مقالات وآراء

ذكريات “الصحافة” (3): عبود يعطل “الصحافة”

محمد علي صالح

في عام 1962، عطل النظام العسكري الأول، بقيادة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964)، صحيفة “الصحافة” بسبب تقرير مثير نشرته عن تجارة الرقيق في امدرمان.

كان تلك اول مرة تعطل فيها، منذ بداية صدورها (1961)، وقبل مرور عام واحد.

بعد ذلك، سيعطلها عبود مرتين، حتى انتهى نظامه بثورة اكتوبر (1964).

خلال الثورة، عطلها عبود مرة رابعة، لكن، تجرأ عبد الرحمن مختار، رئيس تحريرها، وأصدر “العدد السري”، ثم اعدادا سرية أخرى. بعد ان اختفى في الجيلي في منزل صديقه الدبلوماسي خليفة عباس، بينما كانت الشرطة تبحث عنه.

كان سبب التعطيل الأول تقرير مترجم من صحيفة “بيبول” (الناس) البريطانية عن بيوت في امدرمان لبيع وشراء فيها الرقيق. لكن، نشرت “الصحافة” التقرير بصورة مثيرة، وفي الصفحة الأولى، ومعه صور من الصحيفة، فيها صورة تاجر الرقيق.

كان العنوان الرئيسي: “طفل يباع في امدرمان بألف جنية.” وكلمة رئيس التحرير: “بلاغ للدولة: نطالب بشنق هذا الرجل في شوارع الخرطوم.”

في اليوم التالي، أصدرت وزارة الداخلية بيانا قللت فيه من أهمية الموضوع.  وقالت ان المسؤولين في الوزارة حققوا في الموضوع، و “قاموا بالإجراءات اللازمة.”

لكن، اثار الموضوع محمود أبو العزائم، الذي كان يعمل في صحيفة “الصراحة”، التي كان يصدرها عبد الله رجب. 

كانت “الصراحة” يسارية، لكنها هادنت نظام عبود العسكري.  وهادنه عبد الله رجب. ثم صار رئيسا لتحرير صحيفة “الثورة”، الناطقة بلسان الحكومة، والتي كانت تصدرها وزارة الإعلام.

صادف ذلك ثورة أكتوبر (1964)، عندما كتب عبد الله رجب سلسلة تعليقات ضد “جيل الطاشرات”، قاصدا طلاب جامعة الخرطوم الذين قادوا الثورة.

منذ قبل موضوع الرقيق، كانت العلاقة متوترة بين محمود أبو العزائم وعبد الرحمن مختار.  وكان التوتر سياسيا وشخصيا، حسب ما قيل في ذلك الوقت.

ودينيا تقريبا.  تربى عبد الرحمن مختار في عائلة انصارية، ووهبه والده الى السيد عبد الرحمن المهدى، وصار مسؤولا عن العلاقات العامة، وللسيد الصديق عبد الرحمن المهدى بعد وفاة والده (1959). ساعدوه في تأسيس “وكالة الاخبار الافريقية”، لمواجهة الاعلام المصري. ثم ساعدوه في الحصول على قرض بريطانيا لشراء ماكينات طباعة بريطانية، وتأسيس “دار الصحافة” في سوق الخرطوم نمرة اثنين (1961).

في الجانب الأخر، كانت صلة أبو العزائم بال المهدى قوية أيضا، لكن صلته بأل الميرغني كانت أقوى. كانت له ميول ختميه، وإذا عمل مختار في العلاقات العامة لأل المهدى، عمل أبو العزائم في العلاقات العامة لآل الميرغني.

حسب ما قيل في ذلك الوقت، كانا صديقين لدودين.

تعاونا في إصدار “وكالة الاخبار الافريقية.” لكن، رجحت كفة مختار، وظهرت خلافات شخصية ومهنية. واستقال أبو العزائم.

ثم تعاونا، مرة أخرى، في إصدار “الصحافة.” ومرة أخرى، ظهرت خلافات شخصية ومهنية. بالإضافة الى مواضيع مالية، عن القرض، والتأسيس، والميزانيات.

هذه المرة، أعلن أبو العزائم حربا علنية على مختار.  وكتب سلسلة تقارير مثيرة تحت عنوان “حقق معي يا وزير الداخلية”، عما قال إنها الاعيب، وفساد.

وحسب ما قيل في ذلك الوقت، كانت الاختلاف بينهما حول “الصحافة” لها صلة بصراعات بين الختمية والانصار، و صراعات خفية بين الاستخبارات المصرية والاستخبارات البريطانية.

لهذا، عندما نشرت “الصحافة” تقرير الرقيق عن صحيفة “بيبول” البريطانية، وردت وزارة الداخلية بان الموضوع لا يستحق كل هذه الاثارة، هب أبو العزائم، وكتب سلسلة تعليقات فيها عناوين مثل: “الصحافة والادعاءات الصهيونية” و “نقلت الصحافة عن زميلتها البريطانية الصهيونية.”

ورد مختار في سلسلة تعليقات تحت عنوان “عزيزي القارئ.” وتبعه صحفيون يعملون معه. لكن، تحمس هؤلاء، وانتقدوا وزارة الداخلية. وكتبوا تحت عناوين مثل: “هذا لا يكفي يا داخلية” و “مؤامرات اجنبية ضد السودان.” و “لابد من طمأنة الرأي العام.”

بعد أيام قليلة، أصدرت وزارة الداخلية بيانا فيه الآتي:

“يؤسفنا ان نعلن ان صحيفة “الصحافة” لم تنصاع للإنذارات الكثيرة التي وجهتها لها وزارة الداخلية في الماضي، وذلك بسبب تجاوزات كثيرة صدرت عنها … لقد رفضت الانصياع الى التوجيهات الرشيدة التي أصدرها معالي الرئيس منذ الأيام الأولى لثورة 17 نوفمبر المجيدة …  لهذا، قررت وزارة الداخلية تعطيلها لستة شهور ابتداء من يوم 20 يناير الجاري.”

—————–

الحلقة (4): صدمة شخصية

—————

[email protected]

MohammadAliSalih.com

Mohammad Ali Salih/Facebook

MellowMuslim #Twitter

===================

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..