مقالات وآراء

(شخصيات في الذاكرة) البروفيسور أودو شتاينباخ Prof. Udo Steinbach

د. حامد فضل الله

ــ تعرفت على البروفيسور والمدير السابق لمعهد الشرق في هامبورج، أودو شتاينباخ، عندما حضر الندوة الأولي لمنظمة حقوق الاِنسان في الدول العربية / برلين في عام 1992 “حول حالة حقوق الانسان في الدول العربية”. ومنذ ذلك الحين لم تنقطع علاقتنا، خاصة عندما انتقل الى برلين، بعد سن التقاعد. كما قمت بترجمة مقاله المهم ونشر في صحيفة القدس اللندنية، بعنوان “الاِسلام والحداثة”، الذي نشر في مجلة دير اشبيجل 1992، جاء فيه:

“إن النتيجة الوخيمة لحرب الخليج سوف يكون لها أثر طويل المدى، فلقد أصابت أفئدة ووجدان كثير من المسلمين. إذ أنه من الواضح أنها كانت أكثر من هزيمة في موقعة بين جيشين مدججين بأحدث وسائل التسليح. أما المؤلم من ذلك فهو السؤال الذي يطرح نفسه حول العلاقة بين الإسلام والحداثة.

لقد حدد المثقف التونسي فوزي ميلة بدقة وإيجاز هذا الموقف المحير عندما كتب: “إذا كانت الحروب تسفر أحياناً عن ثورات، فذللك لأنها تحطم الأوهام. وإن النظرة المتخصصة تستطيع أن تكتشف تحت أنقاض حرب الخليج الأخيرة بقايا وهم ضرورة التكنولوجيا فقط من خلال أجهزة الدولة، ذلك الوهم الكاذب الذي صوّر للعرب منذ مائة عام، بأن الحداثة الغربية على أنها القوة (والقوة على أنها رمز التجديد)“. وليس صاحب تلك المقولة ممن يعادون الغرب، فإن غالبية المثقفين المسلمين غير غافلين عن حقيقة أن الحداثة والتطور ما زالا يخضعان لصياغة الغرب، وأن مقاييسهما في ذلك يحددها الغرب.

ولكن هل يعني التحديث إذن التسليم للغرب والتقليد الأعمى لسياسة التطور، على طريقة صدام حسين مثلاً؟ إن نتيجة الحرب قد حطمت الوهم. ففي النهاية ظهر أن الأمر إنما هو صراع بين الغرب وصورة للغرب”.

“إن البحث ما زال مستمراً عن نظام إسلامي ضمن إطار الحداثة يحدد الغرب مضمونها بينما تسير عجلة التقدم العلمي والتقني بسرعة إلى الأمام في الغرب وتزداد الهوة اتساعاً ليس بين الدولة الإسلامية والغرب فحسب، وإنما بينها وبين الدول الصاعدة في الشرق أيضاً.

هل سيتمكن العالم الإسلامي من المشاركة الفعالة في تطور علمي وتقني؟ أي حسب شعار “أن نصبح مثل اليابان” بأن نكون على مستوى الغرب ونكون جزءاً منه فيما يتعلق بالحداثة، ورغم ذلك لا نفقد هويتنا. لكن هذه الصورة التي يتمناها العديد من المسلمين تزداد ابتعاداً عن أرض الواقع. وهذا الموقف المحير للإسلام في هذا القرن يمكن أن يتكرر في الجزائر، فبعد فشل الذين أرادوا تحديث البلاد عن طريق التحديث الأعمى للنظريات الغربية، يبحث أصحاب الفكر الإسلامي فرصتهم تحت شعار “الإسلام هو الحل”، حقيقة أن المسلم يحتاج إلى “نظام إسلامي” تتآخى فيه الحداثة مع الإيمان. ولكن ألا يحتاج الإسلام أيضاً إلى نهضة، أي نظرة نقدية إلى المنبع؟ ليس فصل ما هو اجتماعي عما هو ديني كما هو الحال في أوروبا الحديثة، بل من أجل تحديد العلاقة بينهما، بمعنى التنسيق الإسلامي بين الديمقراطية وسيادة الشعب وحقوق الإنسان”.

كما قدمتُ مراجعة لكتابه ” العالم العربي في القرن العشرين”، الصادر في عام 2015، ونُشرت المادة في مجلة العربي الكويتية.

