أخبار متنوعة

تبادل الأسرى: ثغرة في حرب اليمن

في أكبر عملية لتبادل الأسرى في تاريخ الصراع اليمني المستمر في عامه السادس، شهد يوم أمس الخميس إطلاق سراح أكثر من 700 أسير من الحوثيين والقوات الحكومية إضافة إلى جنود سعوديين وسودانيين، في إطار اتفاق يشمل إطلاق 1081 أسيراً كمرحلة أولى، ليشكّل ذلك ثغرة مهمة في الحرب اليمنية. ولكن على الرغم من أهمية هذا الاختراق بإعادة الأمل لجهود السلام، إلا أن التوقعات تبقى منخفضة بإمكان حدوث انعكاسات جوهرية لهذه العملية على مستقبل الحل السياسي في البلاد، الذي لا يزال مرتبطاً بخارطة السيطرة والنفوذ على الأرض، وبمصالح الدول الخارجية المنخرطة في الصراع.

ونجحت الأمم المتحدة، أمس، في تحقيق اختراق جوهري بملف الأسرى، تمثّل بالإفراج عن 730 أسيراً كدفعة أولى، ومن المقرر أن يعقبها اليوم الجمعة أعداد أخرى تكملة للعدد الذي تم الاتفاق عليه في جنيف بـ1081 كمرحلة أولى. ووصلت الدفعات الأولى من الأسرى الحوثيين قادمة من مطاري أبها السعودي وسيئون اليمني، فيما وصلت دفعة من الأسرى التابعين للقوات الحكومية إلى سيئون، بالتزامن مع وصول 15 جندياً سعودياً و4 سودانيين إلى السعودية. وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن 5 طائرات تابعة لها، تحركت صباح أمس من مطارات أبها وصنعاء وسيئون، ضمن عملية نقل وإطلاق سراح المحتجزين السابقين التي اتفقت عليها أطراف النزاع في اليمن. وقالت اللجنة، في تدوينة على حسابها الرسمي في “تويتر”، إن عملية تبادل المحتجزين، تمت بالتعاون مع الهلال الأحمر اليمني والهلال الأحمر السعودي. ولفتت اللجنة إلى أنها كوسيط محايد، ستساعد مئات المحتجزين السابقين على العودة إلى ديارهم.

وأكد مصدر في اللجنة الحكومية لشؤون الأسرى لـ”العربي الجديد”، أن عمليات التبادل أمس، شملت 730 أسيراً، وذلك بواقع 480 حوثياً، مقابل 250 من الحكومة، وذلك على دفعات صباحية ومسائية. ووفقاً للمصدر، من المقرر أن تستكمل عملية التبادل اليوم الجمعة، بإطلاق سراح 100 أسير حوثي، مقابل 251 أسيراً ومحتجزاً تابعين للحكومة اليمنية.

وشملت الدفعة الأولى من المحتجزين الذين أفرج عنهم الحوثيون، 5 صحافيين تم اعتقالهم في صنعاء عام 2015، وهم هشام طرموم وهشام اليوسفي وهيثم عبدالرحمن الشهاب وعصام أمين بالغيث وحسن عناب، فيما تم استمرار احتجاز 4 آخرين، محكوم عليهم بالإعدام. وأكد مصدر حكومي في لجنة الأسرى، لـ”العربي الجديد”، أن جهوداً كبيرة بُذلت لإدراج الصحافيين الخمسة على قائمة المطلق سراحهم، وقدّمت الحكومة الشرعية والتحالف السعودي الإماراتي عدداً من التنازلات لجماعة الحوثيين من أجمل إتمام عملية إدراج الصحافيين، من دون الكشف عن ماهية تلك التنازلات، لكنه أشار إلى أن السماح بعودة أكثر من 240 عالقاً حوثيا غالبيتهم جرحى من مسقط إلى مطار صنعاء، كانت إحداها. ونظّم طرفا النزاع استقبالات رسمية وشعبية للأسرى والمحتجزين المحررين، وبدت الفرحة على أهاليهم الذين تدفقوا على المطارات، فيما نشر ناشطون لقطات لعدد من المحررين وهم يسجدون على أرضيات المطارات، في مشهد يعبر عن فرحتهم بالحرية التي نالوها بعد سنوات من الاحتجاز خلف القضبان.

واستعادت جماعة الحوثيين، العدد الأكبر من الأسرى، ووفقاً لرئيس المفاوضين الحوثيين في لجنة الأسرى، عبد القادر المرتضى، فقد وصل إلى صنعاء 470 أسيراً حوثيا على متن 4 طائرات، فيما من المتوقع أن يصل اليوم الجمعة 200 أسير من مطار عدن الدولي. وجرت عملية التبادل أمس غداة إعلان الولايات المتحدة الأربعاء الإفراج عن أميركيين اثنين كانا محتجزين في اليمن لدى الحوثيين، الذين استعادوا في المقابل، في ما بدا أنّهه صفقة تبادل، نحو 240 من أنصارهم كانوا عالقين في سلطنة عمان. وقالت مصادر يمنية وغربية إن مسقط رعت صفقة الإفراج عن الرهينتين الأميركيتين مقابل سماح التحالف السعودي الإماراتي بعودة 240 عالقاً حوثياً أغلبهم جرحى حرب كانوا يتلقون العلاج بالخارج منذ قرابة عامين، بعضهم من القيادات العسكرية الحوثية البارزة.

