مقالات وآراء سياسية

حول مسألة التطبيع (1-2)

زكريا عثمان بنقو

اللقاء الذي تم في فبراير من مطلع هذا العام بمدينة عنتبي اليوغندية جمع بين رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء الاسرائيلي المنتهي ولايته حينها بنيامين نتانياهو.

تم ترتيب وتنسيق هذا اللقاء الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بمساعدة مستشارته الراحلة الدكتورة/ نجوي قدح الدم بكامل السرية.

كان الغرض من اللقاء هو تمهيد لتسوية العلاقات بين البلدين واقامة علاقات دبلوماسية كاملة بينهما.

ولكن رئيس الوزراء الاسرائيلي سارع الي افصاح هذا اللقاء للاعلام بُعيد رجوعه الي اسرائيل واخرج اللقاء من طي الكتمان.

وهناك دافع قوي اجبر نتنياهو للافصاح عن هذا اللقاء، وذلك لان هناك كانت معركة انتخابية طاحنة تواجهه وفي ذات الوقت وهو في حاجة ماسة الي ورقة انتخابية رابحة وكان هذا اللقاء بالفعل ورقة رابحة بالنسبة له معرضاً من خلالها عدة قضايا للناخب الاسرائيلي يمكن أن تحل تلك القضايا بالتطبيع مع السودان منها قضية اللاجئين السودانين بإسرائيل المثيرة للاهتمام.

يعيش بإسرائيل ما يقارب السبعة الاف لاجئ سوداني لم تنظر السلطات الاسرائيلية في طلبات لجوئهم حتي اليوم.

غير أن المهم ذكره هنا هو السرد التأريخي للعلاقات بين البلدين كمدخل لفهم عملية التطبيع.

شارك السودان مع العرب رسمياً الحرب ضد إسرائيل عند تأسيسه في العام 1948م قبل أن ينال السودان استقلاله.

كما أن السودان شارك بجيشه أيضاً في حرب 1967م ما عرف بعام “النكسة” الذي خسر فيه العرب خسارة لا تُحسب.

علي خلفية تلك الهزيمة عقدت الجامعة العربية مؤتمر القمة الرابع بالعاصمة السودانية الخرطوم في أغسطس من ذات العام الذي اشتهر بمؤتمر “اللاءات الثلاث” حيث لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض.

ولم تشارك السودان في حرب “يوم الغفران” 1973م ضد إسرائيل حيث ان مسائل لوجستية حالت دون وصلوها الي ساحة الحرب.

لجأت جمهورية مصر العربية في عهد الرئيس محمد انور السادات الي إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل 1979م بعد فترة وجيزة من اتفاقية كامب ديفيد وبذلك إنتهت حالة الحرب رسمياً.

قادت تلك المعاهدة علي خلق علاقات أمنية واقتصادية و دبلوماسية علي مستوي السفارات.

حيث ان العلم المصري يرفرف أمام سفارتها في سماء تل أبيب، بجانب القنصلية المصرية بمدينة إيلات الساحلية.

وبذلك أصبحت مصر اول دولة عربية توقع اتفاقية سلام مع إسرائيل رغم التنديد العربي للخطوة الجريئة وبموجب ذلك تم نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة الي تونس كعقاب لتلك الخطوة.

في إطار الخطوة المصرية دخلت الجارة الاردن في إتفاقية سلام مع إسرائيل في عام 1994م وهي ثاني دولة عربية بعد مصر ولديها تمثيل امني واقتصادي و دبلوماسي رفيع مع إسرائيل.

وفي هذا العام توالت الدول المعادية لإسرائيل في كسر الجمود والعمل علي التطبيع معها ومنها دولة الإمارات العربية وهي الثالثة في هذا المضمار تليها مملكة البحرين وهي الرابعة ثم السودان تحتل المرتبة الخامسة.

عند رجوعنا الي تلك المواقف والمجهودات التي بُذلت من الجانب السوداني طوال هذه الحقب كانت بمثابة دوغمائية وقُصر نظر للذين هم علي سدة الحكم عقوداً من الزمان لم تجني السودان من تلك المواقف حفنة حمص.

بداية إرهاصات التطبيع مع دولة إسرائيل ظهرت في عهد النظام البائد في يناير 2016م عندما طرح وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور تطبيع العلاقات مع إسرائيل بشرط رفع الحكومة الامريكية العقوبات الاقتصادية.

طرح غندور لم يفلح في حينها لوجود عدة متاريس أبرزها مسألة الحرب والسلام في السودان وقضايا الحريات وحقوق الانسان وهذه هي معايير أساسية في التعامل مع المجتمع الدولي.

بعد ثورة ديسمبر المجيدة التي أدت الي سقوط نظام الدكتاتور عمر البشير.

بجانب الجهود التي بُذلت تجاه عملية السلام الشامل بجوبا وإنهاء حالة الحرب في السودان توالت البشريات وفتحت الأبواب علي مصراعيه للسودان.

نذكر منها علي سبيل المثال زيارة مدعية المحكمة الجنائية الدولية للسودان وتعاون المحكمة مع قضايا الحرب والابادة الجماعية، بجانب قضية رفع أسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب، قضية إعفاء ديون السودان الخارجية، وأخيراً مسألة التطبيع.

كل ما ذكر أعلاه كان بفضل السلام الشامل و هو الـ *(Master Key)* لكل هذه الأبواب وما يأتي من بعد أيضاً.

*ما هي أبرز نقاط الاستفادة التي يمكن تحقيقها للبلدين من خلال التطبيع؟*

بالطبع هناك قضايا عديدة في ثنايا الاتفاق منها قضايا أمنية واقتصادية وقضايا الهجرة كما ورد في لقاءات الطرفين.

أولاً نبدأ بالقضية الاقتصادية و نعلم أن السودان دولة زراعية من طراز فريد تتوفر فيها كل الخصائص فقط تنقصها التقانة الزراعية.

وإسرائيل صاحبة إمتياز في مجال التقانة الزراعية علي مستوي العالم ومن هنا يمكنها مساعدة وتدريب الكادر السوداني لاستعادة حيوية المجال الزراعي مع وجود سوق إسرائيلي مربح راغب للحبوب الزيتية خاصة السمسم والفول السوداني حيث ان إسرائيل تستورد المحاصيل السودانية بكميات كبيرة عن طريق إثيوبيا.

كما ان إسرائيل يمكنها الاستفادة من المجال الجوي السوداني في عبور طائراتها العابرة الي أمريكا اللاتينية نظراً لقصر المسافة.

يتبع (2-2)

*تل أبيب *

* 25 أكتوبر *

زكريا عثمان بنقو
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..