“تحرير الوقود” .. كيف تتجاوز حكومة السودان وحاضنها المأزق الأخلاقي؟

الخرطوم : الراكوبة
ما تزال المشاهد المأساوية الناجمة عن المجزرة التي إرتكبتها مليشيات نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، بحق شباب تظاهروا ضد رفع الدعم عن الوقود سبتمبر 2013م، تسيطر على ذاكرة السودانيين، بل أصبحت من الأحداث القومية التي يتم إحياءها شعبيا وإعلاميا في كل عام.
كان الشهيد “هزاع” وأكثر من 200 شابا من رفاقه الشهداء يتقدمون الصفوف الإحتجاجية رغم القمع المفرط الذي مارسته مليشيات البشير، وحناجرهم تهتف برفض سياسة رفع الدعم عن المحروقات، فيما تبنت القوى السياسية المعارضة وقتها، والتي هي في موقع السلطة اليوم، ذات الموقف الذي حمله شباب ثورة سبتمبر، معتبرة تحرير الوقود يمثل مدخلا لمفاقمة معاناة الشعب وليس علاجا ناجعا للأزمة الإقتصادية.
لكن بعد سبع سنوات من المقاومة السودانية، ضد رشتات صندوق النقد الدولي للإصلاح الإقتصادي والقائمة بالأساس على إلغاء الدعم الحكومي للسلع، جاءت حكومة ثورة ديسمبر التي كانت تتوجا لإنتفاضة سبتمبر والنضالات السابقة، لتتبنى ذات الحلول المكروهة شعبيا، والمعروفة إعلاميا “بالدواء المر”، وهو موقف يعتبره مراقبون بمثابة تناقض يطعن أخلاقيا في السلطة الإنتقالية وحاضنتها السياسية “الحرية والتغيير”.
ومع حالة التباين التي تسود المشهد السوداني، إزاء تحرير أسعار الوقود بين مؤيدين ومعارضين وفق مبررات كل طرف لرأيه، إلا أن كثيرون يعتقدون بأن الحكومة الإنتقالية وتحالف الحرية والتغيير في مأزق أخلاقي كبير يصعب تجاوزه، لكونهما فعلا الذي قاوماه في وقت سابق.
غير أن خبراء سودانيون ينظرون إلى إلغاء الدعم السلعي ليس سياسة مملوكة للنظام البائد بقدر ماهي نظرية عالمية معمول بها لإصلاح الإقتصاد المتدهور، لكن إستخدامها من قبل حكومة البشير كان مشوها وتسبب في كراهية شعبية لها لكونها ترتبط بالمعاناة.
وأظهر تحالف قوى الحرية والتغيير نوعا من الرفض العلني لتحرير سعر مادتي البانزين والجازولين إتساقا مع موقفه الثابت تجاه هذه القضية، لكن سياسة رفع الدعم عن المحروقات تمضي بثبات وشارفت على التطبيق الكلي، حسب تصريحات حديثة لوزارة الطاقة والتعدين، وهو ما يثير الشكوك بشأن تفاهمات في الخفاء بين الحكومة والحاضنة الإقتصادية.
عضو اللجنة الإعلامية للحرية والتغيير، عمرو شعبان، أكد بأن تحالفه برئ تماما من تحركات رفع الدعم عن الوقود وهو موقف يخص الحكومة الإنتقالية لوحدها فهي من يصر على رشتة صندوق النقد الدولي.
وقال شعبان في حديثه “للراكوبة” “لا توجد أي تفاهمات أو إتفاق تحت التربيزة للحرية والتغيير مع الحكومة لرفع الدعم عن المحروقات، وقد بدأ ذلك واضحا من خلال حملة الرفض التي تنتظم المشهد حاليا، والتي قد تصل مرحلة المواجهة بحلول يوم 21 أكتوبر الجاري إذا مضت الأمور بهذه الوتيرة”.
وبحسب تقديره، فإن إستمرار الحكومة الإنتقالية في مسألة رفع الدعم عن الوقود وتجاهل برنامج السياسات البديلة المقدم من اللجنة الإقتصادية للحرية والتغيير، يعتبر إنتحار سياسي وستستفيد منه قوى الردة والثورة المضادة”.
وتتطابق مرافعات شعبان، مع الموقف المعلن للجنة الإقتصادية لقوى الحرية والتغيير، التي إعتبرت في تصريحات متواترة الأيام القليلة الماضية، رفع الدعم عن الوقود بمثابة إنقلاب على مقررات المؤتمر الإقتصادي.
لكن المؤتمر الإقتصادي الذي كان منتظرا منه الوصول إلى توافق بين الحكومة الإنتقالية وحاضنتها حول قضية رفع الدعم، كان بمثابة تحصيل حاصل، وفق خبراء، لأن الحكومة أبرمت إتفاقا مع صندوق النقد الدولي ببرنامج الإصلاح قبيل المؤتمر الإقتصادي، مما جعل النتائج محسومة.
ويرى المحلل السياسي شوقي عبدالعظيم، أن الحكومة السودانية تواجه مأزقا سياسيا في كيفية إزاحة النمطية السالبة للجماهير حول رفع الدعم، وليس مأزقا أخلاقيا لأن سياسة إلغاء الدعم الحكومي للسلع تمثل نظرية إقتصادية عالميا ولم يكن إبتدعها النظام البائد.
وقال عبدالعظيم خلال حديثه “للراكوبة” “كان رفض رفع الدعم في العهد البائد من منطلق أنه نظام شمولي غير شفاف ولا يوثق به، ولم نكن نعلم الى أين تذهب الأموال التي سيوفرها من الغاء الدعم السلعي، ولكن هذه حكومة ثورة وتتوفر لها الشفافية والثقة المطلوبة”.
وأضاف “ما يحدث الآن يمثل نتيجة للربكة في الخطاب الحكومي الذي يفترض أن يكون بأكثر شجاعة ويوضح للشعب ضرورة الغاء الدعم المشوه للاقتصاد والى اين ستذهب المبالغ”.
وتلمح قوى الحرية والتغيير الى انها ستقبل بخفض الدعم الموجه للمحروقات إذا ما ضمنت إلغاء فاتورة التعليم والصحة، وهو موقف أبداه عمرو شعبان، خلال حديثه “للراكوبة”.
وقال “يجب أن يجلس الجميع للوصول الى توافق حول قضية رفع الدعم كأن تقوم الحكومة بتعميم مجانية التعليم والصحة، .. ندرك تماما ان الدعم بالشكل الحالي يستفيد منه المهربين، ولكن الغائه سيزيد معاناة المواطنين وهذا ما سنرفضه”.