كما أصدر من قبل بمشاركة فيرنر ادنا، كتاب ” الاسلام الراهن”، وهو عمل ضخم، صدرت الطبعة الأولي عام 1984 والطبعة الخامسة المنقحة والموسعة عام 2005.

وكان البروفيسور شتاينباخ يقدم لنا المشورة في مؤسسة أبن رشد للفكر الحر، واستضاف في معهده العديد من الباحثين العرب وأساتذة من جامعة الخرطوم، كما استضاف لفترة طويلة بيتر كوك كباحث، بعد مغادرته الخرطوم وانضمامه الى الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة العقيد جون قرنق. شتاينباخ عالم جليل، ومهموما وملتصقا مع قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا. تتركز ابحاثه الآن عن إيران.

لقد أرسل لي الأستاذ الفاضل، رسالة مشجعة، أعرضها هنا عربياً بإيجاز:

عزيزي الدكتور فضل الله، “ربما يستغرق الأمر بعض الوقت للحصول على انطباع عن مثل هذا الكتاب
– تقرير إدوارد روبيل في ترجمتك – . لذلك أعتذر عن عدم الاتصال بك حتى الآن (شكرًا جزيلاً أيضًا على هذا الإهداء الودود).

فروبيل هو أحد رواد البحث السوداني في ألمانيا. وحقيقة أنك تعهدت بترجمة تقريره حول أجزاء من السودان والمناطق المجاورة إلى اللغة العربية، يعتبر ذلك هدية ثمينة للزملاء السودانيين الذين يتعاملون مع تاريخ وظروف بلادهم؛ ولكنه في نفس الوقت شرف للرحالة والعالم الألماني المهم. وبالطبع، لم أتمكن من قراءة كل شيء، ولكنني فقط تخيرت بعض المقاطع المثيرة بشكل خاص. ولقد كانت القراءة ممتعة حقا. وأنا متأكد من أن الكتاب سيُستقبل بصورة جيدًة. كما أن العرض جذابٌ جدا.

ربما لديك بالفعل مشاريع أخرى تجري تحت قلمك. أتمنى لك كل النجاح في هذا. وأما أنا شخصياً فأنهي للتو مخطوطة واسعة بعنوان: “الثورات – التدخلات – ردود الفعل. طريق الشرق الأوسط الطويل إلى مستقبله”. يجب أن يتم شرح كيفية إمكانية حدوث مثل هذه الكارثة خلال القرن العشرين. وجغرافيا، تغطي هذه الدراسة المنطقة الواقعة بين المغرب وأفغانستان، بما في ذلك تركيا وإيران والعالم العربي وأفغانستان والقوقاز وروسيا.
أتمنى لكم دوام التوفيق والتمتع الإبداعي،

