BBC-arabic

لماذا ترتفع معدلات الإصابة بحساسية الطعام حول العالم؟

الحساسية من بعض الأطعمة قد يكون لها عواقب وخيمة، فعندما يتناول شخص كميات ضئيلة من أحد الأطعمة التي يعاني من حساسية إزاءها، قد يحدث رد فعل مناعي طفيف يتضمن الحكة والتورم وألم المعدة.

لكن واحدا من كل أربعة مصابين بحساسية الطعام، حتى المعتدلة منها، معرض في مرحلة ما للإصابة برد فعل تحسسي شديد وخطير، يطلق عليه اسم التأق أو الحساسية المفرطة، وهي حالة من الصدمة تعرف بأنها رد فعل من عضوين من أعضاء الجسم، وتتجلى في صورة أعراض مثل الأزيز في الصدر والدوار والغثيان والقيء. وقد يرافقها انخفاض في معدل نبضات القلب وهبوط في الضغط وانسداد الشعب الهوائية، وقد أودت الحساسية المفرطة بحياة عدد مقلق من المصابين بها في السنوات الأخيرة الماضية.

وانتشرت في الآونة الأخيرة حالات حساسية الطعام حول العالم أكثر من أي وقت مضى. وكشف استعراض لبيانات المرضى في المستشفيات عن ارتفاع حالات الإصابة بالحساسية المفرطة في المستشفيات الأمريكية والأسترالية والأوروبية وفي بلدان أخرى.

وفي الولايات المتحدة وحدها، تضاعفت أعداد المرضى الذين نقلوا إلى المستشفى لأسباب لها علاقة بالحساسية للأغذية ثلاث مرات، من عام 1993 إلى 2006. وشهدت إنجلترا ارتفاعا في عدد الأطفال الذين نقلوا إلى المستشفيات بسبب الحساسية المفرطة بنسبة 72 في المئة.

طفل يلعب مع كلب
التعليق على الصورة،امتلاك قطة أو كلب قد يخفض احتمالات الإصابة بالحساسية

ويقول روك إن انتشار الحساسية الغذائية هو جزء من ظاهرة إخفاق آليات الجهاز المناعي في محاربة الأجسام الدخيلة.

وثمة تفسير آخر له علاقة بالتعرض لمسببات الحساسية. وتقول كلير ميلز، أستاذة علم الحساسية الجزيئية بجامعة مانشستر: “عندما ظهرت الحساسية الغذائية في التسعينيات من القرن الماضي، تركزت المخاوف على إدخال الفول السوداني إلى النظام الغذائي للأطفال الرضع. وصدرت إرشادات صارمة على بعض الأطعمة تحذر من خطورة ‘إعطائها للطفل تحت سن ثلاث سنوات'”.

وتقول ميلز، إن هذه النصيحة لا تستند إلى أية أدلة. بل على العكس، ينبغي على الآباء والأمهات التعجيل بإعطاء الأطفال الأطعمة التي تسبب الحساسية في سن مبكرة قدر الإمكان.

وذلك لأن الطفل الذي لا يأكل الفول السوداني قد يصادف آخرين يأكلونه، وقد يتعرض للفول السوداني عبر الغبار أو لمس الأثاث أو حتى من خلال الدهان الموضعي الذي يحتوي على زيت الفول السوداني، وهذا التلامس مع الجلد قد يحفز استجابة مناعية إذا لم يسبق للطفل تناول الفول السوداني.

وتقول أمينة وارنر، رئيسة خدمات المتابعة السريرية بمؤسسة “أليرجي” الخيرية لدعم المصابين بالحساسية في المملكة المتحدة: “إذا كان حديث الولادة مصابا بالإكزيما، وتناول والداه الفول السوداني ولم يغسلا أيديهما قبل حمل الطفل، فقد تسبب آثار الفول السوداني التي تسربت عبر تشققات الجلد رد فعل تحسسي. وإذا تناول الطفل الفول السوداني بعدها، سيعتبره الجهاز المناعي مصدر تهديد ويقاومه.

وتلخص نادو ذلك في بيت شعر قصير: “عبر الجلد الحساسية تبدأ، وعبر النظام الغذائي قد تهدأ”.

