مقالات سياسية

اذا لم يكن من الموت بد

يتمحور حديث المدينة والقرية هذه الأيام حول التطبيع مع دولة اسرائيل ، وبأقل درجة الحديث وكقضية متصلة عن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب حسب ما جاء في التصنيف الأمريكي منذ ٢٧ عاما ، خرج السودان بموجب هذا القرار عن دائرة المجتمع الدولي ، بموجبه حرم السودان من كافة المعاملات و التبادلات الدولية ، سياسية كانت أو اقتصادية ، وعومل معاملة العنزة الجرباء في القطيع الدولي ، وقد ترتب على ذلك أيضا حرمان السودان من الأستفادة من خدمات التمويل والأقراض من المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي .ما يحمد لحكومة د عبدالله حمدوك رئيس مجلس وزراء الحكومة الانتقالية في االسودان شيئان إثنان ، أنها استطاعت تحريك ملف رفع إسم السودان من القائمة السوداء ، رمت بحجر كبير في بركة ساكنة والثاني أنها وبمهارة عالية فصلت بينه وبين ملف التطبيع مع دولة إسرائيل بالرغم من الضغوط الأمريكية والذي يعتبر إنجازه من وجهة النظر للحزب الجمهوري مكسبا داعما في الأنتخابات الأمريكية ، بالرغم من الضغوط التي تمارس على الحكومة الأنتقالية من الداخل والإقليم والمحيط العربي للإسراع في خطوات التطبيع مع دولة إسرائيل والتي تلعب دول عربية مؤثرة في التأثير على مجرى القرار السياسي السوداني وسرعته وتهيئة المسرح لعملية سلام مع اسرائيل في أقل وقت ممكن لأهمية السودان بالنسبة لإسرائيل ، نقول أن حكومة د حمدوك لم تتسرع في تبني هذه الفكرة بصوت جهور ،تخوفات من وقوعها بين مطرقة الرفض والقبول ، العملية يتبنى فصولها الجانب العسكري في الحكومة الإنتقالية ، و التى تلقى قبولا في قطاع واسع من الشباب الذي قدر له أن يعيش واقعا مأزوما في كل مناحي حياته و الذي يرى في مسألة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي نافذة يمكن أن يطل منها على العالم الذي حرم من التعامل معه كدولة ذات سيادة ودولة ذات قدرات اقتصادية يمكن أن توفر حياة أكثر تطورا ورفاهية لمواطنيها الذين عانوا كثيرا من ويلات الحروب والأنفصال إلى دولتين.السؤال المتواضع جدا ، لماذا وضعت الولايات المتحدة الأمريكية إسم السودان في القائمة السوداء ، في عام 1993 قام السودان بالسماح لبعض الجماعات المصنفة من قبل واشنطن بأنها إرهابية وبالعيش على أراضيه وممارسة أعمال سياسية وعسكرية بل تخطت ذلك بمنح بعض أعضاء هذه التنظيمات هوية سودانية ، في عام 2000 تأتي حادثة المدمرة الأمريكية كول والتي كان على متنها 17 بحارا أمريكيا فقدوا أرواحهم نتيجة هجوم انتحاري في ميناء عدن اليمني ،وتوالت الأحداث التي تم فيها إستهداف المصالح الأمريكية في كل من دار السلام ونيروبي 1998 والتي نتج عنها مئات القتلى ، وأتهم السودان مباشرة بأنه دولة راعية للأرهاب لأيوائه زعيم تنظيم القاعدة بن لادن في الفترة ما بين 1991_1996 وذلك لتبني تنظيم القاعدة لهذه الهجومات على المصالح الأمريكية والأمن القومي الأمريكي ، وعليه صدر قرار من المحكمة العليا الأمريكية بضرورة دفع الخرطوم تعويضات مالية لأسر القتلى والبالغ عددهم 224، عليه تحملت حكومة د عبد الله حمدوك تبعات تلك الممارسات وتبنت فكرة جبر الضرر لأسر الضحايا الأمريكيين والتي تبلغ 335 مليون دولار على أمل أن يصدر تشريعا من المحكمة العليا الأمريكية من عدم ملاحقات ومطالبات مالية مستقبلا وإلا سيظل باب الإبتزاز مفتوحا على مصراعيه. إنقسمت الآراء في الشارع السوداني حول الخطوة التي قامت بها الحكومة الأنتقالية في سداد ما اتفق عليه كجبر ضرر لأسر الضحايا الأمريكيين في وقت تؤكد كل الدلائل والمؤشرات بأن السودان لم يكن ضالعا بصورة مباشرة في هذه الأحداث التي أودت بأرواح 224 امريكي ، فهناك من يؤيد الخطوة بإعتبار أن لا خيار غير هذا الخيار المر ، وتجد من يرفض الخطوة بإعتبار أنها خطوة عبثية غير مضمونة النتائج في ظل رئاسة ترامب المنتهية ولايته على الأرجح ، وهناك بعض الإعلاميين الذين تناولوا رفضهم المشحون عاطفيا في ظل معاناة شعبية تتعلق بمعاش الناس اليومي وانعدام للأدوية المنقذة للحياة مع تصاعد أسعارها اليومي في ظل إنهيار القيمة الشرائية للجنيه السوداني والذي أصبح أكثر كلفة من قيمته السوقية .
تظل حكومة د حمدوك في موقف يزيد عليها الحاقدين والحاسدين، ولكن أرى أنه لا خيار لها غير هذا الطريق ، فقط عليها أن تجيد فن اللعب بالبيضات الثلاث ، مع ممارسة شئ من الحكمة والكياسة والحنكة للخروج بأكبر قدر من المكاسب الاستراتيجية ، أما المكاسب الآنية المرتقبة ستكون بعيدة المنال في الوقت الراهن لأنها تخضع لرضاء اللوبي اليهودي وكذلك للتوازنات داخل الكونغرس وأي حزب ستكون له الأدارة في الفترة القادمة ومحكمة الجنايات الدولية لها قول آخر . إسرائيل تتعجل وتنير بوابة أورشليم القدس بالعلمين السوداني ما الهدف من هذا الأستعجال يا ترى ؟ الأمارات تقدم معونات بمليار ونصف ، طبعا بغرض دعم الحكومة الانتقالية ، يا ترى ماذا ستقدم البحرين في هذا الكرنفال الاحتفائي، وأمريكا ترامب عليها أن تؤدي واجبين ، الأول أن لا يتقدم أسر ضحايا 11سبتمبر بشكوى تعويض ضد السودان المتصالح مع الكيان الإسرائيلي والثاني أن تصدر تشريعا بدعم ملاحقة السودان قضائيا
، ولمن لا يحسن الظن ، ما علينا إلا أن نردد ما قاله
الشاعر ابو الطيب المتنبي اذا لم يكن من الموت بد فمن العجز أن تموت جبانا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..