالم وانها الدولة الوحيدة التي تنتهك القانون الدولي ثم اعادة بث وتكرار الرواية الفلسطينية مع تغييب الجانب الاسرائيلي في التاريخ والحاضر فلن تجد في الإعلام العربي أي تناول موضوعي لتاريخ اليهود في المنطقة سوى كتابات بعض الأكاديميين العرب بقلتهم ولن تجد ايضا اي تناول موضوعي لشكل الممارسة السياسية داخل دولة إسرائيل أو عن تقدم إسرائيل وانجازاتها العلمية على سبيل المثال, فالصورة النمطية التي ينقلها لنا الإعلام العربي عن اسرائيل تمثل الجانب المظلم لـ دولة اسرائيل وبما اننا تلقنا كره اسرائيل منذ طفولتنا فلا فائدة ترجى من اعادة بث ذات الخطاب العدائي ونقل ذات الوجه القبيح لاسرائيل وبالمقابل بالطبع كنا ستستفيد إذا حدثنا الاعلام عن الكيفية التي تمكن بها شعب اجتمع من أنحاء العالم بأن يبني دولة بهذه القوة والجبروت وكيف استطاع اليهود اعادة احياء لغاية وتراثهم وكيف أصبحت اسرائيل الدولة الأكثر تأثيرا في العالم.

⚫لا ثابت غير التغيير

التاريخ البشري يثبت لنا أن في هذا العالم ليس هناك ما هو ثابت إلا التغيير وحده وكل شئ سواه قابل للتغيير, فلم تمض سوي بضعة قرون منذ أن هاجر المستوطنون البيض للأمريكتين واستراليا ونيوزيلندا وفتكوا بالسكان الأصليين واحتلوا بلادهم وجلبوا أجدادنا كعبيد لبناء مستعمراتهم الجديدة التي هي الآن دول تُصنف على أنها متقدمة, فـ كندا وامريكا واستراليا ما كان لهم ان يكونوا بهذا الحال لولا أن التغيير كان هو سيد الموقف.
⚫ خلاصة

كمواطن سوداني لا اجد حرجا بأن اطالب بالتطبيع مع اسرائيل فـ اسرائيل اليوم واقع يجب ان نتعامل معه كما تتعامل معه العديد من الدول “المحترمة” فـ لو كانت هنالك جدوى من وراء المقاطعة لما تقدمت اسرائيل وتقهقر من عاداها, ان دول مثل كندا والسويد والنرويج لم يمنعها تطبيعها مع اسرائيل في مساعدة الفلسطينيين والدفاع عن حقهم بل وادانة دولة اسرائيل وفي تقديري ان الادانة عندما تأتي من دولة تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية مثل كندا على سبيل المثال حينها تكون أكثر تأثيرا وليس كما أن تاتي الإدانة من دول تصنف نفسها كعدو مثل ايران او السودان.

إننا نتطلع بأن ينفتح السودان اكثر علي العالم وينهي عهد المقاطعة ويقيم علاقات دبلوماسية متوازنة تقوم على الاستقلالية والمصالح المشتركة وفي تحرر تام من تجاذبات الايدلوجيا وإملاءات المحاور.

عاطف عبدون <[email protected]>
نقلا عن صحيفة الصيحة
زر الذهاب إلى الأعلى