وتعليقاً على عملية التبادل أمس، قال المتحدث الرسمي للحوثيين، محمد عبد السلام، إنها تعيد الأمل في بناء السلام، متوقعاً أن تنعكس هذه الخطوة بشكل إيجابي على الملف السياسي، بالتزامن مع الجهود التي يجريها المبعوث الأممي مارتن غريفيث لطرح ما يسمى بالإعلان المشترك لوقف إطلاق النار. وقال عبد السلام، في تصريحات نقلتها قناة “المسيرة” التابعة للجماعة، “ما وصلنا إليه هو حالة طبيعية، لأنها صفقة إنسانية يستفيد منها الجميع وليست سياسية، ولا بد أن نصل إلى وقف العدوان ورفع الحصار”، في إشارة للعمليات العسكرية والحظر الجوي والبحري المفروض من التحالف السعودي الإماراتي منذ 2015. وأشار إلى أن وجود الأسرى السعوديين هو أحد نقاط القوة، لافتا إلى أن الذين خرجوا أمس “هم جزء بسيط ولدى الجماعة المزيد من الأسرى السعوديين”. وأبدى استعداد الحوثيين للدخول في تبادل الكل مقابل الكل، بناء على المطالب التي كانوا قد تقدموا بها في مشاورات استوكهولم أواخر 2018.

في المقابل، قال وكيل وزارة حقوق الإنسان في الحكومة المعترف بها دولياً، ماجد فضائل، لـ”العربي الجديد”، إن عملية التبادل تُعدّ بارقة أمل نحو السلام، لكنها ليست سوى قطرة في بحر من الخطوات التي من المفترض أن تتم للوصول إلى السلام الشامل. وذكر فضائل، وهو عضو الوفد الحكومي المفاوض في لجنة الأسرى، أن السلام لن يتحقق سوى بتصفير السجون الحوثية من كافة المعتقلين والمخفيين وإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، حسب تعبيره. وأعرب المسؤول الحكومي عن خيبة أمله لأن غالبية المحتجزين المفرج عنهم من السجون الحوثية خرجوا وهم في حالة نفسية وجسدية مزرية، متهماً جماعة الحوثيين بتعذيب الأسرى والمعتقلين الموالين للشرعية. وأشار إلى أن بعض الأسرى تم استلامهم وهم في حالة أقرب إلى الجنون جراء التعذيب، لافتاً إلى أن هناك أسرى بحاجة إلى دعم نفسي عاجل، وهناك بعض الحالات من الصعوبة عودتها إلى وضعها الطبيعي جراء ما عانته في السجون الحوثية. وأظهرت لقطات نشرها ناشطون وأهالي المفرج عنهم، أن غالبية الأسرى التابعين للحكومة، نزلوا من سلم الطائرات وهم على عكازات، جراء التعذيب، فيما بدا جميع الأسرى الحوثيين المفرج عنهم من سجون القوات الحكومية بصحة جيدة.

من جهته، رحّب المبعوث الأممي مارتن غريفيث، بعملية إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، واعتبرها “علامة جديدة” على أن الحوار السلمي يمكن أن يؤدي إلى نتائج حميدة، وفقاً لبيان مقتضب نشره على حسابه الرسمي في “تويتر”. وفيما هنأ العائلات التي ستستقبل أحباءها بعد طول انتظار، أعرب غريفيث عن أمله في أن يلتقي الطرفان قريباً برعاية الأمم المتحدة لمناقشة إطلاق سراح كل السجناء والمعتقلين على خلفية النزاع المتصاعد من 2015. وفي إحاطة أمام مجلس الأمن بشأن الأوضاع في اليمن مساء أمس، لفت غريفيث إلى أن تبادل الأسرى لم يشمل آلافاً ممن احتجزوا خلال النزاع، داعياً لمناقشة هذه القضية، ومتمنياً أن يؤدي كشف مصير المخفيين قسراً إلى بناء الثقة بين أطراف الصراع. ولفت إلى أن مفاوضات أطراف النزاع بشأن الإعلان المشترك تهدف لوقف إطلاق النار، موضحاً أنها مستمرة لكن طرفي النزاع لم يتفقا بعد على نص موحد، مؤكداً أن الطرفين متمسكان بالمفاوضات للتوصل إلى اتفاقات طموحة تشمل وقف إطلاق النار وإجراءات إنسانية، داعياً لوقف فوري لإطلاق النار مع تراجع حدة المعارك. وحذر من أن الوضع الميداني في الحديدة تدهور واندلعت معارك جنوب المدينة وهي الأسوأ منذ الاتفاق الأخير، كما تحدث عن انخفاض حدة القتال في مأرب مع إشارته إلى أن الوضع يبقى متقلباً.

وتعليقاً على تطورات الأمس، قلل الباحث والمحلل السياسي اليمني، مصطفى ناجي، من إمكانية حدوث انعكاسات جوهرية لعملية تبادل الأسرى على مستقبل الحل السياسي وعملية السلام في اليمن، والتي قال إنها لن تتحقق إلا بعمل آخر يؤدي إلى تغيير خارطة السيطرة والنفوذ على الأرض في المقام الأول. وأضاف ناجي في تصريحات لـ”العربي الجديد” أن عملية الإفراج عن الأسرى بادرة جيدة، ولو أنها شملت عدداً محدوداً، لكنها منحت أطراف النزاع فرصة للتملص من الاستحقاقات الحقيقية وهي القبول بالإعلان المشترك لوقف إطلاق النار. ورأى أن القبول بتنفيذ اتفاق الأسرى يبدو أشبه بطعم من الأطراف اليمنية للمبعوث الأممي مقابل التلاعب والتملص من مسودة الإعلان المشترك لوقف الحرب وتفعيل الحل السياسي، لافتاً إلى أن الجهود الحقيقية التي كانت وراء نجاح صفقة التبادل هي للجنة الدولية للصليب الأكبر، صاحب الخبرة الواسعة في هكذا عمليات على المستوى الإقليمي والدولي.

العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..