مقالات سياسية

حول العلمانية  والدين

محمد مهاجر

تاريخيا ارتبطت الدول الدينية بالاستبداد والقمع الشديد وشن الحروب والانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان, ومع ذلك يصر بعض المسلمين على إقامة دولة دينية مدعين ان الدولة في الإسلام هى ليست تشبه تلك الدول الدينية التي أقامها أصحاب الديانات والملل الأخرى, فهى في نظرهم قد ضمنت العدالة والسلام والمساواة والحريات وغيرها من القيم الإنسانية العظيمة. ومن حسن حظ الشعب السودانى انه قد جرب دولة دينية قدمت أسوأ مثال للحكم الفاسد وأوضح نموذج للانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان واهانة كرامته وشن الحروب على الاقليات وتدمير الوطن وتقسيمه.

ان القيام بشؤون الدين ورعايته ليست من مهام الدولة لان الدين, وبنص القران نفسه, لا يقوم على الاكراه, اما الدولة فهى مجبرة استخدام الاكراه اللازم لانفاذ القانون وممارسة السيادة وحماية الحريات والحقوق الأساسية للمواطن وغيرها من المهام. وبدون قوة القانون لظلم الناس بعضهم بعضا وطغى القوى على الضعيف والغنى على الفقير. ان قبول سلطة الدولة هو قرار عقلانى بحت يتخذه المواطن بناء على قناعته بالدستور وبالقانون الذى يضمن له حقوقه. وما دام المجتمع هو مجتمع به تعدد وتنوع فلا الدستور ولا القانون ولا اى تدابير أخرى يسمح لها بان تمارس التمييز بين المواطنين على أساس دينى او عرقى او غير ذلك.

ان الدولة التي تضمن عدم التمييز بين مواطنيها هي الدولة العلمانية, او ان شئت سمها الدولة المدنية. ان هذه الدولة لا تفرق بين المتدين والملحد ولا بين الغنى والفقير ولا بين الصغير والكبير ولا بين الحاكم والمحكوم, بل تضمن حقوق الجميع وتحفظ لهم كرامتهم وحقوقهم الأساسية. وهنالك مفهوم زج في العقل الشعبى بدهاء ومكر شديدين من دعاة الدولة الدينية وهو الادعاء بان العلمانية تحارب الدين. والعكس هو الصحيح حيث تتيح الدولة العلمانية حريات كبيرة للجماعات الدينية اكبر من تلك الذى تتحصل عليها تلك الجماعات في اى دولة دينية. وخذ مثالا لذلك ايران التي تنكل بالسنة وتحرمهم من كثير من حقوق المواطنة, ومثال اخر هو الاضطهاد الذى حاق بالبروتستانت على يد الكاثولويك قبل نشوء الديمقراطيات الحديثة وإشاعة الحريات في اوربا.

من الخطأ ان تفسر علمانية الدولة بان واجب الدولة هو ان تحصر الدين في الفضاء الخاص. هذا خطل يدل على تفكير فطير لان الدين, على مستوى الفكر والسلوك, يحتوى على الخاص والعام. وانطلاقا من حرية التفكير يمكن للمتدين ان يعبر عن أفكاره وان يسعى الى اقناع الاخرين بها وتبنيها في كافة المجالات, بشرط الا ينسف البنية العلمانية للدولة. والسبب ان العلمانية تقبل التنوع والصراع الفكرى والحوار العقلانى الحر وغير المكبل بشروط وقيود دينية او غيرها. وفى الدول الغربية تنتشر قنوات الإذاعة والتلفزيون التي تديرها الجماعات الدينية وتنتشر الجامعات ومراكز البحث الدينى وكذلك متاجر الحلال ومطاعم اللحم الكوشر الحلال اليهودى والاكل النباتى الهندوسى وغيرها. اضافة الى المدارس الدينية وغيرها. هذه الممارسات يقوم بها الناس بحرية تامة وبدون قهر او تدخل من الدولة.

في الإسلام هنالك مبدا التفرقة بين شؤون الدين وشؤون الدنيا.  وعلى النقيض من شؤون الدين, فان شأن الدنيا يخضع لوجهات النظر المتعددة والتي يكون الفصل بينها معتمدا على المنافحة العقلية حيث تكون الغلبة للراى الأكثر قبولا وفقا لمقاييس العقل والمنطق والحجة القوية. وما حدث في صلح الحديبية خير مثال لذلك. وهنالك الكثير من الأمثلة مثل مسالة تابير النخل وحفر الخندق وغيرها. والناس يتعلمون التفكير في أمور الدنيا من خلال الممارسة والدراسة والتفكير العقلانى الحر.

 

محمد مهاجر

<[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..