
بعد تولي حكومة حمدوك الحكم دخلت البلاد في حال من الفوضى والانهيار الاقتصادي الذي كانت آثاره المباشرة على المواطن السوداني، كما ان وضع السودان الحالي يدعو الى القلق ومفتوح امام كل الاحتمالات، لذلك على أهل الخبرة السياسية والحنكة من التدبر والتفكر في كيفية الخروج من المأزق دون الرجوع الى العسكر وسدنة النظام السابق. الكل اجمع على فشل حكومة الحرية والتغيير والمتمثلة في تشكيلة الدكتور حمدوك، والكل يدرك حجم الورطة وصعوبة الخيارات، حيث لا توجد منطقة وسطى بين نار حمدوك ونار العسكر، والمكتوي الوحيد هو الشعب السوداني الذي بات يتمنى زول التجربة الديمقراطية ويلعن الساعة التي قامت فيها ثورة ديسمبر المجيدة.
كنت اتوقع دخول البلاد في هذه الفوضى بعد الثورة نسبة لقلة الخبرة عند الساسة السودانيين وغياب القيادة الكاريزمية بين متقدمي صفوف الثورة وقادة الأحزاب السياسية ولكن هذه حالة طبيعية ونتاج لـ ثلاثين عاما من القمع الممنهج من قبل النظام السابق، والمعروف أن الثورات تتبعها فترة من التدهور بسبب اختلال الانظمة الأمنية والسياسية والاقتصادية، كما لا ننسى التدخل الخارجي وتأثيره المباشر على مسار الفترة الانتقالية وحكومة الدكتور حمدوك. ما ذكر يعلمه الأكاديميون وأهل الاختصاص ولكن كيف يتم تفسيره الى مواطن بسيط ضاقت به الحياة وأصبح يكابد في صفوف الخبز والبنزين والدواء والغلاء الطاحن ويفقد ادخاره نسبة لارتفاع معدلات التضخم بصورة جنونية حيث أصبحت الجنيهات السودانية لا قيمة شرائه لها، وسط هذا الضنك يصعب على عوام الشعب فهم أن الحرية والديمقراطية تتطلب هذا العناء، بل عندها تصبح الحرية والديمقراطية ترف النخب وحاشيتهم من أهل الحضر.
إذا حللنا الوضع الراهن من ناحية اجتماعية نجد أن السودان يعاني بسبب التكتلات القبلية والمناطقية ويعيش حالة اضطراب فظيعة نتاج هذا الخلل في البنية الاجتماعية للدولة وعليه ترى التفلت الأمني وعدم الاستقرار في الأطراف وحتى المركز بعد الثورة. تاريخ الاضطرابات الاجتماعية طويل ولا داعي للخوض فيه، وهو صراع قديم متجدد ما أن تنطفئ ناره في منطق ما، تجده يتجدد في أخرى، يمكن أن نراه واضح في صراع الجنوب والذي ما إن حل دخلنا في صراع دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، لم تكتمل فرحت السلام الذي حقق مؤخرا في جوبا إلا واشتعل الصراع هذه المرة من الشرق نسبة لمطالب عادلة من قبل الأهل الشرق، كأنما القدر يسخر منا ويردد لا يغير الله بما بقوم إلا أن يغيروا ما بأنفسهم.
السودان مرة بتجارب ديمقراطية فاشلة نتج عنها انقلابات عسكرية ادخلته في نفق مظلم يصعب الخروج منه في ظل وجود نفس النخب الرجعية والظلامية التي تأبى التجديد، كما لم يتسنى له قادة مستنيرين يحملون لواء التغيير والتحديث إن كان من النخب المدنية أو العسكرية، حيث غدا التكرار السمة الاساسية بعد كل ثورة ومع اختلاف الألوان في التلفزة من ابيض واسود الى ملون، نجد امتداد الصراع بين اليمين واليسار يتكرر ويفسد الحالة الثورية الطامحة للتغيير ويرجعها الى المربع الاول دوما. أين تكمن العلة السودانية؟ هل أدمنا الفشل؟ هل يوجد بين ظهرانينا قادة مبدعون؟ لماذا الكل يكره هذه الأرض؟ هل قدرنا أن نتصارع حتى يفنى اخر رجل؟ أليس فينا رجل رشيد يتقدم الصف؟
معضلة السودان تكمن في الداخل في التركيبة السياسية والعسكرية والاجتماعية والحل لن يأتي من الخارج كما يتوقع بعض أشباه النخب، والامثلة على ذلك كثير من افغانستان الى العراق وليبيا، رأينا اشكالية التغير المفروض من الخارج كيف مزق هذه البلدان وعليه يجب أن ندرس الحالة السودانية ونحللها حسب واقعنا الداخلي والاجتماعي ونختار ما يتوافق معها، كما يجب أخذ الجوانب الجيوسياسية والتغيرات العالمية التي تحكمها في الاعتبار لاسيما في ظل وجود قوة إقليمية وعالمية تطمح في تقويض أي استقرار سياسي وأمني في السودان.
ختاما، أتيحت فرص تاريخية للدكتور حمدوك وحصل على تفويض لم يسبقه عليه أحد وما تزال الفرصة بين يديه لصنع التغيير المنشود وضبط ايقاع الواقع السياسي في البلاد بعيدا عن النخب التي أدمنت الفشل إن لم يكن هو جزءا منها، كلنا يعرف صعوبة المهام والتشابكات الداخلية بين المدنيين والعسكر وغيرها ولكن المرحلة تتطلب رجل قادر على التحدي ويمتلك الجرأة والقدرة على المواجه دون تردد. وأخيراً، أقول للدكتور حمدوك حان الوقت إما أن تصنع التغيير أو أن ترحل.
أبوبكر عبدالله
[email protected]




إننا أفارقة ولا نعترف بذلك. :)
مقال جميل يستحق الوقوف عنده كثيرا.مما يدل بأن ما زال في السودان عقول تعلم الحاصل. الخلول في الداهل وليس في الخارج كما يظن كثير من الناس .
الحل من الداخل بضبط وسيطؤة الدولة علي الن الاجنبي وارجاع ادارة رقابة النقد الاجنبي ببنك السودان . هناك اجراءآت اولية سهلة يجب اتخاذها مثل ارجاع نظام اعلان العملات في جميع الموانئ الجوية والبحرية والبرية هذا لا يحتاج الي صدام مع العسكر في الوقت الراهن البداية بالاجراءآت الاسهل اولا بالسيطرة علي حصائل الصادرات بالسيطرة علي النقد الأجنبي ومسكه من تلجامعات بإغلاق الصرافات الخاصة بإغلاق كل المنفذ التي تسرب العملات الاجنبية الي السوق الموازي وهكذا تكون الحلول المتاحة الان.