ولهذا يجمع الخبراء على أهمية إعطاء الأطفال، خاصة المصابين بالإكزيما، مجموعة متنوعة من الأطعمة من سن ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر. وتقول أليكساندرا سانتوس، الأستاذة المساعدة لحساسية الأطفال بجامعة كينغز كوليدج: “تكون الفرصة سانحة في السنوات الأولى من العمر لمساعدة الطفل في تحمل الأطعمة المختلفة”.

الفول السوداني
التعليق على الصورة،بدلا من منع الأطفال من تناول الفول السوداني، ينبغي على الآباء والأمهات أن يعطوا لأبنائهم كميات ضئيلة من الأطعمة المسببة للحساسية في أبكر وقت ممكن

وأجرت سانتوس دراسة برهنت فيها على أن إعطاء الأطفال من سن أربعة أشهر إلى 11 شهرا الفول السوداني قلل من فرص إصابتهم بالحساسية من الفول السوداني في سن خمس سنوات بنسبة 80 في المئة.

وربما قد يبدو بديهيا أن يسهم تناول الفول السوداني أثناء الحمل في وقاية الأطفال من حساسية الفول السوداني. لكن تأثير الأطعمة التي تتناولها الأم على تطور الحساسية لدى الجنين لا يزال موضع جدل.

فبعد أن حذرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال النساء من تناول الفول السوداني أثناء الحمل في عام 2000، تراجعت عن رأيها في عام 2008 بسبب انعدام الأدلة التي تثبت علاقة النظام الغذائي للأم بالحساسية الغذائية، وذكرت أنه لا يوجد دليل دامغ على أن الأم الحامل ينبغي أن تتفادى أو تكثر من الأطعمة المشتبه في أنها تسبب الحساسية.

ولعل الدليل على أن معدلات انتشار الحساسية الغذائية تتأثر بالعوامل البيئية، هو عدم وجود مصابين بحساسية الفول السوداني في الدول التي لا يكاد سكانها يتناولون الفول السوداني.

إذ أجريت دراسة أوروبية واسعة النطاق عن المؤثرات البيئية والغذائية والوراثية على الحساسية الغذائية في الدول الأوروبية، وخلصت إلى أن نسبة الإصابة بالحساسية من الفول السوداني في اليونان، التي يتناول سكانها كميات ضئيلة للغاية منه، كانت صفرا في المئة.

وتقول سانتوس، إن المهاجرين أكثر عرضة من السكان المحليين للإصابة بالحساسية الغذائية، ربما بسبب اختلاف الجينات. وتزيد احتمالات الإصابة بالحساسية الغذائية كلما هاجروا في سن أصغر.

وقد أثير تساؤل آخر عن تأثير فيتامين د في معدلات الحساسية. فهل زادت معدلات الحساسية الغذائية لأننا أصبحنا نقضي وقتا أطول في المنازل ولا نحصل على كميات كافية من فيتامين د، الذي يلعب دورا مهما في تطور آليات تنظيم الاستجابة المناعية؟

أشارت دراسات إلى وجود علاقة بين نقص فيتنامين د وبين احتمالات الإصابة بالحساسية الغذائية. وعلى النقيض أثبت باحثون في ألمانيا أن ارتفاع مستويات فيتامين د لدى الأم يسهم في زيادة مخاطر الإصابة بالحساسية الغذائية لدى الطفل قبل بلوغ عامين. وخلصت دراسة ألمانية أخرى إلى أن ارتفاع مستويات فيتامين د لدى الأطفال عند الولادة يزيد مخاطر إصابتهم بالحساسية الغذائية في سن ثلاث سنوات.

وتقول نادو: “إن نقص فيتامين د، وارتفاع مستوياته يسببان المشاكل”.

لكن كيف نتجنب الإصابة بالحساسية الناجمة عن الأغذية في ظل هذا الارتفاع في معدلات انتشار الحساسية الغذائية؟.

إن الامتناع عن تناول أصناف من الأطعمة لن يقلل بالضرورة احتمالات إصابتك بالحساسية الغذائية، بل ربما يزيدها. وإذا كنت تعاني من الحساسية، فإن العلاج المناعي، الذي يعتمد على استهلاك كمئات ضئيلة للغاية من الطعام المسبب للحساسية ثم زيادتها تدريجيا، قد أسفر عن نتائج واعدة للغاية. وربما يسهم في إنقاذ حياة البعض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..