مقالات سياسية

ههنا يكمن التكلُّس اليساروي (3)

د. النور حمد

فاجأنا عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، والاقتصادي الماركسي المعروف، الدكتور صدقي كبلو بتصريحٍ مثيرٍ للدهشة، في ختام حديثه في المؤتمر الاقتصادي الأخير. قال كبلو، وأنا أنقل هنا حرفيًا ما جاء في الفيديو الذي حوي حديثه: “يا جماعة للمرة المليون، عشان ما في زول ينزل بعد ما أنزل .. آخر كلمة .. إنو يقول: الزول ده قاعد يدعو للاشتراكية. نحن عايزين نعمل نظام رأسمالي صناعي حديث لازم تقوم فيهو الدولة بدورها الاجتماعي والاستثماري عشان تحدث الثورة …”. (بقية الكلام لم تكن واضحة بسبب مقاطعة رئيس الجلسة).

معلومٌ أن في الأدبيات الماركسية ما يسمى: “مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية”. ولقد يجد د كبلو تبريرًا لحديثه، لدى نفسه وقبيله، في أنهم يعملون، الآن، لإحداث الثورة الوطنية الديمقراطية، وهي مرحلة رأسمالية الطابع، بطبيعتها. لكن هذا لا يبرر القول: “ما في زول يقول الزول ده قاعد يدعو للاشتراكية”. فهل يعني العمل في مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية أن يتوقف من هو شيوعي، تمامًا عن الدعوة للاشتراكية؟ فإلي أي وجهة إذن يسوق الشيوعيون الناس، وأي خطابٍ يقدمونه لهم؟ لم يعد أحد الآن يتحدث عن مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية سوى شيوعيي السودان، استنادا على “المانيوال”. الماركسي اللينيني الذي تخطته السياقات الراهنة وأضحى أدبيات نفقت وذرتها الرياح. فتمسك الشيوعيين بها لا يعني، في تقديري، سوى شراءٍ للوقت للخروج من وحسةٍ دخلوا فيها منذ انهيار المعسكر الشيوعي في ثمانينات القرن الماضي، ورغم مرور ثلاثة عقود، لم يدروا كيف يخرجون منها.

ودعونا نعود لثورة أكتوبر لنرى بدقة كيف تصرف الحزب الشيوعي إزاءها، وفقًا لما جاء في كتاب تيم نيبلوك “صراع السلطة والثروة في السودان”. يقول نيبلوك أن جبهة الهيئات، (وهي المعادل آنذاك لقوى الحرية والتغيير الحالية)، سيطرت على مجريات الثورة، عبر الشهور الأولى، فطرحت أجندةً راديكالية، جعلت القوى التقليدية الطائفية تشعر أن هناك اتجاهًا لإقصائها وتصفيتها. سنت جبهة الهيئات تشريعات منحازةً للعمال والمزارعين والنساء. فضمت الحكومة التي أُعلنت في 31 أكتوبر سبعة وزراء من جبهة الهيئات، من بينهم السكرتير العام لاتحاد نقابات عمال السودان، وسكرتير اتحاد المزارعين، واثنين من الجنوبيين. أما حزب الأمة، والاتحادي، والشعب الديمقراطي، والميثاق الإسلامي، والشيوعي، فقد مُنح كل حزبٍ منها وزيرًا واحدًا فقط. (ورد في النسخة الورقية للتيار وزيران لكل حزب، وكان ذلك خطأ مني). غير أن وزراء جبهة الهيئات كانوا تابعين، من الناحية العملية، للحزب الشيوعي السوداني، ما جعل الحزب مسيطرًا على مجلس الوزراء.

أيضًا، اتجهت تلك الحكومة الانتقالية في أشهرها الأولى إلى وضع مقترحات للإصلاح الزراعي، وإلى التصفية التدريجية للإدارة الأهلية، والتمهيد لأن تستلم الشركات السودانية تجارة الصادر والوارد من الشركات الأجنبية، وتنشيط التجارة مع الدول الشرقية. وكذلك، اتباع سياسات نشطة في دعم حركات التحرر في إفريقيا والشرق الأوسط. أي، التطبيق الحرفي لرنامج الحزب الشيوعي الراديكالي المتطرف. وكان أكثر ما أثار قلق القوى التقليدية هو الاقتراح الذي تقدمت به جبهة الهيئات لتخصيص 50% من مقاعد الجمعية التأسيسية للعمال والمزارعين، (راجع: نيبلوك). ولقد قدم محمد سعيد القدال في كتابه (معالم في تاريخ الحزب الشيوعي)، مراجعةً نقديةً للاندفاعات الراديكالية لجبهة الهيئات، وهي تدير تلك الفترة الانتقالية القصيرة. وقد اتسم نقده بالموضوعية، وبالتأكيد على ضرورة التحلي بالحكمة وتفهُّم مُقيِّدات الواقع. لكن يبدو أن الحزب الشيوعي يطأ على آراء عقلائه بحذاءٍ ثقيل، ويمضي في طريقه المُفضي إلى الهاوية.

النور حمد
صحيفة التيار 29 سبتمبر 2020

(يتواصل).

زر الذهاب إلى الأعلى