مقالات وآراء سياسية

تاريخياً.. التطبيع السوداني..فكرة متجاوزة لأطرافها الموقعة

معمر حسن محمد نور

فاجأ دبلوماسي غربي السياسي الراحل عمر نور الدائم إبان التجمع الوطني الديمقراطي ، بأن على السودانيين ألا يبالغوا في تقدير أطماع الغرب في ثروات بلادهم تفسيراً لمواقف الغرب. فما يقلق الغرب حقيقة في الحالة السودانية ، هو ذلك البروز المتكرر لتيارات دينية متطرفة تعادي الغرب بالكامل. فبعد الثورة المهدية ومقدرتها على دخول الخرطوم وقتل الحاكم العام البريطاني وتكوين دولة شديدة العداء للغرب. استغرقت فكرة الإخضاع الصاغر للإرادة الغربية ، نصف قرن  من عودة الاستعمار وتحطيم دولة المهدية وذهاب زعماء الطوائف الدينية لبريطانيا لتقديم فروض الولاء والطاعة للتاج البريطاني ! ليجد الغرب نفسه بعد قرن من المهدية أمام نظام إسلامي راديكالي في معاداته للغرب ! وإن صحت فكرة الدبلوماسي ، إلا أنها في تقديري ناقصة . فالعداء لإسرائيل كذراع غربي يقطع الاتصال الجغرافي  الإسلامي نحو آسيا بكاملها ، ليس نزعة تخص الراديكاليين الإسلاميين فقط. ولئن قدرنا موقف التيارات العروبية ، فإن اللافت هو موقف التيارات الأخرى من الغرب عموماً.  فالسودان عقب حرب يونيو. قطع علاقاته مع أمريكا غداة الحرب وفقد المعونة الأمريكية من حكومة تنسب للحزبين الطائفيين ! في وقت لم تقطع في حتى مصر علاقتها مع إسرائيل ! ما كان مقدمة  لمؤتمر اللاءات الثلاثة. والحزب الشيوعي السوداني ، كان مفارقاً لموقف الاتحاد السوفيتي الذي كانت تربطه علاقات مع إسرائل رغم التوصيف الفكري الأيدولوجي .حيث ما زالت معارضة التطبيع من أدبياته. واللافت أنه حتى التيارات التي عادت فرض العروبة على السودان ، قد بدأت في بداياتها منحازة للشرق .فالحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل قرنق ، بدأت مائلة للمعسكر الاشتراكي بمواقفه المعروفة من الغرب .ما شذ عن هذا التيار، كان زعيم الحزب الجمهوري الراحل محمود محمد طه. الذي نادى بقبول مبدأ التقسيم في 48 ، وزاد عليه بضرورة تطبيع العرب مع إسرائيل، محذراً من أن ما يمكن أن ينالوه وقتها في الستينات ، سيفقده العرب بتقدم السنين . عليه فإن كل التاريخ السوداني بعد الإستقلال ، هو صراع كان يكسبه المعادي لإسرائيل والغرب عموماً. فعاش نظام مايو بسلام ،عندما كان مائلاً للمعسكر الشرقي أو على الأقل في مسافة بين المعسكرين ، وعندما سقط ، كانت الهتافات المعادية للبنك الدولي سيدة الشعارات وترحيل اليهود الفلاشا سبته الكبرى! ولم يتغير الواقع إبان العهد البرلماني بعد أبريل. وبقية القصة معروفة بعد مواقف نظام الانقاذ. والأثمان الباهظة التي دفعها السودان جراء ذلك. لينهض السؤال : ما الذي جعل التطبيع شأنا عادياً لا يراه السودانيين سبة في غالبهم ؟ صرف النظر عن الواقع الدولي والإقليمي الذي استمات في إنجاز التطبيع وتوريط السودان في الأمر كما يراه معارضو الخطوة ، فإن التطبيع هو مفارقة بالكامل للنظام العربي وفقاً لمجريات الثورة السودانية. فموقف النظام العربي في مجمله من الثورة السودانية كان مخزياً ، ولن ينسى السودانيون أن من رفض الانقلاب وعاقبه وفقاً لسياساته كان الاتحاد الأفريقي. وقد برز اتجاه قوي بين الثوار بالانسحاب من الجامعة العربية وعدم الممانعة على التطبيع . لقد كان حمدوك ذكياً عندما ربط الانخراط الكامل في التطبيع بمصادقة المجلس التشريعي عليه. بالنتيجة ،مال السودانيون إلى فكرة التطبيع القديمة التي نادى بها فصيل سوداني. والبون بين تطبيع السودان وغيره شاسع لأنه ليس مفروضاً عليهم .بل سيجيزه برلمان حر.

أما بالنسبة لترامب ، فإن ربط الأمر بالانتخابات الأمريكية ، ينبغي أن يكون شأناً لا يعني العرب من قريب أو بعيد . فهو شأن أمريكي داخلي. أما الموقف الاستراتيجي الأمريكي من القضية فلا يحتاج على تبيان .أما الموقف الأمريكي من السودان ، فيكفي أن نشير إلى أن من بدأ برفع العقوبات كان أوباما . أما نتنياهو فمجرد مستفيد من حقائق الواقع الدولي ذو القطبية الواحدة وسطوة أمريكا وخوف النظام الخليجي من إيران أكثر من إسرائل. كل ذلك في تقديري ، يجعل فكرة التطبيع ، فكرة متجاوزة لأطراف التوقيع.

 

معمر حسن محمد نور

<[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..