مقالات وآراء سياسية

ألصراع بين الشمال والغرب

إسماعيل عبد الله

ألصراع السياسي في بلادنا تلعب فيه الجغرافيا والجهة الدور الأكبر, وإذا أعدنا شريط الذاكرة لمائتين سنة للوراء نرى تمظهرات هذا الصراع بعين بصيرة فاحصة، وذلك ابتداءًا من العهد التركي وانتهاءًا بسقوط نظام الطاغية البشير، فالأرض المسماة بالسودان حاول الأتراك جمع شتاتها من أجل المال والرجال، لكن قيض الله لها أحد ابنائها الثوار لأن يلهم شعبها ويوحد كلمته تحت راية النضال والكفاح المدعّم بالسلاح الأبيض، الذي هزم به الترسانة العسكرية الحديثة للغاصب آنذاك، إنّه الإمام محمد احمد ملهم الثورة والدولة المهدية، التي تعتبر أول كيان سياسي واجتماعي وجغرافي يستوعب التنوع والتعدد الذي ننادي بضرورة إدارته الإدارة المستحقة والجديرة به اليوم، ورغم قصر عمر هذه الدولة إلا أنها غرست اللبنة الحديثة لمشروع الوطن الذي يمكن أن يسع الجميع، إذا ما استوعب جيل اليوم تلك الموجهات الرئيسية الفاتحة للطريق أمام تحقيق حلم بناء مثل هذا الوطن، وأحد ركائز هذا الطموح الشعبوي التي أسسها المؤسس محمد احمد هي الروح التسامحية حد السذاجة التي عرف بها (الزول) السوداني، والتربية الروحية المنطلقة من التصوف كمهذب ومشذب لتدين هذا الزول ومعدل لسلوكه ومجوّد لتعاملاته.

ألدولة الوطنية الأولى كان قوامها الشرق والغرب والشمال والجنوب (الجهات الأربع)، المهدي وتورشين ودقنة وأم دبالو، ومن هنالك انطلقت الجهوية الايجابية وإذا شأت فقل الفدرالية الحقيقية، فمنح المؤسس كل أمير من أمراء هذه الرايات الأربع، ما استحقه من جهد ومجاهدة ومصابرة ومرابطة وحكمة وسداد رأي، فتآلفت القلوب وتضافرت الجهود وتسامحت النفوس وتطايبت، فكان الإدهاش الذي أصاب الغزاة المدحورين والعملاء المأجورين، وكان الركن الركين الذي رفع بنيان الثورة والدولة هو العدل في الأحكام والإنصاف في الحصول على الحقوق وفرض الواجبات، إلى أن فجعت الشعوب السودانية بموت الرائد الذي لم يكذب أهله قبل أن يكمل مشروعه، فهاجت الدنيا وماجت وظهرت الحمية والعصبية الجهوية والعرقية، و أعاد التاربخ استنساخ صورة معركة الجمل وخروج الخوارج وتأسيس الملك الأموي العضود، فثارت الحمية الجاهلية برفض الخليفة شريف ابن عم القائد المؤسس تولي ولي العهد الغرباوي زمام أمور الخلافة وإمرة الإمارة، فضاعت الدولة وراحت شعارات الثورة وصار حظها دقيقاً منثورا تذروه الرياح، واستقدم ابناء الوطن الغريب ليخلصهم من القريب.

ألغريب الأنجليزي معلم الشعوب ضروب السياسة وخبثها وخبائثها، ومدشن حملة فرق تسد من أقاصي شرق آسيا مروراً بالهند والسند وافريقيا، كأنما أراد أن يلقن الجغرافيا التي رفدت الدولة المهدية بالأسود الضارية درساً انتقامياً لما فعلته أنياب هذه الأسود بعنق غردون، الرجل الذي قهر الصينيين جهابذة فون الحروب وامتطى ظهورهم، فكان حظ دارفور المفرخة للأشبال الإهمال والتأخير في الإلحاق بالوطن الكبير الذي روته دماء أبطالها، فقام البريطانيون ومن قبلهم الترك بقبر كيان دولة كاملة مكملة إسمها سلطنة الفور، دولة كان لها علمها وعملتها وتمثيلها الدبلوماسي في المحفل الدولي آنذاك، ولها سبقها الديني في كساء الكعبة الشريفة عبر تدشين حملة المحمل المحول على ظهور الدواب السائرة شهورا لكي توصله إلى قبلة المسلمين، وكما قال الراحل عرّاب الإسلام السياسي المدرك لبواطن مثل هذه الأمور، في إحدى لقاءاته التلفزيونية أن الانجليز لا ينسون ثأرهم، فكان جزاء هذه الجغرافيا المحاولات المستميتة لمحو أثرها الحضاري، لكنها أبت أن تموت وتقبر، فانفجرت أرضها بركاناً سائلاً وصاخباً بعد مائة عام من مقتل السلطان علي دينار.