مع أطيب التحيات،
أودو شتاينباخ
8. سبتمبر 2020 ”
خلفية الرسالة

لقد قمت مع السيدة فادية فضة بترجمة كتاب، من الحجم الكبير للرحالة الألماني إدوارد روبيل، الموسوم “رحلات في شمال السودان وكُرْدفان وشبه جزيرة سيناء وساحل الحجاز”، فرانكفورت أم ماين 1829، وصدرت الترجمة من دار المصورات – الخرطوم 2019. لقد قام الدبلوماسي والباحث الرصين الدكتور خالد محمد فرح، بمراجعة دقيقة للكتاب وضبط أسماء الشخصيات والأماكن والترخص في ترجمة العنوان، من دون إخلال بالمعنى الذي هدف إليه المؤلف، ونقل ما قصد اليه المؤلف بمصطلحات معاصرة، واكثر سيرورة، وأسهل إدراكا بالنسبة لذهن القارئ غير المتخصص في الوقت الراهن. ود. خالد هو صاحب فكرة ترجمة هذا الكتاب المهم. كما كتب البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، مقدمة ضافية، أضافة الى ترجمة الكتاب قيمة كبيرة، متتبعاً نشأة أدب الرحلات الغربي عن الشرق، عارضاً الجوانب الهامة لكتاب روبيل. لقد كنا نعتقد، بأننا أول من قام بترجمة أحد أعمال الرحالة الألمان، لكن تبين لنا من عرض كلا من خالد وأبو شوك، بأن شاعرنا الكبير الفذ الراحل النور عثمان أبكر قام بترجمة كتاب الرحالة الألماني ألفريد أدموند بريم، الموسوم “رحلة دارفور،1847 ــــ 1852 إلى اللغة العربية، وأصدرت دار مدارك بالخرطوم للطباعة والنشر طبعته الأولى عام 2010 م. لم التق بالنور في ألمانيا، فعند حضوره الى المانيا الغربية في منتصف الستينيات من القرن الماضي، كنت في الصف الثالث بكلية الطب بألمانيا الديمقراطية، ولكنني كنت اتابع مولد تيار أو مصطلح: الغابة والصحراء”، الذي أصطكه النور، كتيار في الأدب السوداني، والذي مضت على مولده الآن أكثر من خمسين عاما. وانضم اليه الشاعران المجددان محمد المكي إبراهيم ومحد عبد الحي، الذي تخلى سريعا عن ذلك التيار، وعلق على ذلك زميله محمد المكي إبراهيم، بجملة بليغة “ولكن مطولة (العودة إلى سنار)، احتفظت له بمقعده دافئا في نفس الزمرة التي أريد له أن يتخلى عنها”. ومثل ما انتشر التيار سريعا، اندثر سريعا أيضا، بسبب التنازع في تعريف الهُوية، ونشير هنا إلى مقال النور الهام بعنوان ” لست عربياً ولكن”، بعد أن هوجم بسبب أصوله الأفريقية، ونشر المقال في صحيفة الصحافة عام 1967 وجاء الرد عليه من صلاح أحمد إبراهيم في نفس الصحيفة أيضاً، بعنوان “بل نحن عرب العرب”. أنظر الكتاب الهام ( الهُويات القاتلة ــــ الكتاب الحصيف لـ أمين معلوف). كما أنني لم التقٍ بمحمد المكي إبراهيم، فزيارته إلى ألمانيا كانت خاطفة، وقتها كان طالبا في جامعة الخرطوم، ولم يعمل كدبلوماسي في ألمانيا.

Dr. Anette Weberالدكتورة أنيتا فيبر

ــ تعرفت على د. أنيتا فيبر عند مشاركتها لأول مرة في المؤتمر السنوي لمنبر السودان في مدينة هيرمانسبورج، بالقرب من هانوفر، وقتها كانت في مرحلة الدراسة الثانوية، من ذلك الحين توثقت علاقتي بها. وهي الآن عضو ممتاز في المجموعة البحثية للشرق الأدنى والأوسط وأفريقيا في مؤسسة العلوم والسياسة، المعهد الألماني للسياسة والأمن الدولي برلين. تتركز ابحاثها حول القرن الأفريقي. زارت السودان عدة مرات، وقمتُ تقريبا بترجمة كل ابحاثها عن السودان وجنوب السودان واحيانا عن إثيوبيا.

د. حامد فضل الله
[email protected]

تعليق واحد

  1. داريوش شايغان تحدث عن التشنج الناتج من صدمة الحداثة للحضارات التقليدية و الحضارة الاسلامية واحدة من ضمنها لذلك هناك كثير من الكتابات و الترجمات لا تدل الا على التغرب اللا واعي يقف خلفها اصحاب الوعي الكئيب كما يقول داريوش شايغان فالحضارة الاسلامية كحضارة تقليدية في حالة تشنج ناتج من صدمة الحداثة و الغريب في زمن اصبح فيه العالم الغربي على اعتاب الدخول الى توسيع ماعون الحرية و علمنة المعلمن مع أفكار فردريك نيتشة و مارتن هيدغر نجد عندنا من يحاول ان يرجع لحقبة التسعينيات في وقت تغيرت فيه خارطة النقد و تجاوزت مسألة المصالحة مابين الحداثة و التراث و فكرة القطيعة التي لم تعرف الى مكتبتنا سبيل بل نجد في هذا المقال رائحة الترويج لشرق و غرب و اسلام و حداثة و غيرها من علامات الوعي الكئيب الذي يمنح الغنوشي جائزة ابن رشد من لجنة فيها عبد الوهاب الأفندي و غايته فليستعد القرأ لأفكار لا تجسد غير التلفيق و التوفيق الكاذب بين الحداثة و الحضارات التقليدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..