مقالات وآراء سياسية

مبروك لإسرائيل الأعداء الجدد

هشام عوض

سواء وافقت السلطات الانتقالية على التطبيع مع إسرائيل أم لا، وسواء أكان المراقب من أنصاره أو أعدائه، فإن الطريقة التي يتم بها لي ذراع السودان مستفزة لكل وطني غيور، حيث أن الصيغة الدقيقة لخبر التطبيع يجب أن تكون “استسلام السلطات السودانية للضغوط الأمريكيّة”، وهذا بالرغم من إنكار الحكومة الانتقالية –المفهوم- لعملية الابتزاز هذه. ومع ذلك، يصعب البت في صحة أي قرار تتخذه السلطات الانتقاليّة في هذا الصدد، فالكثير على المحك. يبدو لي أن ترامب قد جعلنا مجبرين على التعاطي مع إسرائيل لمجرد أن نعيش- مثل الفلسطينيين تماماً. يجب أن نستبعد أصوات “العنتريّة الانتحاريّة”، وأن نعترف أننا لا نعيش في المنطقة بين الفقر والرفاهية، بل بين الاستقرار والدمار، وبين الفقر والموت جوعا. حكومتنا تحاول إدارة اقتصاد الرمق الأخير، حيث الموت عادي لانعدام الأدوية، أو كلفة العلاج، أو البعد عن المرافق الصحيّة. لذلك، يجب علينا التحرر من عقلية النخب التي تملك رفاهيّة أن يكون لها “كبرياء” و”مبدأ”، والتي مازال لديها شبكات أمان وخطط للطوارئ، ونفكر من منظور المسحوقين، وقد جعلت لمسة مجلس الوزراء وتشذيبه للزوايا الحادة الأمور أكثر استساغة. ولكن ما أنا بصدده هنا، هو صناعة السياسة عند الطرف الآخر، وسقوط “العامل الشعبي” تماماً من المعادلات الإسرائيليّة- الأمريكيّة التي تتعامل مع الملف بصورة أقل ما يقال عنها أنها خرقاء، ويمكن أن تقود إلى آثار لا يمكن استدراكها.

من الواضح أن التطبيع الذي تسعى إليه إسرائيل هو تطبيع رسمي فقط، حيث أن طبيعة الضغوط الممارسة للحصول عليه لا بد أن تقود إلى نتائج معاكسة على المستوى الشعبي. ابتداءاً من ابتزاز البلد المتشبث بحافة الهاوية، والتلاعب بمصير أربعين مليون سوداني وتحويلهم إلى مجرد ورقة ضغط من أجل المصالح قصيرة المدى للساسة، ومن أجل “الطبطبة” على الدولة اليهوديّة المرفّهة. تمادت المماطلة الأمريكيّة إلى مدى وصلت فيه المخاوف على مستقبل البلاد إلى منتهاها. وعندما بان الفرج، يتوقع أن يزلزل شرطه التطبيعي وحدة الحاضنة الوطنيّة للانتقال- المهلهلة أساساً، وأن يُنزل كثيراً من الوطنيين من قطار الثورة. نصر أمريكي- إسرائيلي صغير مقابل مخاطر سودانيّة محدقة. دعونا نأمل أن تكون هذه المخاطر عرضاً جانبياً لسياسة رعناء وليست جزءاً من الخطة!

كذلك، فإن عدم الإكتراث الأمريكي- الإسرائيلي بالأبعاد الشعبيّة يبين في دعم سياستهما الأخيرة مع السودان للفكرة المحورية في معاداة الساميّة الحديثة، والتي تتمحور حول سيطرة الصهيونيّة على العالم، وعلى أمريكا بالذات. ما تقوم به الإدارة الأمريكيّة وإسرائيل مع السودان هذه الأيام هو خدمة عالية التأثير لهذه الدعاية، وإحياء لها في أوساط الشباب السوداني بعدما ذبلت نار القضيّة الفلسطينيّة لعقود. وهنا، يقفز سؤال: هل تقصد إسرائيل دعم معاداة الساميّة؟ فالعقيدة الصهيونيّة المؤسسة لإسرائيل ترى أن لا خلاص لليهود من قهر البشريّة سوى أن يكون لهم وطنهم الخاص. ما قامت به إسرائيل مع الشعب السوداني يبدو كاستجداء للكراهية، استجداء غريب يفرض سؤالاً أكثر غرابة: هل تعمل إسرائيل على الحفاظ على غول معاداة الساميّة حياً في المنطقة لتحافظ على مبرر وجودها، وكوسيلة للاستمرار في ابتزاز الضمير الغربي، وبعد مرور كل هذا الوقت على تأسيسها؟ أم هو سقوط الديمقراطيات؛ حيث يتصدر الفسدى المراهقون القيادة فيمتلئ مستودع خزف الإنسانيّة بثيران السياسة؟