ألملاحم الوطنية للغرب الكبير شاخصة وماثلة ومثيرة للحفيظة والغيرة، موت المقدوم مسلم على تخوم الأبيض مجابهاً لحملة الدفتردار ومقتل تورشين بأم دبيكرات وقنص علي دينار بجبل مرة  بالسلاح الأوروبي، وقصف خليل ابراهيم بذات السلاح المحمول جواً، له دلالات وعبر تندرج تحت مسمى الصمود والعزة والكرامة، والتاريخ يظل يكرر نفسه كل مائة عام، فتنصرم الشهور وتمضي السنون وتنقلب الأمور رأساً على عقب، ويحار الناس في التحولات الكلية والتغيرات الجذرية، لكنها السنن الكونية، فالتضجر والتململ واليأس الذي أصاب النخبة السياسية والثقافية في الشمال النيلي بعد الأعاصير والرياح العاتية التي هبّت من جوبا، أمر طبيعي بحكم الصراع الجغرافي القديم المتجدد الذي برز هذه الأيام، فالتدافع والقتال والصلح والسلام أمور ربّانية لا يمكن للفرد أن يتخذ فيها القرار، فقد شاء المهندس الأعظم أن تنحرف سفينة الدكتاتور وتغرق لينجو شعب بأكمله من المحرقة، وأمر الحكم والسلطان كما أخبرتنا روايات التاريخ وكتب الدين ومواعظ العلماء، بأن الفيصل فيها انقضاء مواقيت النزع و حضور أزمنة إتيان الملك.

ألجنوب الحبيب تاريخياً تنقصه بعض الأدوات المفصلية في إدارة صراعه مع الشق الشمالي من القطر، هذه المنقصة الجنوبية تقابلها معرفة غرباوية دقيقة بطرائق التعاطي مع سايكلوجية النخب المركزية، وهذه المعرفة لها جذر تاريخي قديم ضارب في العراقة، تمسك بتلابيبه هذه النخب الغربية وتجيد فنون إصدار معزوفته والرقص على إيقاعها، جبهة نهضة دارفور كانت البداية، وكانت بدايتها غريبة كغرابة حركة العدل والمساواة في أحياء الخرطوم هذه الأيام، ثم جاء محمد نور سعد وبولاد وخليل والزبيدي، وهم من الأموات، أما الأحياء فلا يقلون وزناً ولا يتقاصرون قامة من الذين ذهبوا إلى الدار الرحيبة، ولا تصدهم عن متابعة المسير هذه الجلبة والضوضاء وذلك الصخب الذي يصدره الذين لا يقرأون التاريخ ولا يعتبرون بما مضى من محاذير شاهدة على معالم الطريق.

 

إسماعيل عبد الله

[email protected]

 

‫3 تعليقات

  1. (فقام البريطانيون ومن قبلهم الترك بقبر كيان دولة كاملة مكملة إسمها سلطنة الفور، دولة كان لها علمها وعملتها وتمثيلها الدبلوماسي في المحفل الدولي آنذاك، ولها سبقها الديني في كساء الكعبة الشريفة عبر تدشين حملة المحمل المحول على ظهور الدواب السائرة شهورا لكي توصله إلى قبلة المسلمين، وكما قال الراحل عرّاب الإسلام السياسي المدرك لبواطن مثل هذه الأمور، في إحدى لقاءاته التلفزيونية أن الانجليز لا ينسون ثأرهم، فكان جزاء هذه الجغرافيا المحاولات المستميتة لمحو أثرها الحضاري، لكنها أبت أن تموت وتقبر، فانفجرت أرضها بركاناً سائلاً وصاخباً بعد مائة عام من مقتل السلطان علي دينار) لماذا لا ترجع دارفور كما كانت ؟ دارفور تم ضمها للسودان النيلي بواسطة نيلي اسمه الزبيز باشا رحمة بعد هزيمة سلطانها ابراهيم قرض في معركة منواشي …. مقالك ينضح بعنصرية نتنة و سوف لن نصبر عليها و سوف تجدون انفسكم كاشباهكم الجنوبيين عندما نقرر مصيرنا و نقيم دولتنا قريبا لم ولن نعيش مع عنصريين امثالك…سوف ياتي يوم لم تجد من يهمشك من اهل الشمال …و سوف تشتعل بينكم الحروب..حمرة و زرقة…معاليا ..بني هلبة..زغوة..فور…وهكذا …هذا هو حالكم يا اهل دارفور..

  2. الجنجويدى الصغير إسماعيل عبدالله ،
    أحد مرتزقة المجرم حميتى ،
    لا يحتوى رأسه الخاوى
    على غير عنصريته المقيته ،
    وهو هنا فى هذا المقال ،
    يَتَصَنَّع السفسطة والتنظير ،
    ويخترع ما يُسَمِيه – زوراً وبهتاناً – :
    ” الصراع بين الغرب والشمال ” ،
    ليضيف شعاراً زائفاً جديداً
    إلى قاموسه العنصري المقيت .

  3. ما تتحدث عنه هو الهوة التى لا نتمنى ان يسقط السودان الجديد فيها انها شفا حفرة من نار اتقوا الله فى وطنكم واتعظوا من الدول التى سقطت اسيرة القبلية والجهوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..