مقالات وآراء سياسية

العسكر والمدنيين والحلقة الجهنمية 

يوسف السندي 

في سعي شعبنا نحو ترسيخ الديمقراطية واستدامتها ينادي الكثيرون بضرورة إعادة هيكلة القوات المسلحة وجعلها قوات مسلحة واحدة، في إشارة إلى دمج قوات الدعم السريع فيها، باعتبار أن هذا ما سيؤدي إلى استقرار الديمقراطية. صحيح توحيد القوات المسلحة ضرورة، ولكن الأزمة السياسية السودانية أكثر عمقا ولم تبدأ مع ظهور مليشيا الدعم السريع التي ظهرت في بداية هذه الالفية، بل ظهرت منذ الاستقلال.

أزمة العسكريين ليست في وحدة القوات المسلحة او مليشياتها، بل في العقلية العسكرية، نفس هذه الأزمة موجودة في العقلية المدنية. العقلية العسكرية والعقلية المدنية السودانية تعاني من انخفاض حرج في مستوى الإيمان بالديمقراطية وحقوق الآخرين، هذا هو السبب المباشر لازماتنا التاريخية والعامل الحاسم في فشل الديمقراطيات وفي نجاح الانقلابات المتعددة عليها.

كان الجيش مهيكلا وموحدا قبل الانقاذ ولم تكن هناك مليشيات، فهل دفعت هذه الهيكلة الموحدة الجيش للوقوف امام الانقلابات على الديمقراطية؟ لم تسجل دفاتر التاريخ اي وقوف عسكري حقيقي ضد انقلاب عبود او انقلاب نميري او انقلاب البشير في لحظة وقوع الانقلاب. نفس الأمر ينطبق على المدنيين، لم يخرج المدنيون رفضا لأي انقلاب على الديمقراطية في السودان في لحظة حدوث الانقلاب. هذا يوضح ان ازمتنا السياسية تكمن في العقلية السودانية نفسها سواء كانت عسكرية أو مدنية، وهي عقلية تشربت هذا الوعي غير الديمقراطي من الثقافة الشعبية والبنى الاجتماعية السائدة، لذلك اذا لم يحدث تغيير حقيقي وجذري في هذه الثقافة وهذه البنى الاجتماعية، فإن استدامة الديمقراطية في بلادنا تبدو صعبة ان لم تكن مستحيلة.

علماء الاجتماع يقولون ان الحوادث في الامم يمكن أن تحدث بشكل متكرر اذا تطابقت البنى الاجتماعية، باسقاط هذا على بلادنا فإن الأمة السودانية يمكن أن تحدث فيها نفس الاحداث اذا لم يحدث تغيير جذري في تركيبة الأمة، وبمعنى أكثر قربا ان الخروج من الدائرة الجهنمية التي ظل فيها السودان ( شمولية- ثورة شعبية- حكومة انتقالية- ديمقراطية) لن تتغير مادامت البنى التي يقوم عليها المجتمع السياسي متطابقة. وللأسف البنى السياسية التي كانت تمثل واقعنا السياسي التاريخي هي نفسها البنى الموجودة الآن وكل الأفعال تتكرر منها بالكربون. لذلك إذا لم يحدث تغيير جذري في هذه البنى السياسية فإن الحلقة الجهنمية لن تنكسر وستكون عودتنا إلى الشمولية مسألة وقت فقط. لتفادي ذلك علينا أن نفكر جميعا بطريقة عميقة غير سطحية بحثا عن طرق مبتكرة وحديثة نفكك بها هذه البنى القديمة ونركب مكانها بنى حديثة قابلة للتحول إلى حاضنة حقيقية للديمقراطية والحرية والعدالة والسلام، هذا واجب المرحلة الأهم.

 

يوسف السندي

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..