أخبار السودان

ههنا يكمن التكلُّس اليساروي (4)

د. النور حمد

ما أن خرج الحزب الشيوعي السوداني من تجربة إفشاله ثورة أكتوبر 1964، حتى دخل بعد خمسة أعوام في مطبٍّ جديدٍ قضى على أمجاده وزخمه الكبير الذي عُرف به على المستوى الإفريقي والعربي والدولي. فقد كان يشار إليه بأنه أقوى الأحزاب الشيوعية على المستويين العربي والإفريقي. المطب الذي وقع فيه الحزب الشيوعي وأفقده توازنه حتى اليوم، هو تأييده لنظام مايو والانخراط في أجهزة حكمه. وقد كان تأييده لانقلاب مايو مجرد ردة فعلٍ ثأرية لما حدث له في عام 1965. فقد تسببت محاولة الحزب الشيوعي تهميش الحزبين الكبيرين في حكومة أكتوبر، ومحاولته ضربه الإدارة الأهلية التي تمثل قاعدةً لهذين الحزبين الكبيرين، في ردة الفعل العنيفة التي بدرت من هذه القوى ضده في عام 1965.

يُضاف إلى ذلك، كما أورد تيم نيبلوك، محاولته تمكينه العمال والمزارعين التابعين له في تلك الحكومة، وإظهاره نيته الهجوم على شركات القطاع الخاص وتحويل التجارة السودانية إلى المعسكر الاشتراكي بقيادة روسيا. عرفت الأحزاب اليمينية نوايا الحزب الشيوعي الماكرة تجاهها، فقررت أن تقضي، عليه بعد أن سيطرت على البرلمان في الانتخابات التي أعقبت انهيار الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة أكتوبر.

افتعلت جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة الدكتور حسن الترابي معركة مع الحزب الشيوعي عقب حادثة طالب معهد المعلمين العالي، الذي قيل أنه خاض في العرض النبوي المشرف فسيَّر الإسلاميون المظاهرات وحركوا المساجد وألهبوا العاطفة الدينية لدى البسطاء، ودعوا إلى حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان. كان مُشعل فتيل تلك المؤامرة عضو جبهة الميثاق الإسلامي البارز ، علي عبد الله يعقوب. وقد تلقف منه الدكتور حسن الترابي رأس الخيط وصعَّد الأمر في الجمعية التأسيسية (البرلمان آنذاك)، وطالب بتعديل المادة الكفالة للحريات في الدستور. عدلت المادة وجرى حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخببن من البرلمان. ولأن الحزبين الكبيرين أحسا بخطورة الشيوعيين عليهما منذ تجربة حكومة أكتوبر التي أجبروها على الاستقالة، فقد وجد كل من الإمام الهادي والسيد الصادق المهدي والسيد إسماعيل الأزهري الفرصة سانحةً للقضاء على الحزب الشيوعي الذي استهدفهما عقب ثورة أكتوبر. فسارا وراء جبهة الميثاق الإسلامي في مخططها الإجرامي. وهكذا تحولت الديموقراطية الثانية (1964 -1969) إلى دكتاتورية مدنية ذات طبيعة دينية.

لم يراجع الحزب الشيوعي مواقفه الخاطئة المتعجلة إبان ثورة أكتوبر، التي كشفت نواياه السيئة تجاه القوى التقليدية، ونزعته الفوقية الانقلابية، وإنما اختار السير في طريق الثأر. فما أن تحرك الجيش بقيادة نميري مع ثلة من الضباط القوميين اليساريين وأطاحوا بحكومة الديمقراطية الثانية، بقيادة السيد محمد أحمد محجوب، حتى بادر الحزب الشيوعي بتأييد الانقلاب. بل، وانخرط الحزب مشاركًا في أجهزته السياسية والتنفيذية، بل والأمنية. شارك الحزب في حكومة نميري الأولى بعدد كبيرٍ من الوزراء، نذكر منهم على سبيل المثال: فاروق أبو عيسى وزيرًا لشؤون الرئاسة، الرائد فاروق حمد الله وزيرًا للداخلية، عبد الكريم ميرغني وزيرًا للاقتصاد والتجارة الخارجية، جوزيف قرنق وزيرًا لتموين، موريس سدرة وزيرًا للصحة، محجوب عثمان وزيرًا للإرشاد، مرتضى أحمد إبراهيم وزيرًا للري. وهناك مجموعة أخرى لست متأكدًا من انتمائهم للحزب الشيوعي مثال: محمد عبد الله نور وزير الزراعة، وسيد أحمد الجاك وزيرً الأشغال، ومنصور محجوب وزير الخزانة. عمومًا، كانت حكومة انقلاب نميري مناصفة، تقريبا، بين الشيوعيين والقوميين العرب. لكن هل اقتنع الشيوعيون بهذا الوضع. الذي صبغوا فيه انقلاب مايو بصبغتهم ؟ والإجابة: لا. فهم بناء على نظريتهم التي لم يراجعوها، لا يرضون أن يكون غيرهم في السلطة. هذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة.

النور حمد
صحيفة التيار 30 سبتمبر 2020

(لزمني تصويبان للمقالة 4: الأول: المادة التي عٌدِّلت من الدستور لحل الحزب الشيوعي هي المادة 5-2 وليس 105. الثاني: أن رئيس الوزراء عند انقلاب نميري هو محمد احمد محجوب وليس الصادق المهدي، فمعذرة).

(يتواصل).

زر الذهاب إلى الأعلى