لو أرادت الحكومة الإسرائيليّة السلام مع الشعب السوداني حقاً، لنأت بنفسها من البداية عن سياسات لي الذراع الموجوعة هذه، ولدعت الولايات المتحدة إلى الرفع العاجل للسودان عن القائمة السوداء بدون شروط، ولأعلنت دعمها لعملية الانتقال بالسودان ودعت الحكومة الانتقالية بصورة وديّة إلى بدء صفحة جديدة للاستفادة من التطلّع الاسرائيلي للإخاء مع الديمقراطية الجديدة المرتقبة في المنطقة. ورغم أن هذه الدعوة تبدو عالية السذاجة خاصة في عالم ترامب، إلا أنه كان ليكون لها أبلغ الأثر على الشعب السوداني في هذا المفصل التاريخي. بدلاً عن ذلك، قامت الحكومة الإسرائيليّة بصناعة هذه السابقة العدائية في أوّل احتكاك مباشر بعد عصر الحروب الكبيرة، فيما عدا الضربات الإسرائيلية لقواعد الإمداد الإرهابي في العمق السوداني أيّام النظام الإرهابي، والتي لم يُلق الشعب السوداني لها بالاً لاكتوائه بنار نفس النظام. بدلاً من تقديم النوايا الطيّبة، قامت إسرائيل بتقديم ملمح من الجحيم إلى الشعب السوداني، وذلك باعطائه صورة عن معناة الفلسطينيين في الحصول على الانتباه لحقوقهم من العالم الغربي ودولته المدلّلة، وصورة عن المفهوم الإسرائيلي لصناعة السلام.

أعتقد أن راهن السودان الفريد، من حيث اكتسابه المناعة النهائيّة ضد الإسلام السياسي بعد معاناته الطويلة من المرض، قد منح الشعب السوداني ميزة كامنة بالنسبة للمنطقة، وأعطاه وعياً سياسياً يلفظ الشعارات البرّاقة الجوفاء والاستجداء العاطفي القائم على العقائد والتراث. أضف إلى ذلك مأزق الانتقال الذي يحاول ترويض المستحيل، حيث لا عزاء للشعب السوداني البتّة، داخلياً أو خارجياً، مع المؤامرات واقتصاد الكرونا والفيضانات، وفي زمن انحطاط القوى العظمى لعقليّة الفتوّة والفهلوة بلا خجل ولا حدود دنيا، في تآمر مشؤوم للتاريخ. هذه المعطيات تتيح لإسرائيل فرصة تاريخيّة لتجاوز أحد الحواجز العالية في المنطقة، والعمل على علاقات تتخطى الرسميّة. وكما اقترح نتنياهو نفسه في كتابه بأن الديمقراطيات لا تتقاتل، يمكنه أن “يسودن” مفهومه ليكون أن الديمقراطيات “تتشايل”- يساعد بعضها بعضاً: ما يحتاجه الشعب السوداني أكثر من الصدقات والسلام المفخخ بمخططات الإخضاع هو الدعم الحقيقي، النشط والمستمر لعملية التحول التي يتكالب التاريخ لسحب بساطها من تحته، فماذا ستكون إسرائيل؟ هل تحافظ على صورتها كمحرك لدمى التآمر في المنطقة؟ أم ترسم لنفسها صورة جديدة في صفحة الثورة السودانيّة البيضاء؟

هشام عوض
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..